شفق نيوز/ منح الثقة من البرلمان للحكومة العراقية الجديدة، بعد شهور من الممطالة والتعثر، يضع مصطفى الكاظمي فورا أمام جحيم التحديات الكبرى، في لحظة حرجة من تاريخ العراق والمنطقة، أو كما يقول المتفائلون، أمام الفرصة الاخيرة، للخروج من مشهد التردي الحالي اقتصاديا، سياسيا وأمنيا.

وتجتمع العديد من العوامل لتجعل من نيل الحكومة الثقة هذه المرة، أكبر من مجرد خطوة التصويت البرلماني، اذ تتجسد فورا أمام الكاظمي، ووزرائه في الحكومة الجديدة، آمال وفرص وأزمات، ليس بمقدورهم سوى الانكباب عليها فورا، خصوصا مع الغليان الذي يعيشه الشارع العراقي منذ شهور طويلة.

وكان اعلان محمد توفيق علاوي، ثم عدنان الزرفي اعتذارهما عن تشكيل الحكومة بعد استقالة حكومة عبدالمهدي منذ أكثر من خمسة شهور، ثم تكليف مصطفى الكاظمي، كلها مؤشرات على تفاقم تعقيدات المشهد السياسي العراقي، وهي حالة يحتاج الكاظمي الى التعامل معها ببالغ الحرص لتجنب ألغامها العديدة، ومخاطرها على مستقبل حكومته، والأهم على كيفية تعاملها مع ملفات ساخنة، من الوضع الاقتصادي ونيران الغضب الشعبي، الى التحديات الأمنية، والعلاقة مع اقليم كوردستان وصولا الى تفكيك عقد العلاقة مع الاميركيين.   

 

التحدي الاقتصادي

ولعل الملف الاقتصادي -المعيشي هو الاكثر الحاحا بالنسبة الى عموم العراقيين، خصوصا ان العراق غني بموارده النفطية، لكن شريحة كبيرة من المواطنين لا تشعر بعوائد هذه الثروة. ووفقا لارقام متوفرة من وزارة التخطيط، فان نسبة الفقر كانت في العام 2018 تصل الى 20 في المئة. ومع تدهور الاوضاع الاقتصادية خلال العامين الماضيين، فالمرجح ان النسبة ازدادت بحدة. وكان المسح الذي اجرته الوزارة أظهر ان نسبة الفقر في بعض المحافظات كانت اعلى من ذلك بكثير. فالمثنى مثلا سجلت 52 في المئة، والديوانية 48 في المئة، وميسان 45 في المئة.

سيكون على الكاظمي ان يدقق في هذه الارقام، وغيرها، كثيرا في اللحظة الاولى من يوم دوامه الاول في مكتبه في مقر رئاسة الحكومة. لا يتوقع العراقيون منه اقل من ذلك ابدا. وهو يدرك مثلهم ان الطلب العالمي على النفط تراجع في شهر نيسان وحده 30 في المئة. ولن يكون سهلا على دولة مثل العراق، تتكل بأكثر من 90 في المئة من مواردها على النفط، ان تخرج من عنق الزجاجة لمواجهة الخطر الداهم على موارد رزق البلاد.

ويصبح هذا الملف اكثر سخونة لان العراق، وبرغم موارده النفطية الكبيرة، يرزح تحت وطأة ديون خارجية ثقيلة، يعتقد انها بحسب محافظ البنك المركزي تبلغ 23 مليار دولار، بينما تبلغ الديون الداخلية نحو 40 تريليون دينار عراقي. ويقول محافظ البنك ان ذلك لا يتضمن 40 مليار دولار تمثل ديونا معلقة لفترة ما قبل العام 2003. 

وسيكون على الكاظمي الانكباب فورا لدراسة هذه الملفات واعداد خطط التعامل معها مع انهيار ايرادات النفط وتعثر الحكومة عن دفع الرواتب في ظل تقديرات في الوقت نفسه من صندوق النقد الدولي بانكماش الاقتصاد العراقي بنسبة 4.7 في المئة.

اذا العراق أمام وضع كارثي ويأتي وباء كورونا ليزيد من المخاطر الماثلة أمام الكاظمي لانه عطل عجلة الاقتصاد بدرجة كبيرة تجعل احتمالات انفجار الغضب الشعبي أكثر ترجيحا، ما لم يبدأ العراقيون بمشاهدة آثار الاصلاحات التي وعدهم بها، وخطوات جريئة لمكافحة الفساد المستشري.

