شفق نيوز- بغداد/ صنعاء
تضع التطورات المتسارعة في المنطقة، لا سيما ما تشهده إيران من توترات داخلية وضغوط خارجية، الفصائل المسلحة في العراق أمام لحظة اختبار حساسة، تتداخل فيها الاعتبارات العقائدية مع الحسابات السياسية والأمنية في ظل تصاعد الحديث عن احتمالات التصعيد الإقليمي وتداعياته على الداخل العراقي.
وبين اتهامات أميركية لطهران باستخدام "ميليشيات بالوكالة" في "قمع الاحتجاجات"، وتقارير إعلامية تتحدث عن تحركات عابرة للحدود، تحاول القوى العراقية الممسكة بالسلاح رسم موقف متوازن يراعي خصوصية الساحة المحلية، ويجنب البلاد الانزلاق إلى صراعات مفتوحة، وسط ضغوط دولية متزايدة لإنهاء وجود الفصائل خارج الإطار الرسمي للدولة.
مخاض مصيري
وفي هذا السياق، يرى الباحث في الشأن السياسي رمضان البدران، أن موقف الفصائل المسلحة في العراق بات "محرجاً ومعقداً" في ظل تداعيات المشهد الإقليمي لا سيما التطورات داخل إيران وما تثيره من تساؤلات حول مستقبل العلاقة العقائدية والاستراتيجية التي تربط هذه الفصائل بطهران مقابل علاقتها بالدولة العراقية.
ويقول البدران لوكالة شفق نيوز، إن الفصائل تجد نفسها أمام أسئلة مصيرية تتعلق بمستقبل إيران وانعكاساته عليها، فضلاً عن الضغوط الأميركية المتصاعدة لحل هذه التشكيلات وإنهاء وجودها داخل بنية الدولة ما يضعها في "مخاض قرار مصيري".
ويضيف أن بعض الفصائل قد تميل إلى التماهي مع الدولة العراقية ومصالحها وتجنب أي صدام داخلي أو خارجي، فيما يتردد البعض الآخر لأسباب تتجاوز البعد الإيراني، لتشمل حجم النفوذ الذي راكمه داخل الدولة والمصالح الاقتصادية والسياسية المرتبطة بوجود السلاح، والتساؤل عما إذا كان التخلي عنه سيبقي هذا النفوذ قائماً أم يعرضه للانحسار.
السيادة والحدود
من جانبه، يؤكد عضو المكتب السياسي لحركة "الصادقون" حسين الشيحاني، أن موقف الفصائل في العراق ينطلق من "ثوابت واضحة"، في مقدمتها الالتزام بتوجيهات المرجعية الدينية العليا والانسجام الكامل مع قرار الدولة العراقية في قضايا الحرب والسلم.
ويشدد الشيحاني في حديثه لوكالة شفق نيوز، على أن الفصائل لا تتحرك بمنطق ردود الفعل، ولا تسعى لاستنساخ تجارب إقليمية كاليمن أو غيرها، انطلاقاً من خصوصية الواقع العراقي وضرورة حماية السيادة ومنع تحويل البلاد إلى ساحة لتصفية الحسابات.
ويضيف أن أي حديث عن تصعيد أو مواجهة لا يمكن فصله عن الإطار السيادي للدولة، مع وجود "خطوط حمراء" لا يمكن تجاوزها في حال تعرض العراق أو هويته ومقدراته الوطنية لاعتداء مباشر، معتبراً أن الواجب الشرعي والوطني حينها يفرض الدفاع عن النفس.
ويؤكد الشيحاني أن الفصائل ترفض الاعتداء على أي دولة مجاورة بما فيها إيران، كما ترفض جر المنطقة إلى "حروب عبثية"، مشدداً على أن العراق يسعى لأن يكون عامل توازن لا ساحة صراع، مع احتفاظه بحقه الكامل في الدفاع عن نفسه إذا فُرضت عليه المواجهة.
العراق وإيران
بدوره، يرى القيادي في حركة "عصائب أهل الحق" هادي الساعدي، أن السياسة الأميركية القائمة على "الاعتداء على المنطقة" تجعل الجميع منخرطين في الصراع بشكل أو بآخر، لكنه يؤكد في الوقت ذاته أن الحكومة الإيرانية قادرة على احتواء أي اضطرابات داخلية وردع أي هجوم خارجي، استناداً إلى تجارب سابقة وقدرات عسكرية متقدمة.
