شفق نيوز- أربيل/ السليمانية
في قاعة بمقر رئاسة إقليم كوردستان، صباح الاثنين، تُلي مرسومان يقضيان بتعيين الفريق نجات علي صالح قائداً للمنطقة العسكرية الأولى، والفريق الركن عمر صالح حسن قائداً للمنطقة العسكرية الثانية.
مرسومان توّجا مساراً امتد عقداً، وأعلنا رسمياً طي ازدواجية عسكرية ترسخت على مدى ثلاثة عقود.
وبموجب الإعلان، لم تعد قوات "الوحدة 80" المرتبطة تاريخياً بالحزب الديمقراطي الكوردستاني، و"الوحدة 70" التابعة للاتحاد الوطني الكوردستاني، تشكيلين قائمين بذاتهما خارج سلطة وزارة شؤون البيشمركة، إذ أُعيد تنظيم عناصرهما ضمن فرق وألوية تعمل تحت مظلة الوزارة وقيادتها.
وجرت المراسم بإشراف رئيس إقليم كوردستان نيجيرفان بارزاني، بصفته القائد العام لقوات البيشمركة، وبمشاركة رئيس الحكومة مسرور بارزاني، ونائبه قوباد طالباني، ووزير شؤون البيشمركة شورش إسماعيل، إلى جانب ممثلين عن التحالف الدولي والبعثات الدبلوماسية.
كما حضر من بغداد مدير مكتب القائد العام للقوات المسلحة العراقية الفريق أول الركن عبد الأمير الشمري، في حضور عكس البعد الاتحادي للملف وارتباط البيشمركة بالمنظومة الدفاعية العراقية.
وبحسب الهيكل المعلن، أُعيد تنظيم القوات ضمن قيادتي منطقتين تضمان 11 فرقة، تتألف كل منها من ثلاثة ألوية. ويتبع كل قيادة لواءان للمشاة، فيما يضم الهيكل العام قوتي إسناد ووحدة كوماندوز.
وقال مصدر في وزارة البيشمركة لوكالة شفق نيوز إن إقامة قيادتين عسكريتين لا تعني، وفق الصيغة الرسمية، استمرار الانقسام السابق تحت اسم جديد، إذ تعمل القيادتان ضمن تسلسل عسكري واحد وتحت سلطة وزارة شؤون البيشمركة، بدلاً من ارتباط الوحدات بمراكز القرار الحزبية.
وفي قراءة عسكرية للهيكل الجديد، قال الخبير الأمني والعسكري الفريق المتقاعد سرور شيخ قادر، في مقابلة خاصة مع وكالة شفق نيوز، إن عملية الدمج تمثل "انتقالاً تنظيمياً وتكتيكياً من الإدارة ذات الطابع الحزبي إلى إدارة عسكرية مؤسساتية"، معتبراً أن اعتماد تسميتي المنطقة الأولى والمنطقة الثانية يأتي في إطار نزع الصبغة الحزبية عن القوات.
وأوضح شيخ قادر أن المنطقة الأولى تشمل أربيل ودهوك والمناطق التابعة لهما، وكانت القوات الموجودة فيها تُعرف سابقاً بقوات "80" المرتبطة بالحزب الديمقراطي الكوردستاني، فيما تضم المنطقة الثانية السليمانية وحلبجة والمناطق التابعة لهما، وكانت تشكيلاتها تُعرف بقوات "70" المرتبطة بالاتحاد الوطني الكوردستاني.
ورأى أن الإبقاء على قيادتين مناطقيتين لا يمثل إشكالية عسكرية ما دامت كلتاهما ترتبطان بوزارة البيشمركة وتخضعان لسلسلة قيادة رسمية واحدة، مؤكداً أن وجود منطقتين لا يعني بقاء قوتين منفصلتين أو إدارتين حزبيتين كما كان في السابق.
اختبار ما بعد الإعلان
جزئية الوحدة 70 والوحدة 80 عالجها نيجيرفان بارزاني في كلمته، حين أكد أن ما جرى ليس مجرد تغيير في الهيكلية أو نقل للوحدات من تشكيل إلى آخر، بل "خطوة وطنية كبرى" في بناء مؤسسات إقليم كوردستان.
وأعلن بارزاني أنه لم تعد هناك، اعتباراً من اليوم، أي قوة من قوات البيشمركة خارج مظلة الوزارة، واضعاً معياراً للنجاح لا يُقاس بعدد الوحدات التي دخلت في الهيكل الجديد، بل بمدى شعور كل مقاتل بأن الوزارة هي مؤسسته، والقيادة العسكرية هي مرجعيته، ورفيقه في السلاح شريكه في الواجب بصرف النظر عن الانتماء أو المنطقة.
وشدد على أن المؤسسة العسكرية ليست ساحة للتنافس الحزبي، موضحاً أن الأحزاب تتنافس في الانتخابات والعمل السياسي، فيما تمثل البيشمركة قوة كوردستان، لا قوة حزب.
