شفق نيوز- بغداد/ كركوك / اربيل

لم تعد أزمة تصدير النفط العراقي مجرد تحدٍ يتعلق بإيصال الخام إلى الأسواق العالمية، بل تحولت إلى اختبار حقيقي لقدرة الدولة على حماية موردها المالي الرئيس في ظل المتغيرات الجيوسياسية التي تشهدها المنطقة، وفي مقدمتها اضطراب الملاحة في مضيق هرمز، الذي أعاد إلى الواجهة سؤالاً ظل مطروحاً لسنوات: هل يستطيع العراق التخلص من الاعتماد على منفذ تصدير واحد؟

هذا السؤال كان محور الاجتماع الموسع الذي عقده رئيس مجلس الوزراء علي فالح الزيدي مع قيادات وزارة النفط، والذي طالب خلاله بالانتقال من مرحلة التشخيص إلى التنفيذ، مؤكداً أن الحكومة لا تريد أعذاراً بقدر ما تريد حلولاً عملية ونتائج ملموسة خلال فترة قصيرة، لأن كل برميل نفط لا يصل إلى الأسواق يمثل خسارة مباشرة لخزينة الدولة وتأخيراً في تمويل الرواتب والخدمات.

كما وجّه بالإسراع في تأهيل وتطوير أنابيب نقل النفط، والتعاقد مع الشركات العالمية لتسويق وبيع النفط العراقي، وتوسيع منافذ التصدير البديلة، والعمل على مدار الساعة لتحويل الأزمة الحالية إلى فرصة لتطوير البنية التحتية النفطية.

ولا تأتي هذه التوجيهات من فراغ، إذ يعتمد الاقتصاد العراقي بصورة شبه كاملة على الإيرادات النفطية، ما يجعل أي تراجع في الصادرات ينعكس مباشرة على الموازنة العامة والإنفاق الحكومي، وهو ما دفع الحكومة إلى تبني رؤية تقوم على تنويع طرق التصدير، بدلاً من رهن الصادرات بمسار واحد قد يتأثر بأي تطور سياسي أو أمني أو فني.

وقال مصدر نفطي، في تصريح لوكالة شفق نيوز، إن وزارة النفط شرعت بإعداد خطة متكاملة لتنويع منافذ التصدير، ترتكز على أكثر من مسار، أبرزها تطوير خطوط الأنابيب القائمة، ودراسة إنشاء خطوط جديدة، إلى جانب استخدام النقل بالشاحنات كحل مرحلي يضمن استمرار تدفق الخام إلى حين إنجاز المشاريع الاستراتيجية.

وأوضح المصدر أن خط كركوك – جيهان التركي يمثل الخيار الأسرع من الناحية الفنية، لوجود بنية تحتية جاهزة يمكن تطويرها وزيادة طاقتها الاستيعابية، فيما تواصل الحكومة دراسة إعادة تفعيل المسار الغربي باتجاه ميناء بانياس السوري، إضافة إلى مشروع البصرة – حديثة الذي يمكن أن يتحول مستقبلاً إلى عقدة استراتيجية تربط حقول الجنوب بالمنافذ الغربية والشمالية، وصولاً إلى الأردن والبحر الأحمر.

وأضاف أن تنفيذ هذه المشاريع يتطلب تعاوناً واسعاً مع الشركات العالمية المتخصصة في تصميم وإنشاء وتشغيل خطوط الأنابيب، فضلاً عن توفير التمويل والخبرة الفنية، لأن العراق بحاجة إلى استثمارات كبيرة لا يمكن أن تتحملها الموازنة العامة وحدها.

وبينما ينصب الاهتمام على إيجاد منافذ جديدة لتصدير النفط الخام، تؤكد الحكومة أن الرؤية لا تتوقف عند زيادة الصادرات، وإنما تمتد إلى إعادة بناء فلسفة إدارة الثروة النفطية نفسها.

وفي هذا السياق، أكد مستشار رئيس الوزراء للشؤون المالية والاقتصادية، مظهر محمد صالح، في تصريح لوكالة شفق نيوز، أن توجيهات رئيس الوزراء خلال اجتماعه مع قادة القطاع النفطي ارتكزت على مسارات استراتيجية تواكب الحاجة إلى تعظيم سلاسل القيمة المضافة، بوصفها أحد أهم مرتكزات التنويع الاقتصادي.

وقال صالح إن النفط الخام ينبغي ألا يُنظر إليه بوصفه مادة أولية للتصدير فقط، بل مورداً استراتيجياً يمكن تعظيم عوائده عبر التوسع في الصناعات التحويلية وإنتاج المشتقات النفطية والبتروكيمياويات، موضحاً أن تصنيع برميل واحد من النفط الخام قد يحقق قيمة اقتصادية تعادل في متوسطها قيمة سبعة براميل من الخام، وهو ما يعكس أهمية التكامل الصناعي وتعميق المحتوى المحلي في قطاع الطاقة.