ويقول الساعدي لوكالة شفق نيوز، إن فصائل المقاومة مشروعها الأساس هو الدفاع عن العراق ومكوناته، ورغم ارتباطها العقائدي والاستراتيجي مع الجمهورية الإسلامية، فإنها لم تكن، في التجارب السابقة، جزءاً مباشراً من منظومة الردع الإيرانية ما لم تقتضِ الضرورة ذلك.
ويضيف أن دعم إيران للفصائل كان ولا يزال من أجل حفظ العراق وسيادته، وليس العكس، مؤكداً أن ما يجري داخل إيران لا يستدعي تدخلاً من الفصائل، طالما أن طهران تمتلك القدرة على حماية نفسها، لافتاً إلى أن أي تغيير في هذا المسار سيعتمد على ما إذا كان الخطر سيتحول إلى تهديد مباشر للعراق.
اتهامات دولية
وتأتي هذه المواقف في وقت اتهمت فيه وزارة الخارجية الأميركية، السبت، إيران باستخدام ما وصفته بـ"ميليشيات عراقية ولبنانية" لقمع الاحتجاجات الشعبية داخل البلاد، معربة عن قلقها من تقارير تشير إلى لجوء طهران إلى "قوات بالوكالة" ضد متظاهرين سلميين.
وفي السياق ذاته، أفادت تقارير نشرتها قناة "إيران إنترناشيونال" بأن فصائل عراقية مرتبطة بإيران بدأت، منذ أيام، بتجنيد وإرسال عناصر إلى داخل الأراضي الإيرانية للمساعدة في "قمع الاحتجاجات"، مشيرة إلى إرسال مئات المقاتلين عبر معابر حدودية تحت غطاء رحلات دينية.
وتبقى هذه المعلومات، التي لم يصدر تأكيد رسمي بشأنها من بغداد أو طهران، محل جدل واسع، في ظل نفي ضمني من قادة الفصائل لأي تدخل مباشر في الشأن الداخلي الإيراني.
وفي سياق الضغوط الدولية المتصاعدة، كان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد لوّح في أكثر من مناسبة بإمكانية التدخل لمنع ما وصفه بقمع الاحتجاجات داخل إيران، مجدداً، يوم الجمعة، تحذيره للقيادة الإيرانية من استخدام العنف، بالقول: "لا تبدأوا بإطلاق النار، لأننا سنبدأ بإطلاق النار أيضاً".
البعد الإقليمي
على المستوى الإقليمي، يحذر القيادي العسكري في جماعة أنصار الله اليمنية (الحوثيون)، العميد عبد الغني الزبيدي، من خطورة المرحلة، مؤكداً أن المنطقة تعيش حالة "شبه ملتهبة"، وأن أي تدخل مباشر ضد إيران أو دول محور المقاومة سيقابل بردود فعل قوية وحاسمة قد تمتد آثارها إلى الإقليم والعالم.
ويقول الزبيدي لوكالة شفق نيوز، إن صنعاء اليوم تمثل دولة قائمة، وليست مجرد فصائل مسلحة، وإن أي تطورات عسكرية أو سياسية كبرى ستدفع أطراف المحور إلى التدخل، كما حدث خلال عملية "طوفان الأقصى"، محذراً من أن أي تغيير في موازين القوى قد يشعل مواجهة واسعة النطاق.
وتتزامن هذه التحذيرات مع تصاعد المخاوف والتوقعات بشأن مستقبل الفصائل المسلحة في العراق، وسط ضغوط دولية متزايدة لم تترك المجال سوى لتقليص نفوذ هذه القوى أو فرض إعادة هيكلة شاملة لسلاحها، سواء عبر الاندماج بالمؤسسات الرسمية أو التخلي عن النشاط العسكري بالكامل.
وأكد رئيس مجلس الوزراء المنتهية ولايته، محمد شياع السوداني، الأحد الماضي، أن إسرائيل حاولت جر العراق الى ساحة الحرب واستهدافه خلال أحداث 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023 وما بعدها، من أجل تنفيذ مخططها، معتبراً أن العراق القوي المعافى يمثل حجر الأساس في استقرار المنطقة.
وتضغط الولايات المتحدة منذ أشهر بشكل حاد، على الحكومة العراقية لإنهاء دور الفصائل المسلحة وحلها والسيطرة على السلاح خارج الدولة، كما اشترطت ألا تشارك الفصائل في الحكومة الجديدة، خاصة بعد أن حصلت على عدد مقاعد نيابية كبير.