شفق نيوز- تقرير خاص

في سنجار، لا ينتهي الثالث من آب بانتهاء النهار، بل يعود التاريخ كل عام محملاً بصور الذين صعدوا إلى الجبل ولم يعودوا، والنساء اللواتي نُقلن بين البيوت والسجون والأسواق، والأطفال الذين كبر بعضهم تحت أسماء جديدة، فيما بقيت عائلاتهم تنتظر خبراً لا تعرف إن كان سيأتي من مخيم في سوريا أم من مقبرة جماعية تحت تراب نينوى.

بعد اثني عشر عاماً على اجتياح تنظيم "داعش" لمدينة سنجار موطن الإيزديين، لم تعد الذكرى مجرد استعادة لجريمة وقعت في الماضي، فما زال نحو 2500 إيزدي في عداد المفقودين، وفق أحدث بيانات مكتب شؤون المختطفين والمختطفات في إقليم كوردستان، وأكثر من 200 ألف إيزدي بعيدين عن مناطقهم، ويعيش كثير منهم في المخيمات أو في مدن وبلدان لم يختاروها وطناً دائماً.

يقول مدير المكتب حسين القائدي لوكالة شفق نيوز إن تنظيم "داعش" اختطف 6417 إيزدياً منذ بدء الهجوم، وإن 3595 منهم أُنقذوا حتى الآن.

ويضيف أن البحث لم يتوقف، رغم تغير الأوضاع في سوريا وتشتت المختطفين مع تنقل عائلات عناصر التنظيم، مؤكداً أن أي معلومة جديدة ما زالت تُعامل بوصفها خيطاً محتملاً يقود إلى شخص مفقود.

لكن الأرقام، مهما بدت دقيقة، لا تستطيع وحدها وصف ما جرى، فالإبادة لم تكن حادثة قتل جماعي في مكان واحد، بل عملية صُممت لتفكيك جماعة دينية كاملة، وقتل رجالها، واستعباد نسائها، وانتزاع أطفالها من هويتهم، ثم تفريق الناجين بين الجبل والمخيمات والمنافي.

الفجر الذي انهارت فيه سنجار

قبل الهجوم، كان تنظيم "داعش" قد استولى على الموصل وتلعفر وأجزاء من ربيعة والبعاج والقيروان، وأخذ يطوق المناطق الإيزدية من جهات عدة، وفي الأول من آب 2014 هاجم مواقع للجيش العراقي والبيشمركة في زمار، وسيطر على أسلحة وذخائر ومركبات، وقطع الطريق الرئيس الذي كان يربط سنجار بإقليم كوردستان.

في الساعات الأولى من الثالث من آب، بين منتصف الليل والثالثة فجراً، بدأ الهجوم على مجمعي كر زرك وسيبا شيخ خدر بالأسلحة الثقيلة، ثم امتد إلى تل بنات وتل قصب، قبل أن يبدأ قصف مركز سنجار نحو الساعة السابعة صباحاً.

تزامن تقدم التنظيم مع انفراط خطوط الدفاع المحلية التي أقامها سكان القرى بأسلحة محدودة، وفي قرية كوجو، انسحبت القوة المكلفة بالدفاع نحو الساعة السادسة والنصف صباحاً، ما دفع السكان إلى محاولة الفرار. وبحلول الظهر، كانت غالبية سنجار قد وقعت تحت سيطرة "داعش" الذي لم يتعامل مع الإيزديين بوصفهم سكاناً في منطقة يريد احتلالها فحسب.

يقول تقرير فريق التحقيق الأممي "يونيتاد" إن المدنيين الإيزديين استُهدفوا منذ اللحظة الأولى، وإن مسلحي التنظيم أطلقوا النار على العائلات الفارة نحو الجبل، ثم قتلوا أو أسروا كل إيزدي تمكنوا من الوصول إليه تقريباً.

كان الإيزديون، وهم جماعة دينية كوردية اللغة والثقافة في غالبيتها، يدينون بديانة توحيدية قديمة مغلقة وغير تبشيرية، تقوم العضوية فيها على الولادة لا التحول إليها، وتحفظ تعاليمها أساساً عبر تراث شفهي باللغة الكوردية ومزارات مقدسة يتقدمها معبد لالش. وقد تعرضوا طويلاً لتفسيرات زائفة تصفهم بأنهم "عبدة الشيطان"، وحوّل "داعش" تلك الكراهية المتوارثة إلى سياسة إبادة، واضعاً الرجال والفتيان الأكبر سناً أمام خيارين، اعتناق الإسلام قسراً أو الموت، بينما أخضع النساء والأطفال للسبي والاستعباد.

