شفق نيوز– بغداد/ أربيل

يجمع قانونيون ومحللون سياسيون على أن الاستهدافات التي طالت المرافق الحيوية والمطارات والمنشآت النفطية والبعثات الدبلوماسية ومنازل مدنية في أربيل، وصولًا إلى استهداف منزل رئيس إقليم كوردستان نيجيرفان بارزاني ومناطق أخرى في عموم العراق، ترقى – من حيث التوصيف القانوني – إلى مستوى "جرائم حرب" مكتملة الأركان وفق القانون الدولي، وجرائم إرهابية وفق القانون العراقي.

ولا يأتي هذا الإجماع من فراغ، بل يستند إلى تصاعد الهجمات التي يتعرض لها إقليم كوردستان لتشمل أهدافًا مدنية واقتصادية حيوية منذ بدء الحرب في المنطقة، إذ تعرض الإقليم لهجمات بطائرات مسيّرة وصواريخ استهدفت القسم العسكري في مطار أربيل الدولي، ومحيط القنصلية الأميركية، إلى جانب مواقع أخرى امتدت لاحقًا إلى منشآت نفطية ومناطق سكنية.

ولم تقتصر الاستهدافات على إقليم كوردستان، بل امتدت إلى منشآت نفطية في البصرة (أقصى جنوب العراق) ومدن أخرى، في مؤشر على تحول خطير نحو استهداف البنية التحتية الاقتصادية للعراق عمومًا، ولا سيما قطاع الطاقة.

وتؤكد المعطيات القانونية أن هذه الهجمات ضربت عرض الحائط بمبدأ "التمييز" الذي نصت عليه اتفاقيات جنيف؛ فاستهداف القنصلية يمثل انتهاكًا لاتفاقية فيينا للعلاقات القنصلية، بينما يُصنَّف استخدام صواريخ غير دقيقة في مناطق مدنية كـ"هجوم عشوائي" بموجب المادة (51) من البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف، وهي جرائم لا تسقط بالتقادم وتضع المنفذين والمحرضين تحت طائلة الملاحقة الدولية.

وفي الموقف الرسمي، أكد وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين، في تصريحات له، أن "إيران وسعت الحرب لتتجاوز القواعد الأميركية وتصل إلى أهداف اقتصادية ونفطية"، مشيرًا إلى أن هذا التحول تجلّى في استهداف مصافي النفط في دهوك والبصرة، واستهداف منزل رئيس إقليم كوردستان نيجيرفان بارزاني، وهي أهداف لا تحمل أي صفة عسكرية.

وأثارت حادثة استهداف منزل رئيس إقليم كوردستان نيجيرفان بارزاني في محافظة دهوك بطائرة مسيّرة، يوم السبت الماضي (28 آذار/ مارس 2026)، موجة إدانات واسعة من قبل قوى سياسية وشخصيات رسمية ودولية، عدّت الهجوم تصعيدًا خطيرًا واعتداءً مرفوضًا، وسط دعوات عاجلة إلى كشف الجهات المنفذة ومحاسبتها ومنع تكرار مثل هذه الهجمات.

انتهاك السيادة

ومن أربيل، عاصمة إقليم كوردستان، يرى الباحث في الشأن السياسي كاظم الياور أن ما يحدث يتجاوز كونه خروقات أمنية متفرقة، مبينًا أن الهجمات المتكررة على الإقليم استهدفت "المفاصل الحيوية كافة"، بما في ذلك قطاع الطاقة والمطارات ومواقع عسكرية لقوات البيشمركة وحتى مبانٍ سكنية مدنية.

ويضيف الياور، لوكالة شفق نيوز، أن حماية السيادة العراقية "مناط بالحكومة الاتحادية"، مشددًا على ضرورة وجود تنسيق فعلي بين بغداد وأربيل، خصوصًا في ما يتعلق بحماية الحدود مع إيران وتركيا.

وبحسب الياور، فإن هذه الهجمات تمثل "خرقًا واضحًا وفاضحًا للسيادة العراقية ومبادئ الأمم المتحدة والقانون الدولي"، مشيرًا إلى أن العراق يمتلك الحق القانوني في تقديم شكاوى إلى مجلس الأمن الدولي والمطالبة بتعويضات عن الأضرار.

من جانبه، يذهب الخبير القانوني محمد جمعة إلى توصيف أكثر حدة من الناحية القانونية المحلية، مؤكدًا لوكالة شفق نيوز أن "أراضي إقليم كوردستان هي جزء من أراضي العراق، وبالتالي فإن أي اعتداء عليها يُعد اعتداءً على السيادة العراقية، ويُصنَّف كجريمة إرهابية وفق قانون مكافحة الإرهاب العراقي، وقد تصل عقوبتها إلى الإعدام".

ويسلط هذا الطرح الضوء على ترابط مهم بين القانون الدولي والقانون العراقي، إذ يمكن توصيف الفعل نفسه كـ"جريمة حرب" دوليًا و"عمل إرهابي" محليًا.

استهداف الاقتصاد

بدوره، يربط المحلل السياسي علي البيدر بين الهجمات والأثر الاقتصادي المباشر، مؤكدًا أن استهداف المنشآت النفطية يحمل تداعيات تتجاوز الجانب الأمني، إذ إن هذه المنشآت "تمثل البنية التحتية الحيوية التي يعتمد عليها الاستقرار المعيشي والاقتصادي".