ولتخيل المشهد بشكل أوضح، علينا ان نتذكر ان الميزانية الاخيرة وضعت على اساس ان النفط يشكل 90 في المئة من ايراداتها وعلى اساس ان سعر البرميل 56 دولارا بينما يتراوح الان بحدود ال30 دولارا فقط.

ولن يكون بمقدور أي حكومة ان تعالج هذا التحدي الاقتصادي من دون خوض معركة داخلية كبيرة لمواجهة سياسات المحاصصة والمحسوبية وتقاسم الغنائم السائدة خلال العقدين الماضيين، والتي يقول الخبراء انها جعلت القطاع العام يتضخم لدرجة انه يمتص حوالى 50 مليار دولار سنويا كرواتب وتعويضات، وهو ما يشكل النسبة الاكبر من حجم الميزانية العامة.

ويشهد العراق نقاشا يتعلق بالاقتطاع من الرواتب يتركز على من سيطاله وبأي نسبة.وان اقتطاع الرواتب سيطال بالنسبة الأكبر الوزراء وكبار المسؤولين الحكوميين. بحسب مصادر لشفق نيوز

ولعلها تكون رسالة مؤثرة في اوساط العراقيين بخاصة الشباب منهم والذي يرزحون تحت وطأة معدلات بطالة كبيرة. الا ان مبادرة كهذه لوحدها لن تكون كافية على الارجح. تحتاج حكومة الكاظمي الى اعلان خطة طوارئ اقتصادية للانقاذ، ومن اجل تحقيق ذلك تحتاج أيضا الى غطاء برلماني كاف وتأييد من الرأي العام الغاضب من سوء الاحوال.

 

التحدي الأمني

يشعر العراقيون بشكل عام بعبء التحديات الامنية التي يواجهونها منذ سنوات، وهم من دفع ثمنها من أرواحهم وحياة ابنائهم. ولهذا فان السؤال الذي يجب ان يطرح على الكاظمي عما اذا كان مدركا تماما لحجم هذه التضحيات واعبائها على المواطنين، وما هو بصدد القيام به من أجل معاجلة ذلك.

غير ان المشكلة تكمن في ان الملف الامني شائك بدرجة لا يمكن له معها تسويته بمعزل عن عناصر اللعبة الداخلية والاقليمية. ومن دون افراط في التشاؤم، فان الكاظمي يحتاج الى معجزة بلا شك، في زمن انعدمت فيه المعجزات.

كما فرض تنظيم "داعش" الارهابي اجندته على الاجواء السياسية في بغداد قبيل انعقاد جلسة منح الثقة بعدما ضاعف هجماته في الأيام الاخيرة برغم اعلان رئيس الوزراء الاسبق حيدر العبادي انتصار العراق على داعش في اواخر العام 2017.

ومن الواضح ان داعش يستغل مجموعة من العناصر التي اتاحت له لملمة صفوفه واعادة تفعيل خلاياه من اجل القتل والترهيب، من بينها فيروس كورونا واعادة التموضع العسكري الاميركي، والخلافات الداخلية بين الفصائل والتي تبدد جهود "الحشد الشعبي"، والفراغ الامني القائم في المناطق المتنازع عليها بين بغداد وكوردستان، واستمرار الوضع المشوش في الشرق السوري، وتصاعد التوتر بين الاميركيين وفصائل الحشد.

ومع ذلك، فان الكاظمي مجبر على ايلاء هذه الملفات أهمية قصوى، لان اهمال اي منها، لن يجلب سوى المزيد من التدهور في حياة العراقيين، وقد يوجه ضربة قاضية لحكومته، وبأحسن الأحوال سيشلها عن العمل.

اذا سيحتاج الكاظمي الى الانهماك بتعزيز الجيش والاجهزة الأمنية ورفدها بما تحتاج من تمويل وتطوير وتفعيل، في مهمة لن تكون سهلة في ظل تعثر الموارد المالية القائم حاليا. لكن سيكون بامكانه على اقل تقدير، تفعيل التنسيق والتعاون مع كوردستان، وحسن الاستفادة من برامج الدعم الخارجية المخصصة للقطاع الامني، وتنشيط ضبط الحدود مع سوريا، والتوصل الى صيغة تراض سياسية تعالج مشكلات الحشد الشعبي بما يتلاءم مع مصالح الدولة بالتوافق مع القوى السياسية الاساسية.   

