شفق نيوز- بغداد/ القاهرة/ رام الله/ موسكو

بعد ثلاثة أيام فقط من بدء العام الجديد 2026، بدت خريطة التوتر الإقليمي والدولي وكأنها تتحرك بوتيرة متسارعة، مع تصاعد التطورات في فنزويلا، وتكثيف الضربات الجوية السعودية في اليمن، واستمرار الاحتجاجات في إيران، وسط اشتباكات سياسية وعسكرية مفتوحة في أكثر من ساحة.

هذه التحركات المتزامنة أعادت طرح تساؤلات عميقة حول ما إذا كانت المنطقة تقف على أعتاب مرحلة جديدة من الصراع، تختلف في أدواتها لكنها لا تقل خطورة عن المراحل السابقة.

ويرى مراقبين أن تتابع هذه الأحداث خلال فترة زمنية قصيرة لا يمكن فصله عن تحولات أوسع في السياسة الدولية، حيث تتجه القوى الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة، إلى إعادة ترتيب ملفات الصراع، عبر أدوات غير تقليدية، تشمل الفوضى الداخلية والحروب بالوكالة والضغط الاقتصادي والسياسي، ما يثير مخاوف من أن يكون العراق إحدى الساحات المقبلة لهذا المشهد المتشابك.

الفوضى الممنهجة

مدير مركز "جي إس إم" للأبحاث والدراسات في موسكو، آصف ملحم، يضع ما يجري في إطار أوسع، معتبراً أن "كل حالة من الحالات، سواء في إيران أو لبنان أو غزة أو اليمن أو أي منطقة في العالم، هي فوضى لها أسباب مباشرة، لكن من يقود سياسة العالم ويتحكم بكل شيء هي الولايات المتحدة".

ويضيف ملحم لوكالة شفق نيوز، أن "الفوضى تساعد الدول خصوصاً أميركا، على التدخل وحصد الجوائز بأسلوب الابتزاز"، موضحاً أن الاحتجاجات الاقتصادية في إيران على سبيل المثال، "تدفع الدول الغربية إلى القول إن النظام غير ديمقراطي وغير صالح للحكم، ومحاولة ابتزاز طهران عبر المؤسسات الأممية والدولية".

ويشير إلى أن عدم الاستقرار في اليمن ولبنان وسوريا "يفتح الباب أمام تدخل الدول الغربية في شؤون هذه الدول واستثمار خلافاتها السياسية، ليس للاستفادة من ثرواتها فقط بل أيضاً لإبعاد نفوذ روسيا والصين عنها".

حروب بالوكالة

من جانبه، يرى أستاذ الفكر الصهيوني بجامعة الإسكندرية، أحمد فؤاد أنور، أن ما يحدث اليوم "هو إعادة إنتاج لنسخة جديدة من الحروب بالوكالة"، موضحاً أن الصدامات لم تعد مباشرة، بل تحولت إلى "صدامات الفناء الخلفي".

ويحذر أنور، في حديثه لوكالة شفق نيوز، من أن "الملف العراقي قد يُفتح عبر القلاقل الداخلية كما حصل في اليمن والسودان، وبالطريقة نفسها التي يعتمدها الجانب الإسرائيلي في غزة ولبنان"، مؤكداً أن هذه الملفات "أوراق متداولة وتدخل ضمن مساومات بين أطراف دولية كبرى".

مرحلة جديدة

الخبير في العلاقات الدولية من رام الله، أشرف عكة، يذهب أبعد من ذلك، معتبراً أن ما يجري "إشارة واضحة إلى مرحلة إقليمية جديدة"، وأن "العراق هو الهدف في إطار محاصرة إيران والمنطقة وقتل أي مشروع يواجه السلوك الأميركي–الإسرائيلي–الغربي".

ويقول عكة لوكالة شفق نيوز إن "التفتيت المقبل أصبح قاب قوسين أو أدنى بفعل ما تفعله أميركا وإسرائيل في العالم"، مشيراً إلى أن "المشروع الصهيو–أميركي بات واضحاً باتجاه الهيمنة والاستعمار ونهب موارد الشعوب والدول".

وبرأيه، فإن الشرق الأوسط "هو الأكثر عرضة لهذه المرحلة"، في ظل "صفقات تبدو أنها تُدار بين الدول الكبرى الفاعلة في النظام الدولي، وتسمح بهذه الإجراءات والهجمات".

ملفات مؤجلة

أما رئيس المركز العربي الأسترالي للدراسات الاستراتيجية، أحمد الياسري، فيربط بين التطورات الحالية والزمن السياسي، مشيراً إلى أن "هذه ملفات كانت مؤجلة لعام 2026".

ويوضح الياسري لوكالة شفق نيوز، أن ما يجري في اليمن "يعكس اختلال بوصلة الأهداف والمصالح بين الإمارات والسعودية"، في حين أن التظاهرات في إيران "تمثل ضغطاً من الداخل لتهيئة الاستهداف من الخارج"، أما فنزويلا فقد "دخلت أيضاً ضمن المعادلة الأميركية، وهي أشبه بعملية تغيير".

رسائل إلى العراق

في السياق ذاته، يرى أستاذ العلوم السياسية في الجامعة المستنصرية، الدكتور عصام الفيلي، أن هناك "رؤية أميركية جديدة تقوم على القضاء على كل ما يشكل قلقاً لها، سواء في فنزويلا أو إيران"، مؤكداً أن واشنطن "تستخدم أساليب متعددة لكن النتيجة واحدة".

ويشير الفيلي خلال حديثه لوكالة شفق نيوز، إلى أن "التدخل في فنزويلا كان عسكرياً، وفي إيران يتمثل بتحريك الشارع"، لافتاً إلى أن الولايات المتحدة "قد تتدخل مباشرة أو عبر حلفائها، وفي مقدمتهم إسرائيل، التي تُعد لتوجيه ضربة مختلفة لإيران، وسط حديث عن أن ما سُمّي بحرب الأيام الـ12 لم يكن سوى بداية".

وفيما يخص العراق، يؤكد الفيلي أن "رسائل المبعوث الأميركي سافايا كانت واضحة وموجهة إلى الفصائل والنخب السياسية"، وتتضمن "نزع السلاح ومكافحة الفساد ومنع التدخلات الخارجية في الشأن العراقي"، وهذه الرسائل "تشبه ما سبق التدخل في فنزويلا"، محذراً من أن "لا منطقة مستثناة من الاستهداف الأميركي".

وخلص إلى أن الإعلان عن اعتقال الرئيس الفنزويلي وزوجته "يحمل رسالة إلى كل الرؤساء والدول التي تتقاطع مع المصالح الأميركية"، مفادها أن "المنطقة مقبلة على استهدافات كبيرة، وكل صوت يعارض هذه التوجهات قد يلقى المصير ذاته".

وكان وزير الحرب الأمريكي بيت هيغسيث، قال مساء اليوم، إن "بإمكان أميركا أن تفرض إرادتها في أي مكان وفي أي وقت"، مردفاً أن مادورو "أتيحت الفرصة له، تماماً كما أتيحت الفرصة لإيران، إلى أن ضاعت".

وفي وقت سابق من اليوم، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، عقب الضربات الجوية على البلاد.

ودخلت فنزويلا فجر اليوم السبت، على خط تصعيد عسكري مفاجئ بعدما هزّت انفجارات متتالية العاصمة كراكاس، في وقت تحدثت فيه الحكومة عن هجوم أميركي استهدف مواقع مدنية وعسكرية في أكثر من ولاية.