شفق نيوز- بغداد/ بيروت/ القاهرة

من العاصمة العراقية بغداد، إلى عاصمة لبنان بيروت، ومنها نحو العاصمة المصرية القاهرة، تجمع آراء الناشطين المدنيين ورجال الدين والأكاديميين على أن خطاب الكراهية بات "خطراً حقيقياً" يهدد البلدان والمجتمعات وحتى الأسرة الواحدة لما يحمله من مضامين تتبنى نبذ الآخر ابتداءً من الخطاب المتداول وصولاً إلى العنف.

ويرى المختصون أن خطاب الكراهية فرض وجوده في الكثير من المجتمعات وبات من الضرورة تبني إستراتيجيات شاملة لمواجهة هذه الظاهرة، تبدأ بتشريع قوانين رادعة تجرّم التحريض على الكراهية والتمييز بين أفراد المجتمع، بما يضمن حماية السلم الأهلي وتعزيز قيم المواطنة والمساواة.

كما دعوا إلى إدراج مفاهيم التعايش السلمي وقبول الآخر واحترام التنوع الثقافي والديني ضمن المناهج الدراسية، بهدف تنشئة أجيال تؤمن بأن الاختلاف مصدر غنى للمجتمعات وليس سبباً للصراع والانقسام.

وأشاروا إلى أن مواجهة خطاب الكراهية لا تقتصر على القوانين والإجراءات الحكومية فحسب، بل تتطلب جهداً تربوياً وثقافياً وإعلامياً مستمراً لترسيخ ثقافة الحوار والاحترام المتبادل، والابتعاد عن الإساءة للمعتقدات الدينية أو انتقاد الطقوس والشعائر التي تمارسها مختلف المكونات الدينية.

وبهذا الصدد، يقول نائب رئيس مجلس علماء الرباط المحمدي، وعضو مجلس الأوقاف الأعلى العراقي، محمد نوري جاسم الحاتمي، إن خطاب الكراهية يمثل أحد أبرز التحديات التي تهدد السلم المجتمعي والتعايش بين مكونات المجتمع، داعياً إلى تضافر جهود الأسرة والمؤسسات التعليمية والدينية والإعلامية لمواجهته.

ويعدد في حديث لوكالة شفق نيوز، جملة أسباب وراء انتشار خطاب الكراهية، أبرزها ضعف الوعي الديني والثقافي، وتراجع التربية الأخلاقية، وانتشار الجهل بالآخر، فضلاً عن تأثير الأزمات السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي تزيد من حالات التوتر والانفعال داخل المجتمع.

ويضيف أن مواقع التواصل الاجتماعي أسهمت بشكل كبير في اتساع رقعة خطاب الكراهية بسبب سهولة النشر وسرعة تداول المحتوى، لكنه أشار في الوقت ذاته إلى إمكانية توظيف هذه المنصات لنشر ثقافة التسامح والتقارب إذا أُحسن استخدامها.

ويبيّن الحاتمي أن خطاب الكراهية يضعف الثقة بين أفراد المجتمع ويزرع الشك والخوف بينهم، محذراً من أن تركه دون معالجة قد يؤدي إلى انتقاله من مستوى الكلمات إلى السلوك ثم إلى العنف، الأمر الذي يهدد وحدة المجتمع واستقراره.

ويشدد على أهمية أن يتبنى العلماء والمثقفون والإعلاميون خطاباً قائماً على الحكمة والتهدئة خلال فترات الأزمات.

وفي ما يتعلق بدور المؤسسات التعليمية، شدد الحاتمي على أهمية تضمين المناهج الدراسية مفاهيم احترام التنوع وقبول الاختلاف وأدب الحوار، مؤكداً أن المدرسة والجامعة تؤديان دوراً محورياً في بناء شخصية متسامحة وقادرة على التعايش مع الآخرين.

وختم الحاتمي حديثه بالتأكيد على أن بناء مجتمع أكثر تسامحاً يبدأ من الأسرة ويمر بالمؤسسات التعليمية والدينية والإعلامية، داعياً إلى تعزيز ثقافة الحوار، ودعم المبادرات المشتركة بين مكونات المجتمع، وتطبيق القانون بحق المحرضين على الكراهية، بما يسهم في ترسيخ التعايش والسلم الأهلي

فيما تحذر الناشطة اللبنانية، مهى محمد جعفر، في حديث لوكالة شفق نيوز، من أن خطاب الكراهية يتمثل في كل خطاب يتضمن القدح والذم أو التعابير التي تثير النعرات الطائفية والعرقية أو الأحكام المسبقة تجاه الأفراد والجماعات، مشيرة إلى أن هذا النوع من الخطاب يختلف عن حرية التعبير التي تقوم على إبداء الرأي دون الإساءة إلى الآخرين أو التحريض ضدهم.

وتوضح أن انتشار خطاب الكراهية يرتبط بعدة عوامل، من بينها المصالح السياسية، وضعف الوعي الفردي والمجتمعي، وعدم فهم الآخر، فضلاً عن التعصب والانقسامات الحزبية والطائفية.

وتشير جعفر إلى أن الأقليات الدينية والعرقية والنساء من أكثر الفئات تعرضاً لخطاب الكراهية، إضافة إلى الشخصيات العامة والمؤثرين والإعلاميين والسياسيين، لافتة إلى أن الواقع اللبناني يشهد نماذج عديدة من هذه الممارسات في ظل الأزمات المتلاحقة التي تمر بها البلاد.

وترى أن خطاب الكراهية قد يتحول بشكل مباشر إلى أعمال عنف على أرض الواقع، وقد يقود إلى صراعات داخلية وحروب أهلية إذا لم تتم مواجهته مبكراً.