وفي جانب آخر من الشق الامني، يحتاج الكاظمي الى ايلاء احتجاجات الشارع أهمية عليا لمعالجتها بالطريقة المثلى. ولعل من سوء حظ الكاظمي انه يتولى منصب رئاسة الحكومة على ابواب الصيف الذي عادة ما ترافقه انقطاعات في خدمات الكهرباء والمياه وهو ما من شأنه زيادة حدة حركة الاحتجاجات.

 

العلاقة مع واشنطن

من المقرر ان ينطلق "الحوار الاستراتيجي" بين بغداد وواشنطن في حزيران المقبل، ليطال كل القضايا الشائكة بين الطرفين، بما في ذلك طبيعة ومستقبل الوجود العسكري الاميركي، بخاصة بعدما صوت البرلمان العراقي رسميا للمطالبة بسحب القوات الأميركية.

وسيمثل واشنطن مساعد وزير الخارجية للشؤون السياسية ديفيد هايل، الرجل الثالث في الخارجية الأميركية. ولم يعرف بشكل رسمي ما اذا كان الكاظمي سيشارك شخصيا في جلسات الحوار، اذ سيكون قد تسلم للتو جبالا من الملفات للبدء بمعالجتها. لكنه يدرك تماما ان هناك الكثير مما يجب اصلاحه في العلاقة مع الاميركيين، اذ كما تصفها مجلة "فورين بوليسي" الاميركية بانها "شراكة مختلة" من وجهة النظر الاميركية.

تسرد المجلة الاميركية مجموعة عناصر تبرر وصفها لتلك العلاقة بانها مختلة من بينها: قتل قوات الامن المئات من المتظاهرين، استغلال ايران الاقتصاد العراقي للتحايل على العقوبات الاميركية، تلقي فصائل عراقية مدعومة من ايران، بعضها على لائحة العقوبات الاميركية، مخصصات مالية من الحكومة العراقية التي لا تحاسبها على هجماتها على المباني والقواعد الاميركية على ارض العراق.

واشارت المجلة انه برغم ان واشنطن قدمت مساعدات بمئات ملايين الدولارات اقتصاديا وعسكريا، وساندت العراق ديبلوماسيا، على أمل ان يتحول الى كشريك رئيسي في الحفاظ على استقرار وأمن الشرق الاوسط، فانه يسير بالاتجاه المعاكس، مضيفة ان "الحوار الاستراتيجي" يشكل الفرصة الاخيرة لتغيير هذا الاتجاه وانقاذ الشراكة الاميركية -العراقية طويلة الامد، داعية واشنطن الى فرض شروط أكثر قوة مقابل الدعم الاميركية المقدم للعراق، وافهام بغداد انها ستخسر الكثير ما لم تظهر مقاومة لما اسمته "الهيمنة الايرانية".

سيذهب الاميركيون الى جلسات الحوار متسلحين بسلة من عناصر القوة التي تعزز موقفهم التفاوضي. هذه ليست مهمة سهلة أمام الكاظمي. سيضع الاميريكيون أمامه ملف صعود ارهاب داعش، وسيذكرون الكاظمي بان ادارة ترامب تسعى الى تقديم 600 مليون دولار لتدريب وتسليح قوات الامن العراقية، والى تأمين 120 مليون دولار لدعم الاقتصاد العراقي وبرامج اخرى بما فيها نزع الالغام.

واشنطن هي ايضا تذكرة مرور حكومة بغداد الى صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، اذا ما تواصل الانهيار الاقتصادي الذي يشهده العراق والعالم.  ولهذا لن يكون الموقف التفاوضي للكاظمي سهلا، بخاصة انه يدرك ان غالبية هذه المساعدات لا يمكن استبدالها من دول أخرى اذا امتنعت واشنطن عن تقديمها.

سنترقب لمعرفة ما اذا كانت ادارة ترامب المحرجة من قرار البرلمان العراقي التصويت لاخراج قواتها من البلاد، ستعمد الى استخدام اوراق الضغط هذه على الكاظمي، بما في ذلك التلويح بعقوبات نفطية (مثلما ألمحت فورين بوليسي)، ما لم ترى واشنطن استجابة عراقية كافية بنظرها لمطالبها.

