شفق نيوز- بغداد/ عمان/ القدس

فتحت خطوة إيداع العراق خرائط إحداثيات مجالاته البحرية لدى الأمم المتحدة في 18 شباط/ فبراير 2026، أبواباً لم تكن موصدة تماماً مع محيطه العربي، ليتجاوز المشهد حدود الخلاف الفني بين بغداد والكويت نحو أزمة ثقة دبلوماسية هزت أركان تحالفات استراتيجية.

وبينما ترى بغداد في الخطوة استرداداً لـ"رئة اقتصادية" وحقاً سيادياً كفله قانون البحار لعام 1982، جاءت ردود الفعل من عواصم عربية - لطالما اعتبرها العراق عمقاً وسنداً - لتمثل صدمة في الأوساط الرسمية والشعبية، وتثير تساؤلات حادة حول جدوى "دبلوماسية العطايا" مقابل المواقف السياسية.

وهذا التباين الحاد في المواقف، الذي دفع وزارة الخارجية العراقية إلى استدعاء سفراء الأردن ومصر وفلسطين، أمس الخميس، للتعبير عن "الأسف"، يكشف عن معضلة بنيوية في العمل العربي المشترك؛ حيث تتقاطع "السيادة الوطنية" للعراق مع اعتبارات "التضامن الخليجي" والالتزامات الدولية الموروثة منذ تسعينيات القرن الماضي.

وفي خضم هذا الاستقطاب، يبقى "خور عبد الله" الممر الملاحي الوحيد الذي يربط موانئ أم قصر والزبير وميناء الفاو الكبير - في محافظة البصرة أقصى جنوب العراق - بالعالم، نقطة الارتكاز التي تعيد تموضع التحالفات في المنطقة وفق مبدأ "المصالح أولاً".

"نكران الجميل"

ويرى مراقبون في بغداد، أن المواقف العربية الأخيرة اتسمت بـ "التناقض الصارخ"، خاصة من دول تحظى بامتيازات اقتصادية عراقية استثنائية، وفي هذا السياق، يقول المحلل السياسي علي الحبيب، إن "ما شهدناه من مواقف دول عربية، خصوصاً الأردن وفلسطين، يمثل صرخة كبيرة بالتناقضات العربية ونكراناً للجميل".

ويوضح الحبيب لوكالة شفق نيوز، أن "الأردن الذي يستفيد من امتيازات عراقية تمنح له، من تخفيض أسعار النفط إلى 16 دولاراً لقرابة 15 ألف برميل يومياً، جاء موقفه متناغماً مع الكويت على حساب السيادة العراقية وحق العراق في منفذه البحري الوحيد".

ويضيف، أن "هذه المواقف لا تعكس دبلوماسية فحسب، بل واقعاً عربياً مشتتاً تُغلب فيه المصالح الضيقة على وحدة العراق كدولة مركزية لها ثقل تاريخي، مما يوجب على الحكومة العراقية إعادة رسم علاقاتها وربط الدعم المالي والاقتصادي بمدى احترام السيادة الوطنية".

"التمسك بالمرجعيات"

وفي المقابل، تظهر الرؤية من عمان مختلفة، حيث تُبرر المواقف بأنها التزام بمرجعيات دولية سابقة، وفي هذا الجانب يؤكد المحلل السياسي الأردني حازم عياد، أن "موقف عمان استند إلى القانون الدولي والاتفاقات والتفاهمات العراقية الكويتية السابقة، وهو منسجم مع مواقف الجامعة العربية التي تدعو للحوار والامتناع عن اتخاذ إجراءات أحادية".

ويلفت عياد خلال حديثه لوكالة شفق نيوز، إلى أن "ملف خور عبد الله هو ملف جدلي داخل العراق ذاته، وتتباين فيه آراء القوى السياسية والقرارات الصادرة من الحكومات المتعاقبة، وحتى من المحاكم العراقية".

ويشير عياد بهذا إلى قرار المحكمة الاتحادية العليا (أعلى سلطة قضائية في العراق) الصادر في 4 أيلول/ سبتمبر 2023، القاضي بعدم دستورية قانون تصديق اتفاقية تنظيم الملاحة البحرية في خور عبد الله مع الكويت.

وبحسب المحلل السياسي الأردني، فإن "موقف عمان مستند إلى جملة من الوقائع وليس تعبيراً عن انحياز أو رغبة في التأزيم، بل هو انسجام مع المسار التاريخي والقانوني الذي تطور فيه الملف منذ قرار مجلس الأمن 833 لسنة 1993".

"انقسام" فلسطيني

أما الموقف الفلسطيني، فقد أثار الحساسية الأكبر نظراً للدعم العراقي اللامحدود للقضية، فيما يعتقد الكاتب والمحلل السياسي الفلسطيني فرحان علقم، أن "آخر ما تحتاجه فلسطين هو المواقف غير المحسوبة والانحياز لطرف على حساب آخر".

ويقول علقم لوكالة شفق نيوز، إن "الفلسطينيين لا يملكون ترف الزج بأنفسهم في أتون هذه الخلافات، وكان الأجدى بالسلطة أن تظل على مسافة واحدة، لا أن يُشم من موقفها رائحة تبعية لجهات بعينها".

ويستذكر علقم الروابط الدموية قائلاً، إن "الشعب الفلسطيني لا ينسى تضحيات الأشقاء، وقبور الشهداء العراقيين على مدخل مدينة جنين خير شاهد على هذا الارتباط العضوي، ولا يرضيه مثل هذا الانحياز الذي قد يؤدي لخسارة حليف استراتيجي كالعراق".

ووفقاً للمعلومات التي تحصلت عليها وكالة شفق نيوز، الأربعاء الماضي، فقد أكدت أن بغداد قررت الانتقال من الدفاع إلى الهجوم القانوني بعد إيداع الخرائط في شباط/ فبراير الجاري لدى الأمم المتحدة، فيما شدد وكيل وزارة الخارجية محمد حسين بحر العلوم خلال لقائه السفراء العرب، أمس الخميس، على أن "قرار العراق هو حق سيادي ثابت" تم تنفيذه بالتوافق مع اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982.

ويأتي هذا التحرك العراقي ليرد على مطالبات أمين عام مجلس التعاون الخليجي جاسم البديوي، الاثنين الماضي، بسحب الإحداثيات، حيث يرى العراق أن تحديد المجالات البحرية شأن سيادي لا يحق لأي دولة التدخل فيه.

ويرى مراقبون أن هذه الضغوط بدأت تؤتي ثمارها جزئياً، حيث أكدت سفيرة فلسطين في بغداد سمر عبد الرحمن، أمس الخميس، حرص بلادها على احترام سيادة العراق، معتبرة أن البيان الذي أثار الجدل "لا ينسجم مع توجهات السياسة الفلسطينية"، في محاولة واضحة لاحتواء الغضب الشعبي والرسمي العراقي.