شفق نيوز- بغداد

رغم مضي نحو عام على إقرار وتطبيق المدونة الجعفرية ضمن تعديلات قانون الأحوال الشخصية العراقي في شباط/ فبراير 2025، لا يزال الجدل محتدماً في الأوساط القانونية والاجتماعية، وسط انقسام واسع بين مؤيدين يرون فيها تعزيزاً لحرية الاحتكام للمذهب، ومعارضين يحذرون من تداعياتها على تماسك الأسرة وحقوق النساء والأطفال.

وفي أحدث تحرك لرفض المدونة، شهدت العاصمة بغداد، السبت الماضي، وقفة احتجاجية شاركت فيها عشرات النساء، طالبن فيها بإعادة النظر في تطبيقات التعديلات الأخيرة، ولا سيما ما يتعلق بملف الحضانة والقرار 93 المرتبط بتطبيق بعض أحكام المدونة الجعفرية في قضايا الأسرة.

ورفعت المحتجات شعارات تدعو إلى "تفعيل مصلحة المحضون" و"حماية حقوق الطفل"، مع التأكيد على ضرورة وقف أي إجراءات تسمح بتطبيق التعديلات بأثر رجعي على عقود الزواج السابقة، معتبرات أن ذلك يهدد الاستقرار الأسري ويؤثر على الحقوق القانونية للأطراف المعنية.

جدل مستمر

ويُعد قانون الأحوال الشخصية العراقي رقم 188 لسنة 1959 أحد أبرز القوانين المنظمة لشؤون الأسرة، وقد شُرّع في عهد رئيس الوزراء الأسبق عبد الكريم قاسم، واعتمد صيغة موحدة تنطبق على جميع العراقيين دون تمييز مذهبي، وينظم مسائل الزواج والطلاق والحضانة والميراث عبر محاكم الأحوال الشخصية.

وخضع القانون خلال العقود الماضية لتعديلات متكررة، كان أبرزها ما يتعلق بالمادة 57 الخاصة بالحضانة، والتي ما تزال محل جدل قانوني واجتماعي بشأن توازنها بين حقوق الأبوين ومصلحة الطفل.

وفي 21 كانون الثاني/ يناير 2025، صوّت مجلس النواب العراقي ضمن "سلة تشريعية واحدة" على تعديلات مثيرة للجدل شملت قانون الأحوال الشخصية، ما أثار اعتراضات سياسية وحقوقية بسبب مخاوف من تعدد الأطر القانونية داخل الأسرة الواحدة.

وبحسب التعديلات، فقد فُتح الباب أمام المواطنين لاختيار تطبيق أحكام المذاهب الإسلامية في قضايا الأحوال الشخصية، بما في ذلك اعتماد ما يعرف بالمدونة الجعفرية في مسائل الزواج والطلاق والحضانة، على أن يتم تحديد المذهب عند إبرام عقد الزواج أو عبر طلب لاحق أمام المحكمة المختصة.

احتجاج نسائي

وفي هذا السياق، تقول الناشطة النسوية، لينا علي، إن تطبيق المدونة الجعفرية "لم يحقق الهدف المعلن منه بخفض معدلات الطلاق أو تحسين أوضاع الأسرة"، بل على العكس – بحسب قولها – أدى إلى "تزايد العنف الأسري وتعقيد النزاعات بين الأزواج بعد الطلاق".

وتضيف علي لوكالة شفق نيوز، أن "سحب الأطفال من أمهاتهم بهذا الشكل يمثل سحقاً للعلاقة الطبيعية بين الأم وطفلها، ويترك آثاراً نفسية عميقة على الأطفال"، معتبرة أن المدونة "ظالمة ولا تمثل الشرع بشكل عادل"، على حد وصفها.

وأشارت إلى أن بعض النصوص "تُستخدم للضغط على النساء والتأثير عليهن في ملفات الطلاق والحضانة".

موقف ديني

في المقابل، يقول وكيل المرجعية الدينية الشيعية في بغداد، الشيخ محمد خليل السنجري، إن الشريعة الإسلامية أولت اهتماماً خاصاً لمصلحة الطفل، موضحاً أن "الأم أحق بالحضانة في السنوات الأولى، لكن هناك ضوابط شرعية قد تحول دون استمرارها في بعض الحالات".

ويوضح السنجري لوكالة شفق نيوز، أن "الفقه الإمامي يراعي مصلحة الطفل بالدرجة الأساس، وقد يمنح الحضانة للأم أو الأب بحسب الظروف"، مشيراً إلى أن وجود موانع تتعلق بالسلوك أو التربية قد يؤدي إلى انتقال الحضانة، "لكن الأصل هو مراعاة مصلحة الطفل وليس الصراع بين الأبوين".

وكان ديوان الوقف الشيعي قد أعلن في آب/ أغسطس 2025 استكمال إعداد "مدونة الأحكام الشرعية في مسائل الأحوال الشخصية وفق المذهب الجعفري" وإحالتها إلى مجلس النواب، ما فتح نقاشاً واسعاً حول نطاق تطبيقها وإمكانية تنفيذها بأثر رجعي.

وخلال الأشهر اللاحقة، تصاعد الجدل بشأن تطبيق المدونة، خصوصاً في ما يتعلق بالحضانة وسن الانتقال بين الوالدين، وسط مخاوف من تأثير ذلك على استقرار الأسرة ووضعها القانوني.

كما دعت منظمات دولية، بينها بعثة الأمم المتحدة في العراق، خلال 2025، إلى ضرورة مواءمة أي إصلاحات قانونية مع التزامات العراق الدولية في مجال حقوق الإنسان، مع التأكيد على حماية النساء والأطفال.

دعوات للمراجعة

وفي هذا الجانب، يقول المحامي وليد محمد الشبيبي، إن التظاهرات والاحتجاجات تبقى حقاً دستورياً مشروعاً في أي نظام ديمقراطي، إلا أن "تقييم القوانين لا يجب أن يخضع للعاطفة أو الانفعال".

ويضيف الشبيبي لوكالة شفق نيوز، أن قانون الأحوال الشخصية رقم 188 لسنة 1959 تعرض لتعديلات متكررة أثرت على توازنه التشريعي، لا سيما في المادة 57 المتعلقة بالحضانة، ما أدى – بحسب رأيه – إلى "اختلال في العدالة بين الأطراف وليس ضد المرأة فقط بل ضد امتداداتها الأسرية أيضاً".

ويشير إلى أن بعض التعديلات جاءت في ظروف استثنائية سابقة، لكن استمرار العمل بها بعد زوال أسبابها "يستدعي مراجعة قانونية جادة"، لافتاً إلى أن العودة إلى فلسفة القانون الأصلية قد تسهم في تقليل النزاعات المتكررة.

ويوضح الشبيبي أن استمرار الخلافات حول قانون الأحوال الشخصية يعكس عمق الإشكال التشريعي، مؤكداً أن الحل لا يكمن في "التشدد أو الانقسام"، بل في إعادة التوازن إلى النصوص بما يضمن مصلحة الطفل ويحفظ حقوق جميع الأطراف بعيداً عن التجاذبات السياسية أو الأيديولوجية.