وفي الحديث عن الوجود العسكري الاميركي، تلمح "فورين بوليسي" بشكل واضح الى تمييز لا لبس فيه، للنظرة الاميركية الى كل من بغداد وكوردستان. فقد دعت الى ضرورة اعداد الادارة الاميركية خطة لتعزيز دور القوات الاميركية في العراق لتأمين سلامة اقليم كوردستان، مشيرة الى انه بخلاف الطبقة السياسية العراقية، فان حكومة كوردستان وقواتها الامنية داعمة بشكل كبير للوجود العسكري الاميركي.

واوضحت انه من خلال تمركزها في كوردستان المؤيدة للاميركيين، بامكان الولايات المتحدة القيام بمهمات مكافحة الارهاب الضرورية ضد داعش، بما في ذلك في سوريا، ومن دون اجراءات الحماية الواسعة المضطرة ان تعتمدها حاليا في عملياتها في مناطق اخرى في العراق. واشارت الى انه مع تخفيف مستوى تعرض قواتها لمخاطر، سيكون بمقدور واشنطن ان تتصرف بشكل اكثر مرونة في مواجهة المخاطر التي تشكلها داعش وايران.

من اللافت التذكير بما اعلنه رئيس إقليم كوردستان، نيجيرفان بارزاني، لموقع "المونيتور" الاميركي، والتي قال فيها إن الكورد والعرب السنة لم يشاركوا في القرار الذي اتخذه البرلمان العراقي باخراج القوات الاميركية، مضيفا أنه "يشكل سابقة سيئة".

بهذا المعنى، ستكون مفاوضات الحوار الاستراتيجي شاقة بكل جوانبها، فيما ينتظر الاميركيون ان يرصدوا ملامح حركة الكاظمي بما يتعلق بمستقبل القوات الاميركية، وانما من دون ان ننسى أيضا ان الرئيس دونالد ترامب نفسه قال قبل يومين "أنفقنا 8 تيرليون دولار على أسوأ قرار جرى اتخاذه في أي وقت مضى بالذهاب إلى الشرق الأوسط، هذا ربما أسوأ قرار في تاريخ بلادنا، اذ قتل ملايين الأشخاص من كلا الطرفين".

 

العلاقات مع كوردستان

يأتي نيل الكاظمي الثقة البرلمانية في وقت تشهد علاقات بغداد مع اقليم كوردستان أزمة ثقة متزايدة، فيما الكتل الكوردية في البرلمان الاتحادي اعلنت منذ بداية الطريق دعمها ترشيح الكاظمي لتشكيل الحكومة

عناصر عدة ساهمت في تسخين الخلافات ما بين بغداد واربيل، لهل ابرزها مؤخرا قرار حكومة عادل عبدالمهدي قطع الرواتب المقررة عليها لموظفي اقليم كوردستان لاسباب ظلت حتى الآن يكتنفها الكثير من الغموض، في انتهاك للاتفاقات المعمول بها بين الطرفين.

وجاء قرار قطع الرواتب بشكل مفاجئ في الوقت الذي يقوم فيه وفد التفاوض الكوردي بجولة محادثات مكثفة مع مختلف القوى الحكومية والحزبية في بغداد لتسوية ملفات تعيق تطوير العلاقات بين الطرفين، وهو ما عزز طرح التساؤلات عن مغزى صب الزيت على النار على الرغم من العلاقات الطيبة التي ربطت القيادة الكوردية بعادل عبدالمهدي.

اذا، سيراقب اقليم كوردستان أولى مواقف الكاظمي حول ملف الرواتب، لكن منحه الثقة من جانب الكتل الكوردية، يعني ضمنيا ان تفاهمات جرت لتسوية هذه القضية بدون تشنجات اضافية للخطوط الساخنة بين الطرفين.

وكما هو معروف، يشكل ملف الموارد النفطية أكثر الملفات تعقيدا، حيث تحتوي المنطقة الكوردية على 45 مليار برميل من الاحتياطي العراقي المقدر بـ150 مليار برميل، ويصدر كوردستان بين 400 ألف و500 ألف برميل يوميا. لكن رسميا، عليه أن يصدر منها 250 ألف برميل يوميا عن طريق شركة سومو النفطية الحكومية، وأن يدفع الإيرادات الناتجة عما تبقى للموازنة الفدرالية. وفي المقابل، على بغداد أن تدفع نحو 12% من موازنتها الاتحادية لأربيل (8.2 مليارات دولار).

