شفق نيوز- بغداد
يبلغ عدد العراقيين الذين يتلقون دخلاً مباشراً من الخزينة العامة نحو 15.05 مليون شخص، بواقع 4.55 مليون موظف في القطاع العام، ونحو 2.9 مليون متقاعد، و7.6 مليون مستفيد من برامج الحماية الاجتماعية، وفق أحدث الأرقام والبيانات المتاحة التي اطلعت عليها وكالة شفق نيوز.
وتمتد آثار هذه الدخول إلى أفراد أسرهم بصورة غير مباشرة، ما يجعل الإنفاق الحكومي مصدراً رئيسياً للمعيشة لجزء واسع من سكان العراق البالغ عددهم نحو 46 مليون نسمة.
في وقت تميل فيه الموازنة العراقية بصورة متزايدة إلى تمويل الدخول والاستهلاك والإنفاق الجاري وتوزيع عائدات النفط، على حساب الاستثمار وخلق فرص العمل وتنمية الإيرادات غير النفطية.
فجوة مالية
وطبقاً لأحدث بيانات تنفيذ الموازنة التي نشرتها وزارة المالية العراقية، الأحد الماضي، عن الأشهر السبعة الأولى من العام الحالي، فقد بلغت الإيرادات نحو 39.096 تريليون دينار، مقابل مصروفات بلغت 65.424 تريليوناً، ما أسفر عن عجز فعلي قدره نحو 26.329 تريليون دينار حتى نهاية تموز/ يوليو.
وجاء نحو 30.356 تريليون دينار، أو 78% من الإيرادات، من النفط، مقابل 8.740 تريليون دينار من الإيرادات غير النفطية.
وزاد الضغط على الإيرادات النفطية خلال العام الحالي بفعل أزمة مضيق هرمز، التي تسببت في تراجع صادرات العراق من الخام بنحو 75% في ذروة الأزمة، فيما انخفضت الإيرادات النفطية الشهرية من نحو 6.8 مليارات دولار في شباط/ فبراير إلى قرابة 2.3 مليار دولار في أيار/ مايو وحزيران/ يونيو، وفق بيانات وتقارير مالية.
وفي جانب الإنفاق، بلغت تعويضات الموظفين والرواتب نحو 35.875 تريليون دينار، فيما وصلت مخصصات الرعاية الاجتماعية إلى 15.989 تريليوناً.
وبجمع البندين، يتجاوز الإنفاق عليهما 51.8 تريليون دينار خلال سبعة أشهر فقط، أي ما يعادل نحو أربعة أخماس إجمالي المصروفات المسجلة في الفترة نفسها.
كما بلغ الإنفاق على خدمة الدين نحو 6.239 تريليون دينار حتى نهاية تموز/ يوليو.
وتعكس هذه الأرقام، وفق منشور للخبير الاقتصادي نبيل المرسومي على "فيسبوك"، أن الإنفاق على الرواتب والرعاية الاجتماعية تجاوز الإيرادات العامة المسجلة خلال الفترة نفسها، وهو ما يزيد الضغط على المالية العامة في اقتصاد يعتمد بصورة كبيرة على النفط.
لكن هذه الصورة لا تعني أن الدولة تنفق على الرواتب والحماية الاجتماعية بوصفهما بندين غير ضروريين، بل تكشف اتساع الالتزامات الجارية مقارنة بقدرة الاقتصاد على توليد إيرادات مستقلة عن النفط.
"دولة الرواتب"
وفي هذا السياق، يقول الخبير المالي والاقتصادي صفوان قصي، إن عدد الموظفين الذين تمولهم الخزينة المركزية يقترب من 4.1 مليون موظف، فيما قد يصل عدد المتقاعدين إلى نحو مليوني شخص، مع اختلاف مصادر تمويل الفئات التقاعدية.
ويوضح قصي لوكالة شفق نيوز، أن المتقاعدين السابقين لعام 2003 يحتاجون إلى دعم من وزارة المالية لتسديد مستحقاتهم، بينما يفترض أن تمول بقية الاستحقاقات التقاعدية من صندوق التقاعد.
أما شبكة الرعاية الاجتماعية، فيشير قصي إلى أن أعداد المشمولين بها تتراوح بين 1.5 و2 مليون، إلى جانب قوات الحشد الشعبي والبيشمركة والقوات الأخرى المرتبطة بالقائد العام للقوات المسلحة، والتي يفترض أن تظهر ضمن أبواب الإنفاق الأمني في الموازنة بحسب طبيعة الجهة واختصاصها.
نمو الالتزامات
بدوره، يشير المختص في إدارة الأزمات وإدارة مؤسسات الدولة، علي جبار، إلى ضرورة الفصل بين الموظف والمستفيد عند محاولة قياس حجم المجتمع المرتبط بالخزينة.