وفي السياق، تنبه الناشطة في حقوق الأقليات العراقية هناء حسين، إلى أن الحد من خطابات الكراهية يتطلب معالجة جذرية للأسباب الفكرية والنفسية التي تغذيها.

وتقول حسين في حديث لوكالة شفق نيوز، إن "الحد من خطاب الكراهية لا يمكن أن يتحقق عبر الإجراءات العقابية أو السطحية فقط، بل من خلال التعليم الأخلاقي والروحي الذي يربي الأجيال على احترام التنوع والتخلص من جميع أشكال التعصب الديني والعرقي والقومي والطبقي".

وتضيف أن "مبدأ التحري الحر عن الحقيقة يشجع الأفراد على التفكير المستقل وعدم الانجرار وراء الشائعات والأفكار المسبقة التي تؤجج الانقسامات".

وتؤكد على أن "القوانين ضرورية لحماية المجتمع ومنع التحريض على العنف والتمييز، لكنها تمثل رادعاً خارجياً فقط، إلا أن نجاح هذه القوانين يتطلب وجود وازع داخلي قائم على الضمير الإنساني والإيمان بكرامة الإنسان بغض النظر عن انتمائه".

وفي حديثها عن انعكاسات خطاب الكراهية على السلم المجتمعي، وصفت حسين التعصب بأنه "مرض فتاك ونار آكلة تدمر النسيج الاجتماعي"، مشددة على أن "بناء مجتمع مسالم يتطلب نبذ جميع أشكال التعصب والاعتراف بأن البشر، على اختلاف انتماءاتهم ومشاربهم، يشكلون أسرة إنسانية واحدة تجمعها قيم الاحترام والمحبة والتعايش".

بدوره يحدد الناشط المدني والمهتم برصد خطاب الكراهية في العراق، لؤي يدگو الكلداني، في حديث لوكالة شفق نيوز، أدوات خطاب الكراهية بأنها تتمثل في استخدام لغة "مهينة أو تحقيرية أو عدائية" تجاه الأفراد أو الجماعات استناداً إلى هويتهم العرقية أو القومية أو الدينية أو لون البشرة أو الجنس أو حتى بسبب اختلاف الآراء.

ويلفت إلى أن حرية التعبير تختلف عن خطاب الكراهية، إذ يكفل الدستور العراقي حق التعبير عن الرأي ونقل المعلومات والأفكار بحرية، شريطة عدم الإساءة إلى الآخرين أو المساس بكرامتهم، مبيناً أن طبيعة الخطاب غالباً ما تتأثر بخلفيات المتحدث الفكرية أو الدينية ومدى تقبله للاختلاف.

ويشير إلى أن الخطابات السياسية والأحداث الإقليمية والأزمات الأمنية تعد من أبرز العوامل التي تسهم في انتشار خطاب الكراهية، لافتاً إلى أن بعض الأحداث السياسية والعسكرية تدفع شرائح من المجتمع إلى تبني مواقف متشنجة تنعكس على الخطاب العام.

غير أن الكلداني يعتقد أن خطاب الكراهية قد لا يقود بالضرورة إلى أعمال عنف مباشرة، لكنه يترك آثاراً عميقة تتمثل في خلق فجوات اجتماعية وتعميق الانقسامات بين المكونات المختلفة، وهو ما يهدد الإنجازات التي حققتها منظمات المجتمع المدني في مجال التقارب المجتمعي.

إلى ذلك، تقول العضوة في مؤسسة "أديان" المصرية، ميرهان متولي، إن الحد من خطاب الكراهية يتطلب مقاربة شاملة تجمع بين التشريعات القانونية والتربية والإعلام ومبادرات المجتمع المدني، محذرة من تأثيراته الخطيرة على السلم المجتمعي والتعايش بين مكونات المجتمع.

وتلفت في حديث لوكالة شفق نيوز، إلى أن مواجهة خطاب الكراهية تبدأ من ترسيخ قيم التسامح والاعتراف بالآخر عبر المناهج التعليمية والخطاب الديني المعتدل، إلى جانب إلزام وسائل الإعلام والمنصات الرقمية بسياسات واضحة تمنع نشر المحتوى المحرض على الكراهية.

وتضيف أن المجتمع المدني يؤدي دوراً محورياً من خلال دعم المبادرات الشبابية والثقافية التي تعزز الحوار والتفاهم بين مختلف فئات المجتمع، مشيرة إلى إطلاق مجلة "المجرة" المتخصصة في صحافة الحوار وإعلام السلام، والتي تسعى إلى نشر ثقافة التعايش واحترام التنوع الديني والاجتماعي وتدريب الصحفيين على تبني خطاب إيجابي.

وفي ما يتعلق بالتشريعات، شددت متولي على الحاجة إلى قوانين واضحة تجرّم خطاب الكراهية، لكنها أكدت في الوقت ذاته ضرورة وضع ضوابط دقيقة تضمن عدم استخدام تلك القوانين لتقييد حرية التعبير المشروعة.

وكشف تقرير رسمي لحكومة إقليم كوردستان عن ريادة الإقليم في ترسيخ التعايش والشراكة لثمانية مكونات دينية وقومية، مخصصاً لها مقاعد برلمانية وحقائب وزارية بالتشكيلة التاسعة، وأبرز التقرير بالأرقام احتضان الإقليم لأكثر من 6500 مسجد وكنيسة ومزار، وتوفير مدارس خاصة لآلاف الطلبة التركمان والسريان والإيزيديين.