شفق نيوز- بغداد
في كل مرة تتبدل فيها الحكومات في العراق، لا
يبدأ السباق من نقطة الصفر فقط، بل تُسحب "الخريطة" التي عملت عليها
الحكومة السابقة من يد الدولة نفسها، حيث قرارات تُعتمد اليوم، تُصبح غداً محلّ
شطب أو تجميد أو مراجعة شاملة، لا لأنها ثبتت مخالفتها للقانون بالضرورة، بل لأن
"المزاج" السياسي تغيّر، ولأن الاسم على باب رئاسة الوزراء تغيّر معه.
ومع اتساع الحديث داخل الإطار التنسيقي عن
مرحلة ما بعد حكومة محمد شياع السوداني، عاد هذا السلوك للواجهة بشكل أوضح، بعد
تصريحات من داخل ائتلاف دولة القانون تتحدث عن إلغاء واسع لقرارات الحكومة الحالية
إذا ما عاد نوري المالكي إلى رئاسة الوزراء، وهي خطوة تكررت بصورة مشابهة عام 2022
حين راجعت حكومة السوداني قرارات حكومة مصطفى الكاظمي خلال تصريف الأعمال.
بين "التصحيح" الذي يُرفع شعاراً،
و"الهدم" الذي يترك أثره على المشاريع والإدارة والاستقرار الوظيفي
والمالي، تترسخ معادلة جديدة داخل الدولة حيث لا ضمانة لأي قرار أن يستمر أكثر من
عمر الحكومة التي أصدرته.
وفي بلد تتراكم فيه الأزمات أسرع من الحلول،
تتحول هذه الدائرة إلى وصفة ثابتة لإنتاج "فوضى إدارية"، تُدار فيها
الدولة بعقلية النقض لا التراكم، كما يذهب إليه مراقبون.
هذه السلسلة من "الإلغاءات" استخدمت
لتحقيق "أهداف خاصة" من قبل رؤساء الحكومات، وفقا لمراقبين، عبر اتخاذ
هذا الإجراء ذريعة لإيصال رسائل للرأي العام أن القرارات السابقة كانت غير صحيحة،
رغم تأثير الإلغاء على سياق عمل الدولة، ويعني من جهة أخرى، عدم استمرارية أي قرار
أو مشروع والبداية من جديد مع كل حكومة، بمعنى "الهدم والبناء" وليس
منطق "التراكم"، بالتالي لن تتحقق أي تقدم في البلد.
"فوضى إدارية"
ويصف المحلل السياسي والدبلوماسي السابق، غازي
فيصل، هذه الخطوات بأنها "سلوك خطير وفوضى سياسية وإدارية في الحكومات
العراقية المتعاقبة".
وبحسب حديث فيصل، لوكالة شفق نيوز، فإن مجلس
الوزراء في أي حكومة، عندما يتخذ قرارات يفترض أن تكون هذه القرارات منسجمة مع
الدستور والبرنامج السياسي والاقتصادي والاجتماعي، الذي أقر طبقا لموافقة ومصادقة
مجلس النواب، وأيضا الأحزاب السياسية.
ويرى أن "الإجراءات التي اتخذت على سبيل
المثال في حقبة السوداني، هي أيضا تحت علم وبالتنسيق مع تحالف إدارة الدولة الذي
شكل الحكومة، كما أن مجلس النواب، ولو أن الحكومة اتخذت قرارات أو رسمت سياسات
تتناقض مع الدستور أو البرنامج الحكومي، يفترض عليه أن يعترض في حينها ويعطل او
يمنع تنفيذها، لكن إذا لم يحصل الاعتراض من مجلس النواب ولم يحصل الاعتراض من
إدارة الدولة ولم يحصل الاعتراض من الإطار التنسيقي، والإجراءات التي نفذتها طبقا
للصلاحيات الدستورية لرئيس الوزراء، بالتالي لا توجد مشكلة والاعتراض غير
صحيح".
وعن هدف ما يجري، وبشكل عام حول هذه الخطوات
منذ حكومتين، يوضح فيصل، أن "هذا النموذج من الذهاب للاعتراض والتقويض
والتغيير، بالتأكيد يجهض اي فرص حقيقية للمبادرة وتطوير البلد، خاصة الغاء مشاريع
وتعليقها والبدء بمشاريع جديدة وتنتهي الدورات النيابية ويبقى البلد يعاني من
الفقر والجوع والأمية والمدن العشوائية".
ويتساءل: "هذا الأمر مضر تماما بالدولة،
فالحكومة ليست من حزب اشتراكي والتي تليها ليبرالية، فرئيس الوزراء هو من نفس
الإطار التنسيقي وبنفس الاتجاه والمدرسة السياسية للإسلام الدعوي، وبالتالي يعني من
يعترض على من يعترض؟".
ويضرب مثالا: "في الدول الأخرى مثلا في
الولايات المتحدة، يممكن أن يصل الحزب الجمهوري للسلطة فيعترض على موضوع مثل
الإجهاض او الضمان الصحي، وهي جزء من سياسة الحزب الديمقراطي وهكذا، ومن يصل الحزب
الديمقراطي يعترض على سياسات وضعها الحزب الجمهوري تجاه المهاجرين وغيرها من
القضايا، لكن هذا غير موجود بالعراق".
النائبة عن كتلة دولة القانون النيابية، ابتسام
الهلالي، أكدت لوكالة شفق نيوز، أن زعيم ائتلاف دولة القانون وبصفته سيكون رئيس
الحكومة المقبلة، سيقدم على إلغاء جميع القرارات الصادرة من حكومة تصريف الأعمال
التي يرأسها محمد شياع السوداني.