ويقول جبار لوكالة شفق نيوز، إن العراق لديه نحو 4 ملايين موظف يتقاضون رواتب مقابل العمل، وأكثر من مليون متقاعد يتقاضون استحقاقات تقاعدية، ونحو مليوني أسرة ضمن شبكة الحماية الاجتماعية تتلقى تحويلات نقدية، إضافة إلى القوات الأمنية وفئات أخرى.
ويحذر جبار من جمع هذه الفئات باعتبارها كلها "موظفين" أو اعتبار أفراد أسرهم مستفيدين مباشرين، لكنه يرى أن البلاد أمام كتلة كبيرة مرتبطة بالدخل العام.
والمشكلة، بحسب جبار، ليست في دفع الرواتب أو التقاعد أو الحماية الاجتماعية، إذ إن الدولة مطالبة بتوفير هذه الاستحقاقات، وإنما في أن الإنفاق الجاري ينمو بوتيرة أسرع من قدرة الاقتصاد على توليد إيرادات غير نفطية وفرص عمل وإنتاج جديد.
ويبين أن فاتورة الرواتب والتقاعد ارتفعت من نحو 57.6 تريليون دينار في 2022 إلى 68.2 تريليوناً في 2023، ثم إلى 78.7 تريليوناً في 2024، فيما تدور تقديرات 2025 و2026 حول 83 إلى 86 تريليون دينار.
ثقل الإنفاق
أما الخبير الاقتصادي، أحمد عبد ربه، فيقدر رواتب الموظفين والمتقاعدين وتخصيصات الرعاية الاجتماعية بنحو 8 تريليونات دينار شهرياً، أو ما يقارب 96 تريليون دينار سنوياً إذا بقي الإنفاق عند مستوياته الحالية.
ويشير عبد ربه خلال حديثه لوكالة شفق نيوز، إلى أن الإنفاق الاتحادي خلال النصف الأول من 2026 بلغ نحو 54.673 تريليون دينار، فيما بلغت تعويضات الموظفين والرواتب نحو 30.769 تريليوناً، أي أكثر من نصف الإنفاق الفعلي خلال تلك الفترة.
لكن عبد ربه يتحفظ على وصف الموازنة بأنها مجرد موازنة رواتب وتوزيع لعائدات النفط، لافتاً إلى وجود إنفاق استثماري ومشاريع للبنى التحتية والخدمات، إلا أن ارتفاع الوزن النسبي للإنفاق الجاري، ولا سيما الأجور والتقاعد والدعم والحماية الاجتماعية، قلل من قدرة الموازنة على أداء دورها التنموي الكامل.
وتزداد ضغوط هذا الإنفاق مع اعتماد الدولة على النفط، حيث تشير تقديرات صندوق النقد الدولي في تقرير المشاورات بشأن العراق لعام 2025 إلى أن إيرادات النفط ستبقى فوق 90% من الإيرادات الحكومية حتى 2030 وفق توقعاته، فيما قد ترتفع حصة الرواتب والمعاشات إلى 54% من إجمالي الإنفاق بحلول 2030 في حال استمرار الاتجاهات الحالية.
ويحذر الصندوق من أن صلابة الإنفاق الجاري وتراجع الإيرادات النفطية قد يرفعان العجز والاحتياجات التمويلية، داعياً إلى ضبط فاتورة الأجور وزيادة الإيرادات غير النفطية مع حماية الإنفاق الرأسمالي.
الموازنة تحت الرقابة
وقررت اللجنة المالية النيابية استضافة وزير المالية فالح ساري لمناقشة أولويات موازنة 2027 وموعد إرسالها إلى مجلس النواب، مع إبداء اللجنة عتباً على عدم اطلاعها مسبقاً على مواد ومسودة القانون.
وقال عضو اللجنة المالية باسم الغرابي، يوم الأحد الماضي، لوكالة شفق نيوز، إن الاستضافة تهدف إلى الاطلاع على حجم الموازنة والإيرادات النفطية وغير النفطية وحجم النفقات التشغيلية والعامة والاستثمارية، فيما طلبت اللجنة وثائق وبيانات من وزارات المالية والتخطيط والنفط والبنك المركزي وتقارير ديوان الرقابة المالية الاتحادي.
وبحسب الإطار الزمني الذي أشارت إليه اللجنة، يفترض أن تصل مسودة الموازنة إلى مجلس النواب في 15 تشرين الأول/ أكتوبر الجاري، بعد استكمال إجراءاتها الحكومية.
اختبار الإصلاح
في المقابل، لا تقدم وزارة المالية موازنة 2027 بوصفها مجرد زيادة في الإنفاق، ففي 31 آب/ أغسطس 2026، تابع وزير المالية فالح ساري مراحل إعداد موازنة البرامج والأداء، مؤكداً أن الانتقال إليها يهدف إلى ربط تخصيص الموارد بالبرامج والأهداف والنتائج.
وفي هذا الصدد، يرى صفوان قصي أن الموازنة الجديدة يفترض أن تعتمد أسساً أكثر دقة في تقدير النفقات، بالتزامن مع التوسع التدريجي في تطبيق موازنة البرامج على الوزارات الاتحادية.