لكنه أشار في الوقت نفسه إلى أن إعلان التوحيد لا يمثل نهاية الإصلاح، بل بداية مرحلة جديدة ينبغي أن تنعكس على القيادة والسيطرة والتدريب والترقيات والانضباط والعقيدة العسكرية.
ويحمل إعلان التوحيد تاريخين متداخلين.
بدأ المسار الأول عام 2016، عندما انطلق برنامج إصلاح وزارة شؤون البيشمركة برعاية رئيس إقليم كوردستان آنذاك مسعود بارزاني وبدعم من التحالف الدولي، ولا سيما الولايات المتحدة وبريطانيا وألمانيا، إلى جانب هولندا وإيطاليا وفرنسا ودول أوروبية أخرى.
وشمل البرنامج توحيد القيادة والسيطرة، وإعادة تنظيم الوحدات، وتدقيق الملاكات والرواتب، وتطوير منظومات التدريب والتسليح والخدمات اللوجستية، فضلاً عن بناء إدارة مالية وعسكرية أكثر مركزية داخل الوزارة.
أما المرحلة الثانية فبدأت في 21 أيلول/سبتمبر 2022، عندما وقعت وزارة شؤون البيشمركة ووزارة الدفاع الأميركية مذكرة تفاهم منحت برنامج الإصلاح إطاراً زمنياً يمتد أربع سنوات، وجددت بموجبها واشنطن دعم القوات في مواجهة تنظيم داعش ومساندة عملية الإصلاح داخل الوزارة.
وجاء إعلان التوحيد في الذكرى الرابعة لتوقيع المذكرة، بعد استكمال إعادة تنظيم قوات الوحدتين 70 و80 وتفعيل قيادتي المنطقتين العسكريتين الأولى والثانية.
ولم تكن العقبات التي واجهت المسار تقنية وتنظيمية فحسب، إذ ظل العامل السياسي مرتبطاً بمدى استعداد الحزب الديمقراطي الكوردستاني والاتحاد الوطني الكوردستاني لنقل السيطرة الفعلية على قواتهما إلى المؤسسة الرسمية.
وكان المتحدث باسم رئاسة الإقليم دلشاد شهاب قد أقر عشية المراسم بأن عملية التوحيد واجهت خلال السنوات الماضية تحديات كبيرة، ولا سيما بسبب الخلافات السياسية.
من هما 70 و80؟
مثلت الوحدة 80 القوات المرتبطة تاريخياً بالحزب الديمقراطي الكوردستاني، في حين ضمت الوحدة 70 القوات التابعة للاتحاد الوطني الكوردستاني.
وترسخت ازدواجية القوتين خلال العقود الماضية، إذ احتفظ كل حزب بهيكل قيادي وإداري وعسكري خاص به، رغم تأسيس وزارة شؤون البيشمركة ودمج ألوية أخرى ضمنها.
وأدى ذلك إلى تعدد مراكز القرار وصعوبات في إدارة الانتشار والتسليح والترقيات والرواتب، فضلاً عن تأثير العلاقة السياسية بين الحزبين في مستوى التعاون والتنسيق بين قواتهما.
وفي دلالة سياسية لافتة، وصف ملا بختيار، القيادي السابق في الاتحاد الوطني الكوردستاني، توحيد قوات البيشمركة بأنه "حلم جميل تحقق"، قائلاً إن القوات كانت بحاجة إلى التربية والتأهيل.
أما كلمة "بيشمركة"، فتتألف في اللغة الكوردية من مقطعين، "بيش" بمعنى أمام، و"مرك- مرگ" بمعنى الموت، وتُترجم عادة إلى "الذين يواجهون الموت".
ويرتبط شيوع التسمية بوصفها اسماً لقوة كوردية منظمة بجمهورية مهاباد التي أُعلنت في إيران عام 1946. وفي العراق، برزت البيشمركة قوة منظمة خلال مراحل الحركة التحررية الكوردية، ولا سيما منذ اندلاع ثورة أيلول عام 1961، قبل أن تتحول بعد انتفاضة عام 1991 وتأسيس مؤسسات إقليم كوردستان إلى قوة رسمية لحماية الإقليم.
من جانبه، وصف رئيس حكومة إقليم كوردستان مسرور بارزاني المناسبة بأنها "يوم تاريخي لكوردستان والبيشمركة"، مؤكداً أن عملية جمع القوات تحت مظلة الوزارة وضمن هيكلية واحدة اختُتمت بنجاح بعد أربع سنوات من العمل في إطار مذكرة التفاهم مع وزارة الدفاع الأميركية.
وقال إن الهيكل الموحد يشمل العمليات والتدريب والقيادة والسيطرة والاتصالات والإدارة المالية، على أن تتركز المرحلة المقبلة على رفع القدرات العسكرية، وتوفير الأسلحة المتطورة ومنظومات الدفاع الجوي، وتنمية القدرات البشرية والتدريبية.
