شفق نيوز- بغداد/ بيروت/ صنعاء/ لندن
يحذّر ستة محللين وباحثين من أن تصريحات المرشد الإيراني الأعلى مجتبى خامنئي، التي دعا من خلالها، يوم أمس الأربعاء، إلى توسيع المواجهة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، وتفعيل ما يُعرف بـ"وحدة ساحات المقاومة"، من أنها قد تضع العراق أمام ضغوط أمنية وسياسية متزايدة، في ظل احتمالات اتساع الصراع الإقليمي وتباين مواقف الفصائل المسلحة من الانخراط فيه.
ويرى الباحثون والمحللون أن بغداد تواجه تحدياً صعباً يتمثل في حماية سيادتها ومنع استخدام أراضيها وأجوائها في أي مواجهة محتملة، وسط مخاوف من تحرك فصائل عراقية بقرارات مستقلة إذا تعرضت إيران لهجوم، فيما تتباين تقديراتهم بشأن فرص اندلاع حرب جديدة، وحدود مشاركة حلفاء طهران فيها.
اختبار السيادة
وفي هذا الصدد يضع المحلل السياسي العراقي، مجاشع التميمي، جوهر التحدي أمام بغداد في قدرتها على فرض سيادة الدولة وضبط قرار الفصائل المسلحة، معتبراً أن تصريحات خامنئي بشأن "وحدة الساحات" لا تمثل مجرد موقف سياسي، بل تضع العراق أمام اختبار لمنع انتقال المواجهة الإيرانية الأميركية إلى أراضيه.
ويقول التميمي لوكالة شفق نيوز، إن "التحدي لا يقتصر على تحديد موقف الحكومة من التصعيد، بل يمتد إلى منع استخدام الأراضي العراقية منصةً للردود المتبادلة"، مشيراً إلى أن "أمام بغداد خيارات دستورية وسياسية ودبلوماسية، أبرزها حصر قرار الحرب والسلم بيد الدولة، وتفعيل صلاحيات القائد العام للقوات المسلحة، وفتح قنوات اتصال مع واشنطن وطهران لتجنيب العراق تداعيات المواجهة".
وتتجاوز المخاوف، وفق أستاذ العلوم السياسية في الجامعة المستنصرية ببغداد، عصام الفيلي، مسألة صدور توجيهات إيرانية مباشرة للفصائل، إذ يرى أن "تصريحات المرشد تحمل رسالة إلى الجماعات والخلايا المرتبطة بعقيدة ولاية الفقيه بضرورة الاستعداد لأي مواجهة محتملة بين إيران والولايات المتحدة".
ويقول الفيلي لوكالة شفق نيوز، إن "بعض هذه الفصائل قد تتجه إلى اتخاذ قرارات ميدانية محلية حتى من دون تلقي توجيهات من طهران"، لافتاً إلى أن "إيران قد تنظر إلى أي مواجهة مقبلة باعتبارها معركة مفصلية، بما يقلص مساحة الانتظار أمام حلفائها في المنطقة".
ويضيف أن "الحكومة العراقية قطعت شوطاً في التفاهم مع عدد من الفصائل، لكن احتمال بقاء فصيل أو فصيلين خارج سلطة القرار الحكومي يظل قائماً، وهو ما قد يعرض العراق للاستهداف من قوى خارجية إذا تحركت تلك الجماعات بصورة مستقلة".
ويربط الفيلي هذه المخاوف بمؤشرات على استمرار رفض بعض الفصائل الانصياع للقرار الرسمي، مشيراً إلى تصريحات صدرت عن قيادات في هذا السياق، من بينها ما يتعلق بكتائب حزب الله.
حسابات واشنطن
ولا تنفصل احتمالات التصعيد، بحسب أستاذ العلوم السياسية في جامعة إكستر البريطانية، هيثم الهيتي، عن الحسابات الداخلية الأميركية، ولا سيما تداعيات نتائج انتخابات التجديد النصفي للكونغرس التي جرت أمس الثلاثاء، وما قد تفرضه من ضغوط على الرئيس دونالد ترمب.
ويعتقد الهيتي خلال حديثه لوكالة شفق نيوز، أن "خسارة الجمهوريين قد تدفع ترمب إلى التشدد في التعامل مع إيران بدلاً من التراجع، سعياً إلى إثبات صحة نهجه في السياسة الخارجية وتحقيق مكسب عسكري أو سياسي قبل الانتخابات الرئاسية المقبلة".
ويوضح أن "أي تراجع عن مسار المواجهة قد يُفسر داخلياً على أنه إخفاق سياسي، في حين قد يرى ترمب أن تحقيق انتصار في مواجهة إيران يعزز فرصه الانتخابية، لكنه يشير إلى أن مدى قدرته على تحقيق ذلك لا يزال غير محسوم".
ويحذر الهيتي من أن "استمرار هذا النهج قد يجعل العراق إحدى أبرز ساحات الصراع المحتمل، مع انعكاسات لا تقتصر على الجانب الأمني، بل تمتد إلى الأوضاع السياسية والاقتصادية".
