شفق نيوز- بغداد
يعود ملف خدمة العلم (التجنيد الإلزامي) إلى واجهة الجدل في العراق، وسط تباين حاد بين رؤى أمنية تعتبره ركيزة أساسية في بناء الدولة والدفاع الوطني، وأخرى سياسية وخبراء يرون أنه عبء اقتصادي لا ينسجم مع التحولات التكنولوجية في طبيعة الحروب، ويكشف هذا الجدل عن فجوة واضحة بين منطق التعبئة التقليدية ومتطلبات الأمن المعاصر.
وأنهى مجلس النواب العراقي القراءة الأولى لمقترح قانون "خدمة العلم" يوم الأحد، فيما وجّه رئيس المجلس هيبت الحلبوسي باستضافة الجهات المعنية، وهي وزارات الدفاع والتخطيط والمالية ورئاسة أركان الجيش، للاطلاع على ملاحظاتها بشأن القانون.
ويتضمن المشروع أحكاماً تنظم إعادة العمل بخدمة العلم في العراق، من خلال تحديد الفئات المشمولة، ومدد الخدمة الإلزامية، وآليات الاستدعاء والتأجيل والإعفاء والاحتياط، فضلاً عن تنظيم الجوانب الإدارية والمالية للمشمولين.
جذور الأزمة
وفي هذا السياق، يؤكد الخبير الأمني علاء النشوع أن التجنيد بحد ذاته يدخل ضمن التعبئة العامة، موضحاً أنه يحتاج إلى موازنات مادية ومعنوية عالية وهيكل إداري واسع يشمل مديريات في كل محافظة تتبعها دوائر في الأقضية والنواحي والقصبات، فضلاً عن منشآت ومباني وكادر كبير من الضباط والمراتب والكوادر الإدارية.
ويضيف النشوع لوكالة شفق نيوز، أن المنظومة تشمل أيضاً مدارس الصنوف والوحدات العسكرية بحسب الحاجة، خاصة القتالية والساندة والفنية والإدارية، مشيراً إلى أن هناك مديرية عامة للتجنيد ترتبط برئاسة أركان الجيش ووزارة الدفاع، وتُخصص لها إمكانات كبيرة خصوصاً في أوقات الحرب، التي تتطلب تسويق أعداد كبيرة من المواليد إضافة إلى خدمة الاحتياط.
كما يلفت الخبير الأمني الانتباه إلى أن مدة الخدمة تختلف بين السلم والحرب، إذ لا توجد مدة محددة في زمن الحرب بينما في السلم تشمل المكلفين من سن 18 إلى 45 عاماً، مع إمكانية استدعاء الاحتياط عدة مرات كما تشمل الخدمة من تنتهي أعذارهم القانونية كالدراسة أو الحالات الطبية، على أن يُلزموا بالتجنيد بعد انتهاء العذر.
ويؤكد النشوع أن الخدمة الإلزامية ليست اختيارية بل جبرية معتبراً أنها واجب مقدس للدفاع عن الوطن وأن القوانين العراقية تعدّ التخلف عنها جريمة هروب من الجرائم المخلة بالشرف.
وفي وقت سابق من اليوم، أكد رئيس مجلس النواب هيبت الحلبوسي أن قانون "خدمة العلم" لا يهدف إلى عسكرة المجتمع، بل إلى تعزيز شعور الشباب بالانتماء إلى الوطن، رافضاً وصفه بـ"التجنيد الإلزامي"، تزامناً مع إنهاء المجلس القراءة الأولى للمشروع خلال جلسته الاعتيادية.
اعتراضات على القانون
في المقابل، أبدى عدد من أعضاء مجلس النواب العراقي، الأحد، اعتراضهم على المضي بإقرار مقترح قانون "خدمة العلم"، وبحسب وثائق اطلعت عليها وكالة شفق نيوز، فقد جُمعت عشرات التواقيع النيابية التي تطالب رئاسة المجلس بسحب المقترح مؤقتاً أو تأجيله إلى حين تشكيل الحكومة الجديدة، وأخذ رأيها بشأنه، فضلاً عن تقييم واقع وزارة الدفاع والاحتياجات العسكرية.
وفي هذا الجانب، يرى الخبير الأمني عدنان الكناني أن هذا التوجه في الظروف الحالية يمثل جريمة كبرى بحق الشعب العراقي، مبيناً أن المصادقة على القانون قد تؤدي إلى انهيار الميزانية وحرمان الشباب من فرص العمل.
ويضيف الكناني لوكالة شفق نيوز، أن الحل يكمن في توجيه الموازنات نحو تطوير مهارات الشباب عبر التدريب في مجالات حديثة مثل الحروب السيبرانية والحروب النفسية مؤكداً أن طبيعة الحروب أصبحت إلكترونية وليست بشرية ما يتطلب كوادر رقمية متخصصة بدلاً من التوسع في التجنيد التقليدي.
تحفظات سياسية
من جهته، يوضح عضو لجنة الأمن والدفاع النيابية سعد العوادي أن مشاريع القوانين تمر بمراحل متعددة تبدأ بالقراءة الأولى التي لا تعني الإقرار، تليها القراءة الثانية ثم التصويت النهائي.
ويكشف العوادي لوكالة شفق نيوز، أن هناك مطالبات نيابية بسحب مشروع القانون مشيراً إلى أن الاتجاه العام داخل البرلمان يميل نحو التكنولوجيا أكثر من الاعتماد على الموارد البشرية، مع وجود ترهل في القوى البشرية يقدّر بنحو مليون وستمائة ألف.
كما يؤكد وجود امتعاض واسع داخل الكتل السياسية مع أغلبية تميل إلى رفض القانون، معتبراً أن المضي به حالياً يمثل مجازفة سياسية في ظل التحديات الاقتصادية والعسكرية.
رؤية داعمة للقانون
من ناحية أخرى، يرى الباحث في الشأن السياسي زيد الشمري أن قانون خدمة العلم يمثل خطوة مهمة لتعزيز الدولة وترسيخ الأمن الوطني موضحاً أنه لا يقتصر على الجانب العسكري فقط، بل يسهم في بناء جيل منضبط وواعٍ يحمل روح المسؤولية والانتماء.
ويضيف الشمري لوكالة شفق نيوز أن القانون سيعزز جاهزية الجيش ويحد من البطالة والفراغ فضلاً عن دوره في ترسيخ التعايش والانصهار الوطني بين مكونات الشعب داخل مؤسسة واحدة مؤكداً أن التطبيق الصحيح له يمكن أن يشكل ركيزة لبناء دولة أكثر استقراراً وقوة.
وشهد ملف التجنيد الإلزامي في العراق محاولات متكررة لإعادته إلى الإطار القانوني منذ عام 2003، إلا أنه لم ينجح حتى الآن في اجتياز المسار التشريعي بشكل نهائي.