شفق نيوز- بغداد
تجمع تحذيرات خبراء الاقتصاد في العراق على أن أي اضطراب طويل الأمد في مضيق هرمز لا يمثل مجرد أزمة نقل أو شحن عابرة، بل تهديداً مباشراً لأحد أكثر الاقتصادات اعتماداً على النفط في المنطقة، في وقت ما تزال فيه البلاد تعتمد على الخام لتأمين نحو 90% من إيراداتها العامة، فيما تمر غالبية صادراتها النفطية ووارداتها التجارية عبر الخليج.
وتأتي هذه التحذيرات في ظل حالة من عدم اليقين تسيطر على أسواق الطاقة العالمية بعد التهديدات المتكررة بإعادة إغلاق مضيق هرمز، والتصريحات المتضاربة بشأن حركة الملاحة فيه، وسط مخاوف من أن يتحول الممر البحري الأهم لتجارة النفط في العالم إلى ورقة ضغط جيوسياسية تترك آثاراً عميقة على الاقتصاد العراقي.
ويعتمد العراق على مضيق هرمز في تصدير ما بين 96 و97% من نفطه الخام، فيما تصل نسبة كبيرة من السلع والبضائع المستوردة إلى البلاد عبر الخليج وموانئ البصرة، ما يجعل أي اضطراب في حركة الملاحة ذا تأثير مزدوج على الإيرادات النفطية وسلاسل الإمداد التجارية في آن واحد.
وتشير تقديرات اقتصادية إلى أن العراق خسر خلال الأشهر الماضية نحو 350 مليون برميل من فرص التصدير نتيجة الاضطرابات التي رافقت أزمة المضيق، بقيمة تقترب من 37.7 مليار دولار، وهو رقم يكشف حجم المخاطر التي يفرضها الاعتماد شبه الكامل على منفذ تصدير واحد وعلى مورد اقتصادي واحد في الوقت نفسه.
شريان الاستيراد العراقي
وفي هذا السياق، يقول الخبير الاقتصادي، صفوان قصي، إن أكثر من 70% من عمليات الاستيراد العراقية تعتمد على موانئ الجنوب، وفي مقدمتها ميناء أم قصر، موضحاً أن أي تأثر للملاحة في حوض الخليج أو تعطيل لتصدير النفط ينعكس بصورة مباشرة على الاستقرار المالي والاقتصادي للبلاد.
ويضيف قصي، لوكالة شفق نيوز، أن تعطل سلاسل الإمداد يؤدي إلى اختناقات في التجهيز وتأخير وصول المواد المستوردة، لافتاً إلى أن الاعتماد على المسارات البديلة لنقل البضائع القادمة من الصين ودول آسيا نحو ميناء العقبة يحتاج إلى أكثر من 15 يوماً إضافياً، فضلاً عن الارتفاع الكبير في تكاليف التأمين والشحن والمخاطر المصاحبة لعمليات النقل.
وبحسب قصي، فإن الخسائر اليومية الناجمة عن هذا التذبذب لا تقل عن 30 مليون دولار، حتى مع استمرار استخدام الطرق البديلة، نتيجة ارتفاع تكاليف النقل والتأمين وتراجع كفاءة حركة التجارة.
ولا تتوقف المخاوف عند حركة الاستيراد فقط، إذ يرى مختصون أن الخطر الأكبر يكمن في تهديد الإيرادات النفطية التي تمثل العمود الفقري للموازنة العامة، في وقت تلتهم فيه الرواتب والنفقات التشغيلية الجزء الأكبر من الإنفاق الحكومي، بينما ما تزال مساهمة القطاعات غير النفطية محدودة في الناتج المحلي.
وفي هذا الجانب، يقول الباحث في الشأن الاقتصادي أحمد عيد، إن استمرار التهديدات بإعادة إغلاق مضيق هرمز يمثل أحد أبرز المخاطر التي تواجه الاقتصاد العراقي، نظراً لاعتماد البلاد على الصادرات النفطية المارة عبر الخليج لتأمين الجزء الأكبر من مواردها المالية.
ويوضح عيد، لوكالة شفق نيوز، أن أي تقييد لحركة الناقلات أو اضطراب في الملاحة يثير مخاوف متزايدة بشأن تراجع الصادرات النفطية وانخفاض الإيرادات الحكومية، الأمر الذي ينعكس على مستويات الإنفاق العام وتمويل المشاريع والخدمات الأساسية.