كما يشير إلى رغبة وزارة المالية في إحكام السيطرة على الإيرادات غير النفطية وإلزام الوحدات الحكومية بتسوية مستحقاتها في حساب الخزينة الموحد، بما يسمح للوزارة بتحديد أولويات الإنفاق بصورة أكثر دقة.
بالتالي، فإن اعتماد الدولة الكبير على النفط وارتفاع فاتورة الأجور يضغطان على المساحة المتاحة للإنفاق الاستثماري.
أما عبد ربه، فيرى أن موازنة البرامج والأداء يمكن أن تغير السؤال الأساسي الذي يحكم الإنفاق العام: بدلاً من السؤال عن حجم التخصيص الذي حصلت عليه الوزارة، يصبح السؤال ماذا حصل المجتمع مقابل هذا الإنفاق؟
فالمؤشر، بحسب رؤيته، يمكن أن ينتقل من عدد الموظفين والمستلزمات إلى عدد المدارس المنجزة، وكفاءة المستشفيات، وإنتاجية المشاريع، وزيادة الإيرادات غير النفطية، وخلق فرص العمل وتحسين الخدمات.
ويشير إلى أن موازنة 2027 ستكون اختباراً لهذا التحول، خصوصاً مع إدراج تثبيت العاملين بعقود على الملاك الدائم، لأن تحويل الإنفاق المؤقت إلى التزام دائم يرفع الكلفة المستقبلية على الخزينة.
ضغط الدولار
وفي الوقت نفسه، تواجه المالية العامة اختباراً آخر عبر سوق الصرف، فأمس الاثنين، تجاوز سعر الدولار في السوق الموازية مستوى 160 ألف دينار لكل 100 دولار، في وقت بقي السعر الرسمي عند 1320 ديناراً للدولار في التعاملات الرسمية.
ويعزو الخبير الاقتصادي علي دعدوش، في حديث لوكالة شفق نيوز، في وقت سابق من اليوم، ارتفاع سعر الدولار إلى المضاربة وحالة عدم اليقين وتأخر بعض الحوالات الرسمية، فضلاً عن زيادة الطلب على العملة لتمويل الاستيرادات من إيران، ومخاوف التجار والمواطنين من أي تغيير محتمل في سعر الصرف ضمن موازنة 2027.
وفي المقابل، قال البنك المركزي العراقي في بيان صدر في 19 أيلول/ سبتمبر 2026 إن احتياطياته الأجنبية كافية لتلبية الطلب الرسمي على العملة الأجنبية، وعزا ارتفاع سعر الصرف في السوق الموازية إلى المضاربات والتوقعات واستغلال الظروف الجيوسياسية.
وبحسب بيانات البنك المركزي، تراجعت الاحتياطيات الأجنبية إلى نحو 80.633 مليار دولار بنهاية تموز/ يوليو 2026، مقابل 97.432 مليار دولار في نهاية 2025.
وتجعل هذه التطورات سعر النفط وسعر الصرف والسيولة الدولارية عناصر مترابطة في النقاش حول موازنة 2027، حتى وإن كانت صلاحية تحديد سعر الصرف من اختصاص البنك المركزي وليست قراراً مالياً بحتاً.
نحو اقتصاد منتج
وفي ضوء هذه المعطيات، يرى علي جبار أن التحدي لا يكمن في إلغاء الرواتب أو تقليص شبكة الحماية الاجتماعية، وإنما في منع الإنفاق الجاري من النمو بوتيرة تتجاوز قدرة الاقتصاد على توليد موارده.
ويقترح لذلك تثبيت نمو الإنفاق الجاري، وعدم فتح التزامات دائمة جديدة من دون مصدر تمويل مستدام، وحماية المشاريع الاستثمارية المنتجة، وربط إنفاق الوزارات بالأداء والنتائج، وإعادة تقييم المشاريع المتعثرة وفق نسب الإنجاز، إلى جانب توجيه جزء أكبر من الإنفاق إلى التدريب المهني ودعم القطاع الخاص والحوافز المرتبطة بالتوظيف والإنتاج ونقل المعرفة.
أما عبد ربه فيرى أن توسيع الإيرادات غير النفطية وإصلاح الضرائب والجمارك وتحسين إدارة الشركات العامة، إلى جانب توجيه الاستثمار نحو الصناعة والطاقة والغاز والزراعة والنقل واللوجستيات والسياحة، يمكن أن يقلل تدريجياً اعتماد قطاعات واسعة من المجتمع على الخزينة.
وفي المحصلة، لا يعني ذلك، بحسبه، تقليص الرواتب أو الرعاية الاجتماعية بصورة مباشرة، بل إعادة هيكلة الاقتصاد، بحيث تتحول الدولة من مصدر رئيسي للدخل إلى ممول لاقتصاد قادر على خلق الوظائف والدخول خارج الموازنة.