وأضاف أن العالم يشهد تحولاً متسارعاً من مفاهيم "الجغرافيا السياسية" إلى "الجغرافيا الاقتصادية"، إذ لم تعد الدول تركز فقط على مواقع إنتاج النفط، بل أصبحت تهتم بإقامة الصناعات النفطية قرب الموانئ والأسواق الاستهلاكية الكبرى، وإنشاء خزانات استراتيجية للنفط الخام والمشتقات في مراكز التخزين العالمية، بما يعزز مرونة الإمدادات ويقلل من تأثير الأزمات الجيوسياسية.

وأشار صالح إلى أن هذه الرؤية تمثل استراتيجية وطنية لربط قطاع الطاقة بالصناعة والنقل والخدمات اللوجستية والتجارة، مؤكداً أن مستقبل الطاقة لم يعد يقاس بحجم الاحتياطيات والإنتاج فقط، بل بقدرة الدول على تحويل مواردها الطبيعية إلى منظومات صناعية ولوجستية وتقنية متكاملة تحقق الأمن الاقتصادي والتنمية المستدامة.

ويرى مراقبون أن هذا الطرح يتقاطع مع التحركات الحكومية الرامية إلى إنشاء شبكة تصدير متعددة المسارات، بحيث لا يقتصر دور الأنابيب الجديدة على نقل النفط، بل يتحول إلى ركيزة لبناء مناطق صناعية ومراكز خزن وخدمات لوجستية ترفع القيمة المضافة للقطاع النفطي.

من جانبه، قال الخبير النفطي علي خليل، في تصريح لوكالة شفق نيوز، إن تنويع منافذ تصدير النفط لم يعد خياراً فنياً أو مشروعاً طويل الأمد يمكن تأجيله، وإنما أصبح ضرورة اقتصادية وأمنية، لأن استمرار الاعتماد على منفذ واحد يجعل الاقتصاد العراقي أكثر عرضة للصدمات.

وأوضح أن خط كركوك – جيهان يمثل الحل الأسرع في المرحلة الحالية، لكنه لا يكفي وحده، مشيراً إلى ضرورة المضي بالتوازي في مشروع الربط مع ميناء بانياس، واستكمال مشروع البصرة – حديثة، بما يسمح للعراق مستقبلاً بتوزيع صادراته بين أكثر من منفذ وفقاً للظروف السياسية والأمنية ومتطلبات الأسواق.

وأضاف أن النقل بالشاحنات يمكن أن يؤدي دوراً مهماً خلال المرحلة الانتقالية، خصوصاً في نقل الخام من الحقول إلى مراكز التجميع أو المنافذ الحدودية، لكنه لا يمثل حلاً دائماً بسبب ارتفاع كلفته مقارنة بخطوط الأنابيب، فضلاً عن محدودية الكميات التي يمكن نقلها، والحاجة إلى بنية لوجيستية متكاملة تشمل أساطيل نقل ومحطات تحميل وخزن وأنظمة تتبع إلكترونية.

وأكد خليل أن نجاح هذه الخطة يتطلب استقطاب الشركات العالمية، ليس فقط لتنفيذ خطوط الأنابيب، وإنما أيضاً للمشاركة في التمويل والإدارة ونقل التكنولوجيا، عبر عقود وشراكات طويلة الأمد تضمن للعراق الاستفادة من الخبرات الدولية مع الحفاظ على سيادته على ثروته النفطية.

ويشير خبراء اقتصاد إلى أن تنويع منافذ التصدير لا يقتصر أثره على حماية الإيرادات النفطية، بل يمتد إلى تحسين القدرة التفاوضية للعراق مع الأسواق وشركات النقل، وتقليل مخاطر توقف الصادرات، فضلاً عن جذب استثمارات جديدة في مجالات التخزين والصناعات البتروكيمياوية والنقل والخدمات اللوجستية.

كما أن بناء شبكة متكاملة من الأنابيب والمنافذ يمنح العراق مرونة أكبر في توجيه صادراته بحسب الظروف، بحيث لا يؤدي تعطل أحد المسارات إلى توقف الصادرات بالكامل، وهو ما يمثل تحولاً جذرياً في إدارة قطاع النفط مقارنة بالنموذج التقليدي القائم على الاعتماد على منفذ رئيسي واحد.

ويجمع الخبراء على أن نجاح هذه الاستراتيجية لن يقاس بعدد الأنابيب التي ستنشأ، بل بقدرة العراق على تحويل ثروته النفطية من مورد يعتمد على تصدير الخام إلى قاعدة لإقامة صناعات متقدمة وسلاسل قيمة مضافة، تعزز الإيرادات وتوفر فرص العمل وتدعم التنويع الاقتصادي.

وبين توجيهات رئيس الوزراء التي شددت على الحلول العملية، ورؤية الحكومة لتعظيم القيمة المضافة، وآراء المختصين بضرورة تنويع المسارات، يبدو أن العراق يقف أمام فرصة لإعادة رسم خريطة صادراته النفطية، ليس فقط لمواجهة أزمة آنية، بل لبناء منظومة أكثر مرونة واستدامة، قادرة على حماية الاقتصاد الوطني من تقلبات السياسة والجغرافيا، وتحويل النفط من مجرد سلعة تصديرية إلى محرك رئيس للتنمية الاقتصادية في العقود المقبلة.