شفق نيوز- بغداد
تشهد تكاليف الزواج في العراق خلال العام 2026 ارتفاعاً ملحوظاً، انعكس بشكل مباشر على قدرة الشباب على الإقدام على خطوة تأسيس الحياة الزوجية، في ظل زيادة أسعار الصالات والمهر والذهب ومتطلبات الحفل المختلفة.
ومع تفاوت الكلفة بين محافظة وأخرى، وبين الأعراس البسيطة والمبالغ فيها، بات الزواج يمثل عبئاً اقتصادياً إضافياً يثقل كاهل الأسر العراقية.
ويرى مختصون أن ارتفاع تكاليف الزواج يرتبط بعوامل اقتصادية عدة، أبرزها التضخم العام وارتفاع أسعار السلع والخدمات، فيما يشير آخرون إلى أن المبالغة الاجتماعية في متطلبات الحفل لعبت دوراً أساسياً في تضخيم الكلفة النهائية للزواج.
تكاليف ثقيلة
وتبدأ رحلة الزواج عادة من المهر، الذي يختلف بحسب العادات الاجتماعية والمناطق، إذ يتراوح في بعض الحالات بين 10 إلى 30 مليون دينار، وقد يرتفع أكثر تبعاً للوضع الاقتصادي ومتطلبات العائلتين.
أما الذهب، فيبقى أحد أبرز أعباء الزواج، إذ تتراوح قيمته بين 3 إلى 10 ملايين دينار أو أكثر، وفقاً للوزن ونوعية المصوغات وأسعار الذهب، التي تشهد تذبذباً مستمراً في الأسواق المحلية والعالمية.
وفي جانب الحفلات، تحولت إقامة الأعراس خلال السنوات الأخيرة من مناسبات بسيطة كانت تُقام في الأزقة والمنازل، إلى حفلات داخل صالات متخصصة، ما أضاف أعباء مالية جديدة على العائلات.
ويقول صاحب إحدى صالات الأعراس في منطقة زيونة ببغداد، في حديث لوكالة شفق نيوز، إن "كلفة حجز صالات الأعراس تتراوح حالياً بين مليون إلى مليوني دينار، وقد تتجاوز ذلك في القاعات الفخمة داخل بغداد وبعض المحافظات، بحسب الخدمات المقدمة".
ويضيف أن "الكلفة لا تقتصر على استئجار القاعة فقط، بل تشمل أيضاً خدمات التصوير والديكور والفرقة الموسيقية والضيافة، التي قد تضيف مبالغ تتراوح بين مليون إلى ثلاثة ملايين دينار".
زواج خارج القدرة
ويقول محمد عارف، وهو شاب متزوج حديثاً، لوكالة شفق نيوز، إن "الزواج في الوقت الحاضر أصبح مكلفاً بشكل كبير مقارنة بالسنوات السابقة، بسبب الارتفاع المستمر في أسعار أغلب متطلبات العرس".
ويشير إلى أن "الكلفة الإجمالية لزواجه تراوحت بين 25 إلى 30 مليون دينار، شملت تجهيز غرفة النوم ومستلزماتها من الأثاث، إضافة إلى الذهب والملابس وتكاليف الحفلة وحجز القاعة، فضلاً عن المصاريف الأخرى التي تفرض نفسها خلال فترة التجهيز".
ويتابع عارف، حديثه قائلاً إن "العديد من الشباب باتوا يواجهون صعوبة في الإقدام على الزواج بسبب هذه التكاليف المرتفعة، ما يدفع بعضهم إلى تأجيل الخطوة أو اللجوء إلى تقليل متطلبات العرس قدر الإمكان".
كلفة الزواج تتفاقم
وبهذا الصدد، يرى مستشار رئيس الوزراء للشؤون المالية، مظهر محمد صالح، لوكالة شفق نيوز، أن ارتفاع كلفة الزواج اليوم يرتبط بعاملين متداخلين، الأول اقتصادي يتمثل بارتفاع معدلات التضخم العام وزيادة أسعار السكن والأثاث والذهب والخدمات، والثاني اجتماعي يتعلق بتوسع متطلبات الزواج والمبالغة أحياناً في المظاهر والكماليات التي أصبحت تشكل عبئاً إضافياً على الشباب ومعوقاً أمام بناء النواة الأسرية.
وأوضح صالح، أن المشكلة لا تعود إلى التضخم وحده أو إلى تنامي معدلاته، بل ترتبط أيضاً بالثقافة الاجتماعية التي رفعت سقف التوقعات المرتبطة بالزواج.