ويضيف البيدر، لوكالة شفق نيوز، أن استهداف المنشآت النفطية يؤدي إلى تعطيل الخدمات وتفاقم الأزمات وتهديد سلامة المدنيين والعاملين، مشددًا على مبادئ التمييز والتناسب والاحتياط، حيث تُلزم جميعها أطراف النزاع بتجنب مثل هذه الهجمات.

لكن البيدر يلفت في الوقت ذاته إلى نقطة مهمة، قائلًا إن "التوصيف القانوني النهائي يبقى رهين التحقيقات"، في إشارة إلى ضرورة وجود أدلة واضحة قبل إصدار حكم قانوني نهائي.

تشكيك بالمسؤولية

في المقابل، يطرح المحلل السياسي حسين الكناني قراءة مختلفة تعكس وجهة نظر أقرب إلى خطاب الفصائل، إذ يرى أن ما يجري هو جزء من صراع أوسع في المنطقة، مشيرًا إلى أن الولايات المتحدة تستخدم الأجواء العراقية لاستهداف إيران، ما أدى إلى ردود فعل من أطراف مختلفة.

ويقول الكناني، لوكالة شفق نيوز، إن استهداف القواعد العسكرية قد يكون "أمرًا متوقعًا"، لكنه يلفت إلى أن "استهداف البعثات الدبلوماسية وحقول النفط والمباني المدنية غير مبرر، وقد تكون هناك جهات أخرى مستفيدة من هذه العمليات بهدف تجريم الفصائل".

ويعكس هذا الطرح إشكالية "تعدد الروايات"، والتي تُعد أحد أبرز التحديات في توصيف هذه الهجمات قانونيًا، إذ رغم خطورة الهجمات، يواجه توصيفها كجرائم حرب عقبة أساسية تتمثل في صعوبة الإسناد القانوني، إذ تعتمد الجهات المنفذة على أسماء وهمية وواجهات إعلامية غير معروفة مع غياب إعلان رسمي واضح، وهو ما يُعرف في القانون الدولي بمفهوم "الإنكار المقبول".

لكن خبراء يرون أن تكرار الهجمات ونمط الأهداف ونوعية الأسلحة المستخدمة يمكن أن يشكل "نمطًا سلوكيًا" يُستخدم كدليل غير مباشر في التحقيقات الدولية.

مسارات قانونية

ووفق معطيات حصلت عليها وكالة شفق نيوز، فإن التحرك العراقي – بالتنسيق مع حكومة إقليم كوردستان – يسير في ثلاثة اتجاهات: الأول التوثيق الفني من خلال جمع بقايا الطائرات المسيّرة وتحليلها لتحديد مصدرها، والثاني التدويل عبر رفع شكاوى رسمية إلى مجلس الأمن الدولي بشأن انتهاك السيادة، والثالث التصنيف من خلال إدراج الجهات المنفذة ضمن قوائم الإرهاب الدولية، مع التركيز على "المسؤولية الجنائية للقادة".

ويشير مختصون إلى أن استهداف المنشآت النفطية في دهوك والبصرة يمثل نقطة تحول خطيرة، فالقانون الدولي يعتبر المنشآت الاقتصادية المدنية ومصادر الطاقة ضمن "الأعيان المدنية" التي يُحظر استهدافها ما لم تُستخدم لأغراض عسكرية مباشرة، وبالتالي فإن ضرب هذه المنشآت دون مبرر عسكري واضح أو مع أضرار واسعة للمدنيين يعزز احتمال تصنيف الهجمات كـ"جرائم حرب".

حصيلة الهجمات

وكانت منظمة "CPT" الأميركية قد كشفت، يوم الأحد الماضي، عن تعرض إقليم كوردستان لـ474 هجومًا أسفر عن 14 ضحية و93 مصابًا خلال شهر منذ اندلاع الحرب بين أميركا وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى في 28 شباط/ فبراير 2026.

وبحسب تقرير صادر عن "فريق كوردستان" في المنظمة الأميركية، فقد نفذ الحرس الثوري الإيراني 179 هجومًا، إضافة إلى 295 هجومًا نفذتها جماعات مسلحة موالية لإيران داخل العراق.

وبيّن التقرير أن الهجمات استهدفت مواقع متعددة شملت القنصلية الأميركية، وقواعد عسكرية، ومقرات الأحزاب الكوردية الإيرانية المعارضة، إضافة إلى مواقع تابعة لوزارة البيشمركة في حكومة إقليم كوردستان، وحقول نفط، وشبكات اتصالات، ومنازل مدنيين، فضلًا عن مرافق عامة ومؤسسات غير حكومية.

وتأتي هذه التطورات مع دخول الحرب التي تشنها إسرائيل والولايات المتحدة على إيران يومها الـ33، وقد أسفرت هذه العمليات العسكرية عن خسائر بشرية هائلة واغتيالات طالت هرم القيادة في طهران، وعلى رأسهم المرشد الأعلى علي خامنئي.

وردت إيران على الهجوم الأميركي – الإسرائيلي، ما أسفر عن تداعيات واسعة في دول المنطقة، شملت كلًا من العراق وإسرائيل والأردن والكويت والبحرين وقطر والإمارات والسعودية.