وربما كل ما يتحتم على الكاظمي القيام به لطي هذا الملف تفعيل الاتفاق الذي جرى ابرامه بين كوردستان وحكومة عبدالمهدي في العام 2019، بعدما تضمن موازنة العام 2019 التي جرى اقرارها، بنودا تشير الى إعادة صرف حصة إقليم كوردستان التي لم يحصل عليها في موازنة العام 2018، ودفع رواتب موظفي الاقليم بمن فيهم مقاتلو قوات البيشمركة.

اذا هو اختبار بسيط لاظهار ارادة الكاظمي في معالجة هذا الخلاف مع "الحلفاء" الكورد الذين ساندوه برلمانيا، حتى يتسنى للطرفين معاجلة ملف أكثر سخونة والمتمثل بما يسمى المناطق المتنازع عليها بينهما ضمن محافظات كركوك وصلاح الدين ونينوى وديالى.

وبامكان الكاظمي ملاقاة رئيس حكومة كوردستان مسرور بارزاني في منتصف الطريق للنزع فتيل هذه الازمة المهملة والتي كانت من بين العناصر التي اتاحت لتنظيم داعش التحرك تحت ظلال المناطق المتنازع عليها، لاعادة تفعيل نشاطه الدموي. مسرور بارزاني كان دعا بمجرد توليه منصبه بغداد التي زارها فورا، الى "ترك نزاعات الماضي وراءنا" في تعبير واضح عن الرغبة في ترطيب الاجواء

الاصوات الكوردية الداعية الى اليقظة ومعالجة هذا الملف تكاثرت أيضا في الايام الماضية. من بينها النائب عن الحزب الديمقراطي الكوردستاني بشار الكيكي الذي قال لشفق نيوز، "المناطق المتنازع عليها غير مستقرة امنيا منذ احداث (16 تشرين الاول عام 2017) وانسحاب البيشمركة منها رغم ضرورة تواجدها وما حققته من نجاحات امنية طيلة الاعوام السابقة"، داعيا الى ضرورة "التطبيع الامني" بين القوات الاتحادية والبيشمركة لإجهاض خطر داعش، وضرورة إدارة هذه المناطق وفقا للدستور والمادة 140 منه.

وليس سرا القول ان جانبا من تعقيد المشهد الحاصل بغداديا-كوردستانيا، ان القوى السياسية في بغداد ليست في موقع اجماع حول كيفية مقاربة العلاقة مع كوردستان، وهذا ما يضع الكاظمي امام تحد كبير يتحتم عليه تخطيه للوصول بهذا الملف الى بر الامان السياسي.

 

الانتخابات المبكرة

تصاعدت في الاسابيع الماضية هتافات المتظاهرين في شوارع العراق مطالبة باجراء انتخابات مبكرة، ولاقتها مؤيدة المرجعية الدينية في النجف، من دون ان تحظى الفكرة باجماع سياسي في بغداد.

فماذا سيفعل الكاظمي اذا اراد تجديد الدماء في شرايين الحياة السياسية في العراق واقناع المحتجين بانه يلبي مطالبهم تدريجيا؟ ماذا سيفعل طالما قوى سياسية رئيسية وحتى حكومية، تعتبر ان الانتخابات الان لن تقدم كثيرا، وانه حتى لو عقد العزم على اجرائها، فلن يكون ذلك متاحا في أحسن الأحوال، قبل أواخر العام 2021 .

تطرح التساؤلات امام الكاظمي لانه تحديدا تحدث عن ضرورة اجراء انتخابات خلال مدة لا تتجاوز عاما. فهل سيمنحه المحتجون هذا الوقت؟ ربما، لكن بغض النظر عن ذلك، فان خطوة الانتخابات بحد ذاتها لا يمكن الاقدام عليها سريعا لجملة أسباب.