مع انهيار القرى، اندفعت عشرات الآلاف من العائلات نحو جبل سنجار، بعدما أغلق التنظيم الطرق المؤدية إليه وحاصر الموجودين هناك وسط حرارة آب ونقص الماء والغذاء، كانت الطائرات تلقي كميات محدودة من المياه والمؤن، لكنها لم تكن كافية.

ومات أطفال ومسنون بسبب العطش والجوع والإجهاد، فيما بقي المسلحون عند سفوح الجبل ينتظرون من يحاول النزول. ولم يبدأ المحاصرون بالخروج إلا بعد فتح ممر باتجاه سوريا في نحو الثامن من آب، عبر طريق طويل أعادهم لاحقاً إلى إقليم كوردستان.

بالنسبة إلى الذين لم يصلوا إلى الجبل، بدأ فصل آخر من الإبادة، حيث كان المسلحون يفصلون الرجال والفتيان عن النساء والأطفال عند نقاط التجمع. أُعدم الرجال في الحقول وعلى جوانب الطرق، بينما نُقلت النساء والفتيات والصبية إلى مراكز احتجاز في سنجار وتلعفر والموصل والبعاج، ثم إلى مناطق مختلفة من العراق وسوريا.

احتُجزت النساء والفتيات في ظروف من العنف الجنسي والاسترقاق والبيع المتكرر، وأُجبر أطفال على تغيير أسمائهم ودينهم، وخضع صبية للتدريب العسكري والتجنيد.

ولم تكن تلك ممارسات فردية ارتكبها مقاتلون منفلتون، بل نظاماً منظماً استخدم التسجيل والنقل والتوزيع والبيع لتفكيك العائلات ومنع استمرارها بوصفها عائلات إيزدية.

كوجو ومذبحة القرية العزلاء

في كوجو، إحدى أكثر القرى التي ارتبط اسمها بالإبادة، بقي السكان محاصرين نحو أسبوعين، جمع التنظيم أسلحتهم وأبلغهم بأن رفع الرايات البيضاء سيحميهم، ثم منحهم مهلة لاعتناق الإسلام.

في الخامس عشر من آب، جُمع سكان القرية وفُصل الرجال والفتيان عن النساء والأطفال. واقتيد نحو 422 رجلاً وصبياً إلى مواقع خارج القرية، حيث أُعدموا جماعياً. لم يكن أي منهم يقاتل، ولم تكن في القرية أهداف عسكرية، بحسب التحقيق الأممي. ولم ينجُ من عمليات الإعدام سوى عدد محدود تمكن من الهرب بين الجثث والرصاص.

نُقلت النساء والفتيات بعد ذلك، ثم قُتلت في اليوم التالي عشرات النساء المسنات في منطقة صولاغ، بعدما اعتبرهن التنظيم غير صالحات للبيع والاستعباد. وتحولت المواقع التي دُفن فيها الضحايا لاحقاً إلى ما عُرف بـ"مقبرة الأمهات"، وإلى شاهد مادي على أن الإبادة لم تستهدف المقاتلين أو الخصوم، بل الأعمار والأجساد التي لم يجد فيها التنظيم منفعة سوى القتل.

أُخرج بعض المختطفين عبر عمليات تهريب معقدة، فيما تمكن آخرون من الهرب خلال انهيار سيطرة التنظيم في العراق وسوريا. واضطرت عائلات إيزدية إلى اقتراض عشرات آلاف الدولارات ودفعها إلى وسطاء أو عناصر مرتبطين بـ"داعش" لاستعادة نساء وأطفال اختطفهم التنظيم، في سوق جعل الضحايا يشترون حريتهم من خاطفيهم. وظلت غالبية عمليات البحث تعتمد على شبكات محلية وعائلية أكثر من اعتمادها على برنامج دولي شامل.

يقول القائدي إن مكتب شؤون المختطفين يواصل متابعة المعلومات الواردة من سوريا والعراق، وإن تغير السلطات وخريطة السيطرة لم يوقف العمل.

كما وفر إقليم كوردستان برامج للعلاج والرعاية النفسية استفاد منها أكثر من ألف ناجٍ، وأسهمت في نقل أكثر من ألف شخص إلى ولاية بادن فورتمبيرغ الألمانية منذ عام 2015 لتلقي العلاج وإعادة التأهيل.

لكن العثور على شخص بعد سنوات لا يعني دائماً انتهاء المأساة، فبعض الأطفال عاشوا معظم طفولتهم بعيداً عن لغتهم وعائلاتهم ودينهم، وبعض النساء عدن وهن يحملن آثار سنوات من العنف والعزلة. كما أن البحث لا يقتصر على الأحياء، إذ تنتظر مئات العائلات معرفة ما إذا كانت الرفات الموجودة في بغداد تعود إلى أبنائها.

