شفق نيوز- واشنطن- مصطفى هاشم

في غضون أيام قليلة، تحولت السياسة الخارجية الأميركية من التلويح بالعصا إلى استخدامها بأسلوب غير تقليدي، حيث يراقب العالم بقلق وترقب ما يحدث في فنزويلا، ليس باعتباره حدثاً معزولاً في أمريكا اللاتينية، بل كنموذج أولي (Prototype) لما قد تفعله إدارة الرئيس ترمب في مناطق نفوذ أخرى، وتحديداً الشرق الأوسط.

فعبارة "العالم يتغير" التي يكررها الرئيس دونالد ترمب وفريقه لا تبدو مجرد شعار، بل هي إعلان عن نهاية نظام "ما بعد الحرب العالمية الثانية".

ويتضح ذلك جلياً في القرار التنفيذي الأخير بالانسحاب من 66 منظمة دولية، بدعوى أنها "بيروقراطية ومعادية للمصالح الأميركية".

وبعد قرار الانسحاب بيوم، أوضح ترمب في مقابلة مع صحيفة "نيويورك تايمز" أن ما يردعه هو قيمه الأخلاقية وعقله وليس القانون الدولي.

إيران وفنزويلا: بين "صواريخ توماهوك" والعجز البحري

وبينما تراقب العواصم الكبرى ما يحدث في فنزويلا من "حجر بحري" ومصادرة للنفط، يتجه النظر تلقائيا نحو الشرق الأوسط، وتحديداً إيران.

وفي أحاديث خاصة لوكالة شفق نيوز، يرسم ثلاثة من أبرز الخبراء في واشنطن ملامح هذا "العالم الجديد".

وللمرة الثالثة منذ اندلاع الاحتجاجات في إيران والتي سرعان ما تحولت من مطالب اقتصادية إلى سياسية، يهدد ترمب من جديد النظام في إيران بأنه سيتدخل بقوة إذا تم قتل المتظاهرين.

هل ما يحدث في الكاريبي مجرد "بروفة" لما سيحدث في الخليج؟

ورغم التشابه الظاهري في العداء، يرفض توماس واريك، كبير الباحثين في "المجلس الأطلسي" نائب مساعد وزير الأمن الداخلي الأميركي الأسبق لسياسات مكافحة الإرهاب، فكرة الاستنساخ المباشر.

ويؤكد واريك لوكالة شفق نيوز، أن الملفين يداران من قبل فرق مختلفة تماماً داخل الإدارة؛ فنزويلا شأن "نصف الكرة الغربي"، بينما إيران هي عقدة الأمن النووي.

لكن "الفصل بين الملفين" لا يعني الأمان لطهران، يكشف واريك أن ترمب، الذي يمتلك صلاحيات مطلقة على الجيش، قد لا يلجأ للحصار البحري، بل لخيار أكثر قسوة إذا تعرض المتظاهرين الإيرانيين للقمع.

ويقول واريك، إن "أحد الخيارات المطروحة هو إطلاق صواريخ توماهوك كروز ضد قواعد الحرس الثوري، ورغم عدم وجود حاملة طائرات حالياً في الخليج، إلا أن البحرية تمتلك سفناً قادرة على ذلك".

ويستحضر واريك سيناريو اغتيال قاسم سليماني في 2020، مشيرا إلى أن ترمب غالبا ما يختار الخيار "غير المتوقع" من قائمة وزارة الدفاع، وهو ما قد يتكرر الآن.

على الجانب الآخر، ينظر باتريك كلاوسون، مدير الأبحاث في "معهد واشنطن" لسياسات الشرق الأدنى، إلى المسألة من زاوية لوجستية بحتة.

ويرى كلاوسون أن البحرية الأميركية قد تهمس في أذن ترمب: "نحن مشغولون جدا".

يقول كلاوسون لوكالة شفق نيوز، إن "اعتراض السفن الإيرانية أصعب بكثير من الفنزويلية"، مبينا أن "البحرية ليست في وضع يسمح لها بفتح هذه الجبهة بسهولة".

لكنه يستدرك بأن الغطاء القانوني لضرب طهران متوفر بالكامل، فإيران تستخدم سفناً ترفع "أعلاماً زائفة" منتهكة اللوائح الدولية، ما يجعلها أهدافا مشروعة إذا قرر ترمب تجاوز العقبات اللوجستية.

وأثارت تصريحات ترامب لـ"نيويورك تايمز" وتجاوزه للمؤسسات الدولية انقساما حادا بين الخبراء.

وبالنسبة للباحث في المركز العربي بواشنطن رضوان زيادة، فإن الولايات المتحدة تحولت من راعٍ للقانون إلى "عائق" أمامه.

ويحذر زيادة في حديثه لوكالة شفق نيوز، من "عدوى الفوضى"، معتبرا أن استخفاف واشنطن بالقواعد يمنح "شيكاً على بياض" لروسيا في أوكرانيا وللصين في تايوان لانتهاك السيادة.

في المقابل، يرد كلاوسون بنبرة واقعية لاذعة على منتقدي ترامب، قائلا: "أعطوني استراحة!. بوتين يغزو أوكرانيا، وإيران تخرق القوانين منذ سنوات، وأن ترمب ليس أول من يخرق قانونا دوليا غامضا وسهل الكسر".

ويصف كلاوسون ترمب بـ"المفاوض الشرس" الذي يهدد بقلب الطاولة للحصول على تسويات أفضل، لا لتدمير النظام بالكامل.

الشرق الأوسط الجديد: العلاقات الشخصية بديلاً للمؤسسات

في هذا العالم المتغير، يبدو أن "الكيمياء الشخصية" باتت أهم من القرارات الأممية.

يوضح واريك هذه الديناميكية الجديدة، مشيراً إلى أن ترامب يفضل الاستماع لنصائح "أصدقائه" من قادة المنطقة على نصائح مستشاريه في واشنطن.

ويستشهد واريك بقرار رفع العقوبات عن سوريا، الذي جاء بعد اتصالات مع الرئيس التركي وولي العهد السعودي وأمير قطر، متجاوزاً رأي مؤسساته الداخلية.

ويبقى السؤال المعلق، بحسب زيادة، هو مصير غزة في ظل هذا النظام القائم على الصفقات لا الحقوق.

فمع غياب الحديث عن "مجلس إدارة السلام" واستمرار ما يصفه بـ"الإبادة"، يواجه الفلسطينيون الاختبار الأصعب: هل بقي مكان لحق "تقرير المصير" في قاموس الرئيس الذي لا يعترف إلا بقيمه الخاصة؟