أولا على الكاظمي الاخذ بعين الاعتبار ان وباء كورونا لم يتبدد، لا بل ان حالات جديدة تسجل يوميا في مناطق مختلفة من العراق الذي يشهد في بعض المحافظات او المدن، عدم التزام شعبي باجراءات الوقاية والحجر. ان المجازفة بفتح صناديق الاقتراع تحت ظلال الوباء، قد يتسبب بسيناريو "قم -2" حيث ظهرت أولى الاصابات في ايران، فجرى تجاهلها في المرحلة الاولى عشية الانتخابات البرلمانية، ولما توجه ملايين الناخبين الايرانيين الى صناديق الاقتراع، ساهم ذلك دون شك، في توسيع دائرة المصابين والعدوى.

ربما يقول قائل انه ليس بمقدور العراق، وامكانياتها الصحية المتوفرة من التعامل مع خطر بهذا الحجم، لكن اسبابا اخرى تقف حائلا دون تنظيم انتخابات سريعة. بعض التقديرات العراقية الرسمية تتحدث عن الحاجة الى مليار دولار تنفق على العملية الانتخابية، فهل ذلك متاح في ظل الازمة الاقتصادية الخانقة التي اشرنا اليها سابقا؟ هل سيخرج الكاظمي ليعلن قريبا صعوبة الانتخابات في ظل هذا الوضع؟ سنرى.

النائب عن "تحالف الفتح"، الجهة السياسية الممثلة لـ"الحشد الشعبي"، حسن شاكر عودة، عبر عن ذلك بالقول إن "الانتخابات تحتاج إلى أموال طائلة، وإن العراق يمر بأزمة مالية جرّاء انخفاض أسعار النفط". الناطق باسم التحالف النائب احمد الاسدي قال أيضا :" لن تكون هناك انتخابات مبكرة.. في الازمة الحالية للمفوضية، فان الانتخابات لن تحدث الا بعد سنيتن". اما النائب عباس عليوي فقد قالها صراحة أن أغلب القوى السياسية "غير راغبة بإجراء الانتخابات المبكرة".

عامل آخر معرقل. هناك حاجة لبعض المتطلبات الفنية والقانونية مرتبطة بتقسيم الدوائر الانتخابية، وتحديد مناطق واقضية اعتبرت دائرة انتخابية واحدة، والقيام بدمج الناخبين في تلك الدوئر ممن لا يتجاوز عدد سكانها 100 الف نسمة مع مدن أخرى. وستخلق هذه التغييرات اعتبارات ليست بالحسبان منها مكونات بعض هذه المدن وجمهور الاحزاب والقوى السياسية والعشائرية فيها والتي يجب ان تؤخذ بالحسبان.

المفوضية العليا المستقلة للانتخابات نفسها، قالت مؤخرا ان العملية الانتخابية تحتاج سلسلة من الخطوات من بينها تشريع قانون الانتخابات والجداول الملحقة به، والتي تحدد الدوائر الانتخابية وعدد المقاعد لكل دائرة، فضلاً عن تخصيص الموازنة الانتخابية، بالاضافة الى تسجيل الناخبين وتحديث وتهيئة سجل الناخبين، وطباعة وتوزيع بطاقة الناخب الإلكترونية للمسجلين بايومترياً، وتهيئة قوائم الأحزاب والتنظيمات السياسية، مع فتح باب تسجيل المرشحين للانتخابات، وتجهيز عدة التحقق الإلكترونية، وجهاز الفرز والعد الإلكتروني، وبرامجيات إعلان النتائج، فضلاً عن إعداد المطبوعات المتضمنة ورقة الاقتراع واستمارات التسوية والنتائج، وسجل الناخبين، وتجهيز المواد المستخدمة على مستوى مركز تسجيل ومركز اقتراع، والتهيئة لإبرام العقود والتعاقد لما تحتاجه الانتخابات.

صحيح ان عادل عبد المهدي دعا في بداية اذار الى إجراء انتخابات عامة مبكرة في 4 كانون الاول المقبل، وحل البرلمان قبل الانتخابات بـ60 يوما، لكن الشارع كان قد سبقه في رفع هذا المطلب بشهور، في مواجهة الطبقة السياسية.

ان كل ما سبق لا يفتح طريقا معبدا لفكرة انتخابات مبكرة يدعو اليها الكاظمي او يؤجلها، ما قد يضعه في الحالتين، اما الى صدام مع كتل سياسية وازنة في البرلمان، او الى توتر اضافي مع شارع الاحتجاج الشعبي. وكلا الخياران، مر.

خاص شفق نيوز