شفق نيوز- بغداد
مع حلول شهر محرم، وكما جرت العادة في كل عام، تتشح العديد من المدن العراقية، ومنها العاصمة بغداد، بالسواد في ذكرى مقتل الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب، في كربلاء عام 61 للهجرة النبوية.
وبدأت الاستعدادات بشكل مبكر هذا العام في بغداد، فمنذ نحو أسبوع، انتشرت في الأسواق العامة الأعلام والرايات السوداء بأحجام كبيرة وصغيرة ومتوسطة، للإعلان عن بدء مراسم هذا الشهر، والذي يعد تعليق الرايات الحسينية على البيوت والمباني واللافتات التي تشير إلى "الثورة الحسينية" من أبرز مظاهر هذه المراسم.
وبحسب مختصين، فإن إعلان الحداد في شهر محرم وإظهار الحزن والإنشاد وتعليق الرايات والأعلام الحسينية أمر ليس بجديد في العراق، بل يعود إلى قرون ماضية، وما زال العراقيون يتوارثونه جيلاً بعد جيل.
حول هذه العادات، يقول الباحث الأكاديمي في مجال التاريخ محمد حريب، لوكالة شفق نيوز، إن "الأعلام والرايات تتضمن عبارات موجزة ذات رمزية خاصة، وكانت تستخدم في المعارك، ومنها معركة الطف”.
ويضيف أن "لواء الإمام الحسين عليه السلام حمله أخوه العباس، ويجسد رموز البطولة والشجاعة والإقدام والإيثار، واعتاد الناس على رفع الأعلام والرايات في شهر محرم كشعار للحزن والتذكير براية الطف، ما يجعل هذه الرايات واحدة من أبرز شعائر إحياء الثورة الحسينية، حيث رفعت لأول مرة فوق قبة الإمام الحسين بعد واقعة الطف بسنوات".
ومن الناحية التاريخية، فقد رفعت الأعلام والرايات السوداء ضمن احتفالات رسمية عامة جرت في شوارع بغداد خلال الدولة البويهية، مشيراً إلى أن "معز الدولة البويهي هو أول من أمر بإقامة تجمعات ومسيرات حسينية في العاشر من محرم عام 353 للهجرة".
ويتابع: "ومنذ ذلك اليوم وحتى الآن، وعلى الرغم من تحدي السلطات المتعاقبة في العراق خلال العقود الطويلة الماضية ومحاربتها للشعائر الحسينية ونشر السواد وتعليق الرايات فوق المنازل في شهر محرم، إلا أن تلك الشعائر صمدت أمام مختلف الظروف والتحديات لأنها جزء راسخ من عقيدة أحد أكبر المكونات الاجتماعية في العراق".
وإلى جانب الرايات، ثمة لافتات بأحجام كبيرة يتم تعليقها في شهر محرم فوق المساجد وعلى جدران البيوت الخارجية للتذكير بهذا الشهر.
وفي مناطق بغداد، وخاصة في المناطق الشعبية، تصطف الرايات مرفرفة فوق البيوت والمباني بشكل لافت ضمن عادات الناس في استقبال شهر محرم.
وحيثما يتجه المرء في العديد من الأحياء السكنية يجد رايات بأحجام وألوان مختلفة، فثمة رايات سوداء وأخرى حمراء تصطف بشكل لافت مرفرفة فوق البيوت والمباني.
تقول الحاجة أم علي في حديثها لوكالة شفق نيوز: "منذ عشرات السنين اعتدنا على تعليق رايات الإمام الحسين عليه السلام فوق بيتنا، وحيثما ننتقل لا نترك هذه الشعيرة الحسينية المباركة التي ورثناها من الأجداد".
وتعرب الحاجة أم علي عن اعتقادها بأن نشر الرايات الحسينية يجلب البركة والأمان والتمسك بحبل الله المتين عبر الإيمان بأوليائه المخلصين وإظهار الحزن على مصائبهم وعلى معاناتهم وهم يتصدون لجبهة الانحراف والاستبداد وسفك الدماء.
وأبرزت محال بيع الثياب الدشاديش والسراويل ذات الألوان السوداء على الواجهات، إذ أصبحت تلقى مبيعاتها إقبالاً في هذه الفترة، ودفع الإقبال على شراء الملابس السوداء إلى ارتفاع الأسعار قليلاً، كما توفرت في المحال أيضاً طاقيات للشباب والأطفال تحمل عبارات حسينية.
من جانبه، يشير مرتضى الخفاجي - صاحب محل ثياب في البياع – إلى أن "الطلب يكثر علينا قبل عدة أيام من حلول شهر محرم على شراء الثياب السوداء المتنوعة من التراكات والدشاديش والطاقيات وسواها، لأن الناس اعتادوا على ارتدائها في شهر محرم، وخاصة في الأيام العشرة الأولى من الشهر".
ويبين الخفاجي، خلال حديثه لوكالة شفق نيوز، أن "شراء الثياب السوداء ارتفع كثيراً هذه الأيام من قبل الرجال والنساء على حد سواء"، لكنها لا تمنع المواطنين من الشراء، وفق قوله.
واستقبلت العاصمة بغداد مبكراً قدوم شهر محرم بنصب المواكب والسرادق التي تزينت بالأعلام واللافتات الحسينية، وهي تقدم مجاناً خدماتها للمواطنين والزائرين.
وثمة مواكب تقدم وجبات الطعام بشكل يومي، ومواكب أخرى تقوم بتوزيع الماء والشاي والقهوة، ويعد ذلك من الشعائر والطقوس التي اعتاد عليها أصحاب المواكب في شهر محرم.
وينوه المواطن عماد حسين، صاحب موكب في الحارثية، إلى أن "موكبه الذي تأسس منذ سنوات طويلة يقدم خدماته خلال شهر محرم للزائرين والمواطنين ضمن إحياء مراسم عاشوراء".
ويؤكد أن "الموكب يقدم وجبة طعام العشاء ابتداءً من الليلة الأولى لشهر محرم وحتى اليوم السابع منه"، مردفاً: "منذ اليوم السابع من محرم وحتى الثالث عشر من الشهر نفسه يقوم الموكب بإعداد ثلاث وجبات طعام يومياً تتضمن الإفطار والغداء والعشاء".
ويقبل كثير من المواطنين على تناول الطعام المجاني في المواكب الحسينية، وبعضهم يجلب معه قدراً بغية ملئه بالطعام إلى أسرته.
وبحسب المواطن كاظم عبد الغني، فإن الطعام الذي يقدم باسم الإمام الحسين يحمل البركة والشفاء للمرضى.
ويوضح في حديثه للوكالة: "حتى لو لم أكن جائعاً أو عطشاناً، فإن مروري بالمواكب التي توزع الماء والطعام يجعلني أتوقف قليلاً لشرب رشفات من الماء وتناول لقيمات من الطعام من أجل التبرك".
وتشكل الرايات والأعلام والشعائر الحسينية المختلفة في شهر محرم تحفيزاً للذاكرة الجمعية العراقية في استعادة الصور الملحمية التي جسدها الإمام الحسين وأصحابه في يوم "عاشوراء" العاشر من شهر محرم.