عُثر في سنجار على أكثر من 80 مقبرة جماعية، وانتُشلت رفات 776 ضحية منذ بدء عمليات الحفر في كوجو عام 2019. وحتى أواخر تموز 2026، جرى التعرف على 297 ضحية، بينما بقيت 479 مجموعة من الرفات بانتظار المطابقة والفحوصات. وكانت العملية قد تباطأت بسبب نقص التمويل والعينات الجينية، قبل أن تتحرك جهات حكومية ومنظمات إيزدية لاستئناف جمع عينات الدم من أقارب المفقودين.

وهكذا، قد يصل خبر الغائب في صورة شخص عُثر عليه حياً في سوريا، أو في اتصال من وسيط، أو في ورقة رسمية تبلغ العائلة بأن عظاماً انتُشلت من حفرة جماعية قد طابقت حمضها النووي.

استُعيدت سنجار عسكرياً من "داعش"، لكن هزيمة التنظيم لم تُعد الحياة إليها. بقي القضاء موزعاً بين سلطات وقوى أمنية وفصائل متعددة، بينما تعثرت إعادة إعمار الأحياء المدمرة واستعادة الخدمات وتوفير الوظائف.

في عام 2020، توصلت بغداد وأربيل إلى اتفاق لتنظيم الإدارة والأمن والإعمار في سنجار. لكن الأمم المتحدة قالت في 2025 إن تنفيذه توقف، وإن القضاء ظل من دون قائممقام متفق عليه، فيما لم تُنشر القوة الأمنية المحلية التي كان يفترض تشكيلها لكسب ثقة السكان، وبقيت الخدمات وفرص العمل محدودة.

وقد تحققت بعض الخطوات المتأخرة. ففي نيسان 2025، بدأت السلطات توزيع 1338 كتاب تمليك وإصدار نحو 100 سند عقاري لإيزديين في مجمعي دوكري وتل عزير، بعد عقود حُرموا خلالها من تسجيل الأراضي التي عاشوا عليها. لكن الاعتراف بملكية منزل لا يعيد بناءه، كما أن سند العقار لا يضمن الأمن أو الماء أو المدرسة أو فرصة العمل.

اعتراف بالإبادة وعدالة غير مكتملة

أقر العراق في عام 2021 قانون الناجيات الإيزديات، الذي اعترف بأن جرائم "داعش" ترقى إلى الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية، ونص على رواتب وتعويضات ورعاية صحية ونفسية وحقوق في التعليم والعمل والسكن.

وبحلول كانون الثاني 2026، كان ما لا يقل عن 2216 ناجياً وناجية قد حصلوا على رواتب شهرية بموجب القانون. لكن منظمات حقوقية تقول إن أجزاء أساسية منه، بينها السكن والأراضي والرعاية الشاملة والمساءلة الجنائية، ما زالت محدودة التنفيذ. كما لم يُدخل العراق حتى الآن جرائم الإبادة والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب بصورة متكاملة في قانونه الوطني، ما يعني أن كثيراً من عناصر "داعش" يحاكمون بتهم الإرهاب والانتماء إلى التنظيم، لا على الجرائم المحددة التي ارتكبوها ضد الإيزديين.

في المقابل، بدأت محاكم أوروبية إصدار أحكام فردية بتهمة الإبادة. وفي آذار 2026، اعترف القضاء الفرنسي للمرة الأولى بالإبادة الإيزدية، عندما حكم بالسجن المؤبد غيابياً على جهادي فرنسي أدين بالمشاركة في استعباد نساء وأطفال ضمن حملة "داعش" لتدمير الجماعة الإيزدية. سبقت ذلك أحكام مماثلة في ألمانيا ودول أوروبية أخرى، لكنها بقيت محاكمات متفرقة أمام حجم الجريمة وعدد المشاركين فيها.

بعد اثني عشر عاماً، لم تعد رايات "داعش" مرفوعة فوق سنجار، لكن النتائج التي أرادها التنظيم ما زالت ظاهرة في القرى الخالية والعائلات المشتتة والمقابر المفتوحة والأطفال الذين لا يُعرف أين انتهوا.

بالنسبة إلى الإيزديين، لن تكتمل هزيمة التنظيم باستعادة الأرض وحدها، بل عندما يعود من يرغب إلى سنجار من دون خوف، ويُعرف مصير آخر مفقود، وتُدفن الرفات بأسمائها، ويصبح الثالث من آب تاريخاً في الماضي، لا موعداً سنوياً جديداً لعدّ الغائبين.