وبحسب الهلالي، فإن القرارات التي صدرت من قبل
الحكومة ورئيس مجلس الوزراء المنتهية ولايته، تعتبر غير قانونية وفاقدة للشرعية
الدستورية، وأن المالكي سيكون رئيس الوزراء في الحكومة المقبلة للعراق، وسيتخذ في
أول جلساته قراراً بإنهاء كافة القرارات التي صدرت في حكومة تصريف الاعمال من
ضمنها قرار الضرائب والرسوم الجمركية غير الصحيحة، إضافة إلى قرار ايقاف الاجازات
والابتعاث والنقل بين الموظفين.
بالمقابل، فإن السوداني، وبعد تسمنه لمنصبه في
العام 2022، اتخذ من أوائل قراراته، مراجعة وإلغاء قرارات حكومة الكاظمي خلال
تصريف الأعمال، وألغى أغلبها وخاصة ما يتعلق بالتعيينات التي أصدرها الكاظمي على
المستويات العليا، كما ظهر السوداني في حينها بمؤتمر خاص حول هذه الجزئية، واكد
التزامه بقرار المحكمة الاتحادية، بأن حكومة تصريف الأعمال لا تمتلك صلاحيات
كاملة.
وقبل أيام، أثار السوداني موجة اعتراضات كبيرة
وأثار الرأي العام، عبر قرارات عديدة أصدرها خلال تحول حكومته لتصريف أعمال ولعل
أبرزها الضرائب التي فرضت على آلاف السلع، إلى جانب تعيينات على مستويات عليا ومن
بينها هيئة الإعلام والاتصالات، فضلا عن قرارات أخرى تمس الموظفين ومنحهم الإجازات
الدراسية وبيع عجلات دوائر الدولة.
"قرارات دون ضمانة"
هذا العرف الجديد، يراه المحلل السياسي مجاشع
التميمي، بأنه "لا يمثل إصلاحا، بل يكشف غياب التخطيط الإستراتيجي وضعف
الدولة كمؤسسة مستقلة عن الأشخاص والأحزاب".
ووفقا للتميمي، في تصريحه لوكالة شفق نيوز، فإن
"التصريح الأخير لعضو دولة القانون ابتسام الهلالي، حول إعادة النظر بجميع
قرارات حكومة محمد شياع السوداني في حال عودة نوري المالكي، ليس استثناءً بل
امتداد لنهج متكرر، فالسوداني نفسه فعل الأمر ذاته عند تسلمه السلطة بعد حكومة
مصطفى الكاظمي، والنتيجة واحدة: قرارات تُتخذ بلا ضمانة استمرارية، سياسات عامة
بلا ذاكرة مؤسسية، ودولة تُدار بمنطق الهدم والبناء لا بمنطق التراكم".
ويلفت إلى أن "هذه ليست منافسة سياسية
طبيعية، بل تعطيل ممنهج لفكرة الدولة، حيث تتحول القرارات إلى أدوات صراع، لا
أدوات إدارة، طالما لا يوجد التزام عابر للحكومات بالسياسات العامة، فإن الفوضى
ستبقى هي القاعدة، وليس الاستثناء".
وبات المالكي، هو الأقرب لإعلانه مرشحا لتولي
رئاسة الحكومة من قبل الإطار التنسيقي، بعد تنازل السوداني عن الترشح، حسب ما أكد
ائتلاف الاعمار والتنمية.
ولغاية اليوم، لم يطرح المالكي مرشحا رسميا،
فما تزال بعض أطراف الإطار تضع "فيتو" على ترشحيه وأبرزهم رئيس تيار
الحكمة الوطني عمار الحكيم، إلى جانب رد المرجعية الدينية الذي لم يساند أو يدعم
أي خطوة، بل اكدت المرجعية انها "لا علاقة لها بعملية تشكيل الحكومة"،
حيث صدرت إجابتها ردا على استفسار وصلها من بعض قادة الإطار.
قانونيا: لا يوجد حل
هذه الأزمة بين الحكومات المتعاقبة، لها جوانب
قانونية أيضا، حيث يبين الخبير القانوني، عقيل عوكي، أن "إلغاء قرارات
الحكومة السابقة من قبل الجديدة، هو سياق خاطئ، فهو بالأساس استهداف وليس مصلحة
عامة، فنظام إدارة الدولة يتمثل بإكمال ما بدأت به الادارة السابقة، لكن ما يجري
هدفه إيصال رسالة ان القرارات السابقة غير صحيحة والغاية منها مصالح شخصية للحكومة
السابقة".
ويؤكد عوكي، لوكالة شفق نيوز، أن "نظام المؤسسات بكل العالم يعتمد على
تشريعات وانظمة قانونية تضمن ان القرارات التي تصب بمصلحة الشارع والدولة تكون
سارية المفعولة او لها رصانة او حتمية، وهذا غير معمول به بالعراق، ولا يوجد في
الدستور ولا في كل القوانين".
ويضرب مثالا أن "هناك قرارات حتى الآن
معمول بها لمجلس قيادة الثورة المنحل، والسبب هو أنها عالجت مشاكل وفراغات
بالقوانين، فمثلا اي قانون فيه فراغ عمل مجلس قيادة الثورة المنحل عبر قرارات على
تنظيمه، ورغم مرور أكثر من 20 عاما على سقوط النظام، ما تزال سارية المفعول لأنها
عالجت ثغرات كثيرة، بالتالي هناك نواقص بالتشريعات والدولة مجبرة على إصدار قرارات
لمعاجلتها".
ويؤكد "هذا الموضوع غير صحيح قانونيا، ولا
توجد معالجات حاليا له، فبحسب السياق الدستوري والقانوني ممكن الغاء او تعديل او
الابقاء على أي قرار حكومي، بالمقابل لا يوجد نص قانوني أو دستوري يمنع إلغاء او
تعديل القرارات الحكومية".