شفق نيوز– بغداد
في وقت تبدو فيه الموارد المائية في العراق أكثر استقراراً مقارنة بالسنوات القاسية الماضية، عادت الزراعة إلى صدارة النقاشات الحكومية والاقتصادية، عقب إقرار الخطة الزراعية الصيفية لعام 2026، وسط جدل واسع بين من يعدّها فرصة لاستثمار الوفرة المائية النسبية، ومن يحذر من تكرار إدارة أزمة مزمنة بالوسائل التقليدية ذاتها.
الخطة، التي أقرتها وزارتا الزراعة والموارد المائية أمس السبت، جاءت في سياق موسم وُصف بأنه أفضل نسبياً من حيث الأمطار والخزين المائي، إلا أنه – بحسب خبراء – لا يزال دون مستوى الضمانات المستدامة للأمن المائي في بلد يعتمد بشكل شبه كامل على نهري دجلة والفرات.
الخطة المائية
وفي هذا السياق، يقول مستشار وزارة الزراعة العراقية، مهدي ضمد القيسي، إن الخطة أُقرت من قبل وزيري الزراعة والموارد المائية واللجنة الفنية العليا، موضحاً لوكالة شفق نيوز أن وزارة الزراعة مسؤولة عن تنفيذ الخطة وتوفير البذور، فيما تتولى وزارة الموارد المائية تأمين الإطلاقات المائية.
وبحسب القيسي، تعتمد الخطة على محورين رئيسيين:
الأول، الخطة السطحية، وتبلغ مساحتها نحو مليون و78 ألفاً و188 دونماً تعتمد على مياه الأنهار، والثاني، الخطة الجوفية عبر الآبار، بمساحة 362 ألفاً و277 دونماً.
لكن ما يميز الموسم الحالي، وفق القيسي، هو إعادة إحياء زراعة الشلب (الأرز)، بعد أن كانت محظورة خلال الموسم الماضي بسبب شح المياه.
ويضيف أن محافظات النجف والديوانية والمثنى تُعد المحافظات الرئيسة لزراعة الشلب، مبيناً أن هذه المحافظات حُرمت العام الماضي من زراعة الشلب بسبب الشحة المائية، لكنها تشهد هذا العام طفرة نتيجة الوفرة النسبية في الخزين.
وتوزعت مساحات الشلب ضمن الخطة على النحو الآتي: النجف 170 ألف دونم، الديوانية 120 ألف دونم، المثنى 11,900 دونم، ديالى 25 ألف دونم، ميسان 25 ألف دونم، بابل 5 آلاف دونم، وذي قار 5 آلاف دونم.
ويؤكد القيسي أن الشلب يُعد محصولاً استراتيجياً يدخل ضمن مفردات البطاقة التموينية عبر وزارة التجارة، ويشمل أصنافاً مميزة مثل العنبر ومشتقاته.
كما تشمل الخطة محاصيل الذرة الصفراء والخضر الصيفية، إلى جانب محاصيل أخرى أقل مساحة، مثل الذرة البيضاء ودوّار الشمس والقطن والسمسم والدخن.
وفرة مائية مؤقتة
من جانبه، يرى الخبير المائي والزراعي عادل المختار أن الخطة مقبولة من حيث الأرقام، لكنه يحذر من تفاوت الواقع المائي بين الأنهار.
ويقول المختار لوكالة شفق نيوز إن الخطة الخاصة بالشلب جيدة لفلاحي هذا المحصول، لكن الخزين على نهر الفرات لا يزال ضعيفاً، ما يستدعي الحذر في التنفيذ، مضيفاً أن خطة الذرة الصفراء تبدو مناسبة، والمجمل العام للخطة جيد نسبياً لهذا الموسم.
غير أن هذا التقييم الإيجابي الجزئي لا يخفي هشاشة النظام المائي الذي تعتمد عليه الزراعة العراقية، إذ تتحدد الخطط الزراعية سنوياً وفق مستويات متفاوتة من الإيرادات المائية القادمة من تركيا وإيران، فضلاً عن الأمطار والسيول التي باتت عاملاً حاسماً في رسم السياسات الزراعية قصيرة الأمد.
خطة موسمية
بدورها، ترى المهندسة الزراعية وعضو لجنة الزراعة في الدورة النيابية السابقة، زوزان كوجر، أن الخطة الحالية ليست قراراً دائماً، بل إجراء موسمي يتغير سنوياً بحسب الخزين المائي وحالة الجفاف أو الوفرة.
وتقول كوجر لوكالة شفق نيوز إن الخطة تعتمد على الإطلاقات المائية من دول الجوار، وعلى معدلات الأمطار والجفاف، فضلاً عن حاجة السوق ومتطلبات الأمن الغذائي، مضيفة أن لكل موسم حساباته الخاصة، ولا توجد حتى الآن ثباتية استراتيجية طويلة الأمد.
وفي المقابل، تؤكد كوجر ضرورة الالتزام الصارم بالمساحات المحددة، وحصر الزراعة بالمحاصيل المشمولة بالخطة، مع التوسع في استخدام تقنيات الري الحديث وتقليل الهدر المائي.
كما تشدد على أهمية التسوية الليزرية للأراضي، ولا سيما في زراعة الشلب، لرفع كفاءة استخدام المياه في ظل الشح المزمن.
انتقاد لتكرار الأخطاء
في المقابل، يتخذ الخبير المائي والزراعي تحسين الموسوي موقفاً أكثر تشدداً، معتبراً أن الخطة الحالية تعكس استجابة لضغط جماهيري أكثر من كونها تحولاً استراتيجياً في إدارة المياه.
ويقول الموسوي لوكالة شفق نيوز إن السماح بزراعة أكثر من 300 ألف دونم من الشلب في ظل وضع مائي غير مستقر يمثل مجازفة، مضيفاً أن العراق "لم يتوصل حتى الآن إلى اتفاقيات ملزمة مع دول المنبع بشأن الحصص المائية".
ويشير إلى أن العراق لا يزال يعتمد على الري المفتوح والخطط الكلاسيكية، معتبراً أن البلاد ما زالت تراهن على حلول السماء، رغم أن موسم 2026 أنقذ الوضع مؤقتاً بفعل الأمطار الغزيرة.
ويحذر الموسوي من أن الخزانات العراقية لا تمتلك مخزوناً آمناً، لافتاً إلى أن البلاد كانت قبل أشهر تسعى للحصول على مليار متر مكعب فقط لتأمين الحد الأدنى من الاحتياجات.
ويضيف أن استمرار السياسة الحالية يعني تكرار أخطاء الماضي، داعياً إلى التخلي عن حلول القرون الماضية، في ظل تصاعد تأثيرات التغير المناخي، الذي وضع العراق ضمن الدول الأكثر هشاشة عالمياً في مواجهة التصحر وملوحة التربة وتراجع الجريان البيئي.