لكن الباحث في الشؤون الإقليمية والدولية اللبناني، يوسف هزيمة، يقدم قراءة أكثر تحفظاً، معتبراً أن "نتائج الانتخابات الأميركية الأخيرة غيرت حسابات المواجهة، بعدما حملت رسالة من الناخبين الرافضين للحرب على إيران".
ويقول هزيمة لوكالة شفق نيوز، إن "ترمب كان قد لوّح، خلال الأسبوعين السابقين للاقتراع، بالعودة إلى الحرب أو تنفيذ ضربات قوية ضد إيران، إلا أن خسائر الجمهوريين في انتخابات الثلاثاء قد تدفع الإدارة الأميركية إلى إعادة حساباتها، خصوصاً في ظل الكلفة السياسية للحرب".
ويضيف أن "أي تحرك عسكري أميركي قد يقود إلى أحد مسارين؛ أولهما ضربات محدودة لا تستدعي بالضرورة تحرك حلفاء إيران في المنطقة، وثانيهما مواجهة واسعة تؤدي إلى رد إيراني كبير واتساع رقعة الاشتباك، بما قد يشعل المنطقة برمتها".
ويرجح هزيمة أن "تكون الجبهة اليمنية الأكثر قابلية للتصعيد في السيناريو الثاني، لكنه يستبعد وجود مؤشرات كافية حتى الآن على انخراط الفصائل العراقية واللبنانية في مواجهة مباشرة"، معتبراً أن "احتمالات ذلك تراجعت عقب نتائج الانتخابات الأميركية".
شروط الانخراط
وبين هذه التقديرات المتباينة، يأتي موقف الفصائل العراقية ليضع شروطاً أكثر وضوحاً لاحتمالات دخولها المواجهة، إذ يربط المتحدث باسم حركة "أنصار الله الأوفياء"، علي الفتلاوي، أي تحرك باستخدام الأراضي والأجواء العراقية في استهداف إيران.
ويقول الفتلاوي لوكالة شفق نيوز، إن "هناك تفاهمات بين فصائل المقاومة والحكومة العراقية بشأن الحفاظ على السيادة، بما يشمل منع استخدام الأراضي والأجواء العراقية منطلقاً لاستهداف دول الجوار، وفي مقدمتها إيران".
ويطرح الفتلاوي مسؤولية متبادلة بين واشنطن وبغداد، متسائلاً عن "قدرة الولايات المتحدة على الامتناع عن استخدام الأراضي والأجواء العراقية في أي هجوم على إيران، وعن قدرة الحكومة العراقية على منع اختراق سيادة البلاد أو استخدامها في عمليات عسكرية".
ويؤكد أن "الفصائل ستلتزم بالتفاهمات مع الحكومة ما دامت الأراضي والأجواء العراقية لا تستخدم لاستهداف إيران"، موضحاً أن "منع استخدامها في مثل هذه العمليات يمثل خياراً تكتيكياً عسكرياً".
لكن الفتلاوي لا يغلق الباب أمام احتمال الرد، إذ يشير إلى أن "تكرار استخدام الأراضي العراقية للإضرار بإيران قد يدفع إلى اتخاذ موقف مختلف"، قائلاً إن "القرار في هذه الحالة يعود إلى قيادة عليا في المقاومة، وهو ما يترك مساحة من الغموض بشأن طبيعة الرد وحدوده والجهة التي ستتولى تحديده".
جبهات مفتوحة
وعلى الضفة الأخرى، يتمسك عضو تحالف "الأحزاب المناهضة للعدوان" في اليمن، عادل راجح، بفرضية تماسك "محور المقاومة"، معتبراً أن أي هجوم أميركي أو إسرائيلي على إيران قد يفتح جبهات متعددة في المنطقة.
ويقول راجح لوكالة شفق نيوز، إن "إيران تمتلك أوراق ضغط، من بينها مضيق هرمز، فيما يمكن لليمن استخدام موقعه الجغرافي عند باب المندب، إلى جانب ما تمتلكه الفصائل العراقية من قدرات لاستهداف القواعد الأميركية في المنطقة".
ويرى أن "اتساع المواجهة سيكون محتملاً في حال تعرض إيران لهجوم"، مستنداً إلى ما يعتبره "دوراً سابقاً لوحدة الجبهات في ممارسة ضغوط سياسية وعسكرية على الولايات المتحدة وإسرائيل".
كما يربط راجح تراجع واشنطن عن التصعيد في مراحل سابقة بتأثيرات المواجهة المحتملة على الاقتصاد العالمي وأسعار المشتقات النفطية، وما يمكن أن تتركه من انعكاسات على الناخب الأميركي والأوروبي، معتبراً أن "الكلفة الاقتصادية تمثل أحد العوامل التي تحد من خيارات التصعيد".
ويؤكد في الختام أن "القيادة اليمنية، ممثلة بعبد الملك الحوثي والقيادة السياسية والقوات المسلحة، أعلنت وقوفها إلى جانب إيران في الهجمات الأميركية والإسرائيلية والبريطانية، بما يعكس استعداد صنعاء للانخراط في أي تطورات إقليمية وفق موقفها المعلن".