"في ظل مستويات الدخل الحالية وما تشهده من تفاوتات حادة، يمكن القول إن كلفة الزواج أصبحت، في كثير من الأحيان، مبالغاً بها مقارنة بالقدرة الشرائية للفرد من شرائح الدخل المحدود، الأمر الذي أدى إلى تأخر سن الزواج وزيادة الضغوط الاقتصادية على الشباب والعائلات"، وفقاً لحديث المستشار الحكومي.
كما ويلفت صالح، إلى أن "تحقيق التوازن بين المتطلبات الواقعية والقدرة المالية أصبح ضرورة اجتماعية واقتصادية للحفاظ على استقرار الأسرة، وتشجيع الزواج بصورة أكثر استدامة، وبناء الوحدة العائلية على أسس قوية ومستقرة".
تراجع الإقبال على الزواج
في غضون ذلك، يؤكد الخبير الاقتصادي وأستاذ كلية العلوم السياسية في جامعة ذي قار، نجم عبد طارش، لوكالة شفق نيوز، أن ارتفاع تكاليف الزواج في العراق بات مرتبطاً بشكل مباشر بالأوضاع الاقتصادية الصعبة التي تمر بها البلاد، ولا سيما معدلات الفقر والبطالة، الأمر الذي انعكس بصورة واضحة على معدلات الزواج.
وبحسب حديث عبد طارش، فإن تكاليف الزواج أصبحت مرتفعة جداً، خاصة مع الأسباب الاقتصادية ومعدلات الفقر والبطالة التي يمر بها البلد، وهذا يُعد من أبرز الأسباب التي تقف وراء قلة الزواج وانخفاض معدلاته خلال السنوات الأخيرة.
ويعتقد الاكاديمي، أن "تراجع معدلات الزواج لم يقتصر تأثيره على الجانب الاجتماعي فقط، بل ترتب عليه أيضاً انخفاض في نسب الولادات، باعتبار أن العلاقة بين المؤشرين مترابطة بشكل مباشر"، مبيناً أن "المبالغة في متطلبات الزواج وارتفاع التكاليف أصبحت بمعدلات كبيرة، بل إنها في بعض الأحيان تفوق ما هو موجود في كثير من دول الشرق الأوسط، ما يزيد من الأعباء على الشباب ويؤخر قرارات الارتباط وتكوين الأسرة".
مغالاة في المهور
من جانبه، يتحدث الخبير الاقتصادي ضرغام محمد علي، لوكالة شفق نيوز، قائلاً إن "الارتفاع ناتج عن عوامل متراكبة، منها زيادة الأسعار العالمية للذهب، مع بقاء السلوك الاجتماعي ضمن المستويات نفسها، دون مراعاة الحالة الاقتصادية لأغلب الشباب إلا ما ندر، لذا فإن المتغير هو السعر وليس الطلبات".
ووفقاً لعلي، فإن الزيادة السكانية، وحصر أغلب مؤسسات الدولة الخدمية والتعليمية في مركز العاصمة القديم، دون مراعاة التوسع الأفقي في مشاريع السكن خارج مراكز المدن، أسهما أيضاً في هذا الارتفاع، مضيفاً أن زيادة التكاليف باتت عنصراً ناتجاً عن ارتفاع مفردات أساسيات الزواج، إضافة إلى المغالاة في بعض المهور وجعلها أرقاماً مبالغاً فيها كنوع من المنافسة والتباهي، وليس من أجل تأسيس حياة اجتماعية كريمة.
وتشير مؤشرات ديموغرافية إلى أن العراق شهد خلال العقود الماضية تراجعاً تدريجياً في معدلات النمو السكاني، إذ انخفضت نسبته من نحو 3.5% في فترات سابقة إلى ما يقارب 2.3% حالياً، بالتزامن مع تراجع معدل الخصوبة من أكثر من 5 أطفال لكل امرأة إلى نحو 3 أطفال.
ويرى مختصون أن أحد العوامل غير المباشرة وراء هذا التغير يتمثل في الارتفاع الملحوظ في كلفة الزواج خلال السنوات الأخيرة، إذ باتت المتطلبات المالية لتأسيس الأسرة تمثل عائقاً أمام شريحة من الشباب، ما أدى إلى تأجيل الزواج وتقليل معدلات الإنجاب مقارنة بالسنوات الماضية.
ويضيف مختصون أن هذا التحول لا يرتبط بالعامل الاقتصادي فقط، بل أيضاً بتغير نمط الحياة وارتفاع مستوى التعليم وتغير أولويات الشباب في تكوين الأسرة، الأمر الذي انعكس تدريجياً على المؤشرات السكانية في البلاد.