ثم نقل بارزاني النقاش إلى الالتزامات الاتحادية، داعياً الحكومة العراقية إلى ضمان الحقوق الدستورية لقوات البيشمركة، ومساواة رواتب أفرادها ومستحقاتهم المالية بنظرائهم في الجيش العراقي.
وأكد أن البيشمركة قوة دستورية وجزء رئيسي من المنظومة الدفاعية العراقية، وأن تطوير قدراتها وتسليحها لا يخدم أمن إقليم كوردستان وحده، بل يسهم في حماية العراق واستقراره.
وفي بغداد، رحب رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي باكتمال توحيد تشكيلات البيشمركة تحت مظلة الوزارة، وقال إن توحيد القوات الأمنية والعسكرية ضمن الأطر الدستورية والقانونية، وتعزيز التنسيق بين تشكيلات القوات المسلحة، يمثلان "خطوة مهمة في ترسيخ أمننا الوطني ووحدة قرارنا الدفاعي".
أبعد من الإعلان
يأتي الإعلان قبل تسعة أيام من الثلاثين من أيلول/سبتمبر، الموعد المقرر، وفق الجدول المعلن، لاستكمال خروج القوات الأميركية المتبقية من العراق والانتقال إلى صيغة جديدة من التعاون الأمني والعسكري الثنائي.
كما يتزامن التاريخ مع جدول طرحته الحكومة العراقية لمعالجة ملف حصر السلاح بيد الدولة، وسط تباين بشأن نطاق هذا الجدول والقوى المشمولة به وآليات تنفيذه.
غير أن شيخ قادر استبعد وجود علاقة بين توحيد البيشمركة وتحركات الحكومة الاتحادية لحصر السلاح، مؤكداً أن وضع هذه القوات يختلف جوهرياً عن وضع الفصائل التي يجري الحديث عن نزع سلاحها أو دمجها ضمن المؤسسات الأمنية والعسكرية الاتحادية.
وأشار إلى أن البيشمركة ليست قوة منفلتة أو خارج المؤسسات الرسمية، وأن المطالب الأميركية بتوحيدها وإعادة تنظيمها تحت قيادة الوزارة سبقت تشكيل حكومة الزيدي بسنوات، معتبراً أن الدمج الحالي نتيجة مسار طويل من الإصلاح وإعادة الهيكلة، وليس استجابة لضغط آني على القيادة الكوردية.
وقال دلشاد شهاب، في مؤتمر صحفي بعد المراسم، إن الحكومة الاتحادية ستتحمل بعد ذلك التاريخ مسؤولية أكبر في الدفاع عن العراق، بما فيه إقليم كوردستان، ولا سيما في حماية المجال الجوي والمنشآت النفطية.
وأشار إلى أن دعم التحالف خلال السنوات الماضية جاء ضمن الاتفاق مع الحكومة الاتحادية، وأن انتهاء مهمته بصيغتها الحالية لا يلغي إمكان استمرار التعاون العسكري من خلال الاتفاق الاستراتيجي بين العراق والولايات المتحدة.
ثم كشف شهاب عن أحد الدوافع الرئيسية للإسراع في إكمال العملية، بتأكيده أن توحيد قوات البيشمركة كان شرطاً أساسياً لاستمرار دعم التحالف الدولي.
وبذلك يكون الإقليم قد أنجز شرط التوحيد في لحظة يتغير فيها شكل الحضور الدولي ومستقبل الدعم الذي رافق عملية الإصلاح، ما يضع بغداد وأربيل أمام مسؤولية أكبر لتمويل الهيكل الجديد وتطويره والمحافظة على جاهزيته.
ولم يُعلن خلال المراسم رقم إجمالي لحجم القوة الموحدة، ولا حصيلة نهائية لعملية تدقيق الملاكات والرواتب، وهي أحد المحاور الرئيسية لبرنامج الإصلاح منذ عام 2016.
كذلك لم يُنشر جدول تفصيلي لنقل صلاحيات التعيين والترقية والتسليح والانتشار إلى الوزارة، أو لكيفية توزيع الفرق الإحدى عشرة بين القيادتين العسكريتين.
وستكون هذه التفاصيل، إلى جانب تشكيل قيادات الفرق والألوية ودرجة المزج بين عناصر الوحدتين السابقتين، حاسمة في تحديد ما إذا كان الهيكل الجديد قد أنتج قوة موحدة فعلياً أم اكتفى بإعادة ترتيب التشكيلات القديمة تحت مظلة رسمية واحدة.
ويرى شيخ قادر أن التحدي المقبل يتمثل في استكمال التدريب والتسليح والتنظيم وترسيخ العقيدة العسكرية الموحدة، بما يحول عملية الدمج من هيكل إداري إلى مؤسسة عسكرية متكاملة.