ويشير إلى أن تداعيات الأزمة لا تقتصر على النفط فقط، بل تمتد إلى حركة التجارة الخارجية، حيث تؤدي الاضطرابات المتواصلة إلى ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين البحري، فضلاً عن الضغوط المحتملة على سوق الصرف والتدفقات الدولارية إذا استمرت الأزمة لفترات طويلة.
وتكشف هذه المخاوف عن مشكلة أعمق يواجهها الاقتصاد العراقي، تتمثل في استمرار هيمنة النفط على مصادر الدخل، رغم الدعوات المتكررة إلى رفع مساهمة الإيرادات غير النفطية من خلال إصلاح المنافذ الحدودية وتطوير النظام الضريبي وتفعيل الأتمتة الإلكترونية وتقليص الهدر والفساد المالي.
صدمة مضيق هرمز
ويرى خبراء أن الأزمات المتكررة المرتبطة بأسعار النفط أو طرق تصديره أثبتت أن الاقتصاد العراقي ما يزال شديد الحساسية تجاه الصدمات الخارجية، سواء كانت ناتجة عن تقلبات الأسواق العالمية أو عن التوترات الجيوسياسية في المنطقة.
من جانبه، يقول الخبير الاقتصادي الدولي، نوار السعدي، إن أي إغلاق فعلي لمضيق هرمز يمثل صدمة اقتصادية كبيرة للعراق، لأنه يستهدف المصدر الرئيسي للإيرادات العامة للدولة.
وفي حديث لوكالة شفق نيوز، يؤكد السعدي، أن الاقتصاد العراقي لا يزال يعتمد بدرجة عالية على العوائد النفطية، وبالتالي فإن أي تعطيل للصادرات يؤثر مباشرة على قدرة الحكومة في تمويل الموازنة والإنفاق التشغيلي والاستثماري.
ويشير إلى أن تداعيات الأزمة تمتد إلى المالية العامة وسوق العمل والاستثمار والتجارة الخارجية، إذ تتعرض الموازنة لضغوط شديدة نتيجة انخفاض الإيرادات، فيما تتأثر المشاريع الحكومية ومستويات الإنفاق التنموي، فضلاً عن انعكاسات على الاستقرار النقدي والقدرة الشرائية للمواطنين إذا طال أمد الأزمة.
ورغم أن التوترات في المضيق دفعت أسعار النفط العالمية إلى الارتفاع، فإن السعدي يؤكد أن العراق لم يكن المستفيد الأكبر من تلك الزيادات السعرية إذ تعذر عليه تصدير الكميات الكافية من النفط، ما يعني أن ارتفاع الأسعار لم يعوض خسارة الصادرات.
وفي خضم هذه التطورات، تجتمع آراء الخبراء حول ضرورة التحرك السريع نحو بدائل استراتيجية تقلل من هشاشة الاقتصاد العراقي أمام أزمات المضائق البحرية، ويشمل ذلك تسريع مشاريع خطوط الأنابيب والمنافذ التصديرية البديلة، وتوسيع مسارات التجارة، وتعزيز مشاريع الربط الإقليمي، إلى جانب تشجيع الإنتاج المحلي وتقليل الاعتماد على الاستيراد في السلع التي يمكن إنتاجها داخلياً.
ويتابع قصي، حديثه قائلاً إن "العراق بحاجة إلى فتح منافذ جديدة للتصدير والاستيراد بعيداً عن مضيق هرمز"، محذراً من أن "الاضطرابات المرتبطة بالممر المائي سوف تستمر لفترات طويلة تبعاً لمسار المفاوضات الجارية حالياً في سويسرا والتجاذبات السياسية والأمنية في منطقة الخليج".
وكان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد هدد الإيرانيين، تزامناً مع إجراء الوفدين الأميركي والإيراني المباحثات في سويسرا، يوم أمس الأحد، بأنه "إذا أغلقتم مضيق هرمز، فلن تكون لديكم دولة، ولن تتمكنوا حتى من العودة إليها"، وذلك بعد التلويح الإيراني بإعادة غلق المضيق رداً على استمرار التصعيد الإسرائيلي في جنوب لبنان.
ووفقاً لحديث ترمب، خلال مقابلة مع قناة "فوكس نيوز" الأميركية: "قد نسيطر على مضيق هرمز إذا اضطررنا لذلك"، موضحاً أنه "إذا لم نتوصل إلى اتفاق مع إيران فسنفرض رسوم عبور في مضيق هرمز".
ودفعت هذه التهديدات الوفد الإيراني المفاوض إلى إيقاف المباحثات مع الجانب الأميركي احتجاجاً على تصريحات ترمب الموجهة إلى طهران، وذلك بعد انتهاء الجولة الأولى من المفاوضات.