شفق نيوز- بيروت
تقرير خاص
قبل أن تنفجر البناية بثوانٍ، كان الشارع ساكناً على نحو مخادع. عند طرف زقاق في الضاحية الجنوبية لبيروت، وقف فتى على دراجته النارية ورفع هاتفه باتجاه مبنى في الجهة المقابلة.
ثم جاء الوميض.
في لحظة واحدة، انشق الليل بصوت حاد، وارتجف الهواء، وانفتحت الواجهة على الغبار والنار. شرفات انهارت، وستائر تطايرت، وغرف كانت قبل دقائق تخفي حياة عائلات كاملة صارت مكشوفة على الشارع.
ظلّ الفتى يصوّر. ليس لأنه بطل، بل لأن كثيرين هنا تعلموا أن التوثيق هو الشيء الوحيد المتاح حين يصبح الإنقاذ متأخراً أو مستحيلاً.
في الأيام الأخيرة، لم تعد الضاحية الجنوبية مجرد جغرافيا تتلقى الإنذارات الغارات، بل بقعة تدفع سكانها دفعة واحدة إلى الخروج منها، تاركين وراءهم بيوتاً لم يعرفوا إن كانوا سيعودون إليها، أم سيكتفون لاحقاً بالتعرّف عليها من بين الركام. في هذا النزوح، لا يهرب الناس من الخطر وحده، بل من احتمال أن تتحول حياتهم اليومية، بكل ما فيها من تفاصيل صغيرة، إلى أثر.

"فجأة لقيت حالي نازحاً متل غيري"
حسن، وهو طبيب كان يدير عيادة صغيرة في الضاحية منذ سنوات، لم يملك وقتاً للتفكير حين بدأ القصف يقترب من منزله. يقول لوكالة شفق نيوز، فيما كانت عائلته تجلس حوله على أرض مدرسة في شمال لبنان حيث يقيمون مؤقتاً، "أخدت مرتي والولاد وكم غرض ضروري وتركنا البيت. لليوم بعدني ما بعرف قديش رح يطول هالوضع".
يستعيد تلك الليلة بتفاصيل لا تفارقه. "كان في أصوات انفجارات قوية، والناس بالشارع عم يحاولوا يطلعوا بسياراتهم بسرعة. الطرقات كانت زحمة بشكل كبير، وكل واحد حامل شي من بيته. حسّيت وقتها إنو الضاحية كلها عم تترك بيوتها بنفس اللحظة".
ذلك الإحساس، أن مدينة كاملة تسير في الاتجاه نفسه وفي اللحظة نفسها، هو ما يمنح مشهد النزوح ثقله الخاص. حسن، الذي وجد نفسه نازحاً مثل مرضاه، لم يتوقف تماماً عن أداء دوره.
"ما في عيادة ولا معدات متل قبل، بس عم حاول ساعد الناس بالنصائح الطبية، خصوصاً للمرضى اللي عندهم سكري أو ضغط أو أمراض مزمنة. أكتر شي بيكسر القلب هو الأطفال. في كتير ولاد مش فاهمين شو عم يصير، بس شايفين الخوف بعيون الكبار"، يقول حسن.
في مدرسة تحوّلت إلى مركز إيواء، جلست دلال مع عائلتها في صف دراسي لم يعد فيه شيء من معنى الصف سوى الجدران. خرجت من الضاحية بعد ليلة لم تنم فيها. "الأصوات كانت قوية وما عاد قدرنا نضل بالبيت. حملنا كم شغلة وطلعنا بسرعة".
وحين سُئلت عن أصعب ما في النزوح، لم تذكر البرد ولا الازدحام، بل قالت، "البيت إلو معنى كبير. لما تترك بيتك بتحس كأنو جزء منك ضاع". ثم أضافت ما يشبه الوصية التي تحاول أن تُبقي بها أولادها متماسكين، "نحنا شعب تعوّد يوقف من جديد. أهم شي الولاد يحسّوا إنو في أمل، وإنو هالفترة رح تمرق".
خلف هذين الصوتين، كانت الضاحية تفرغ من سكانها. نساء وهن يشددن قبضتهن على أيدي الأطفال. رجال يرفعون رؤوسهم إلى السماء كأنهم يحاولون توقّع مكان الضربة التالية. ابواب تُركت نصف مفتوحة. مصابيح بقيت مضاءة. غلايات ماء ربما ظلت فوق النار.
في حارة حريك والليلكي وبرج البراجنة وبئر العبد والشياح والمريجة، لم تكن الغارات تصيب أبنية فقط، بل كانت تصيب حياة تراكمت على مدى عقود.
في الطرق الخارجة من الضاحية إلى بقية بيروت، بدا المشهد أقرب إلى هجرة داخل المدينة. السيارات محملة بأكياس على عجل، ببطانيات، بعبوات حليب، بوثائق، وأحياناً بقفص طائر أو لعبة طفل. بعض العائلات خرجت إلى مدارس ومراكز إيواء. بعضها توزّع على بيوت أقارب. وبعضها بقي داخل السيارات أو على الأرصفة.
هذه المنطقة، التي عُرفت في مراحل سابقة بـ"ضاحية المحرومين"، لم تنشأ بفعل التمدد الطبيعي للعاصمة وحده. نمت من الفقر، ومن الهجرة الداخلية، ومن الحروب التي دفعت عائلات من الجنوب والبقاع إلى البحث عن مكان قريب من المدينة.
على مدى سنوات، بُنيت الضاحية طابقاً فوق طابق وحيّاً فوق حي، حتى صارت مدينة كاملة داخل مدينة أكبر. مزدحمة، متعبة، لكنها مأهولة بإيقاع الحياة اليومي حيث المدارس والمخابز والدكاكين والورش الصغيرة وأصوات الجيران.
ورغم أن الغالبية فيها من الشيعة، فإن الضاحية لم تكن يوماً فضاءً أحادياً بالكامل. في أحيائها عائلات سنية ومسيحية، إلى جانب آلاف الفلسطينيين، ولاحقاً آلاف السوريين الذين حملوا بدورهم نزوحهم إلى مكان تشكّل أصلاً من موجات نزوح سابقة. بهذا المعنى، تبدو الضاحية اختصاراً متعباً للبنان نفسه، بلدٌ تتكدّس فيه طبقات الاقتلاع فوق بعضها بعضاً.

"يريدونها كديرسدن"
وقد جالت كاميرا وكالة شفق نيوز في الأحياء المقصوفة، موثقةً مشاهد الخراب التي لم تترك كثيراً للخيال. هنا عمارات اختفت تماماً. وهناك واجهات انفتحت على العراء. شقق قذفت إلى الشارع ما فيها من أثاث وصور وملابس ودفاتر مدرسية. وفي التفاصيل الصغيرة وحدها يظهر الوزن الحقيقي للفاجعة، كرسي طفل بين الركام، ثلاجة ما زالت قائمة بلا جدار، صورة عائلية مغطاة بطبقة من الإسمنت الناعم. ليست هذه مجرد آثار انفجار، بل بقايا حياة كانت تظن أن لديها يوماً آخر على الأقل.
وسط هذا الخراب، وقفت مها على أطراف الضاحية أمام بيتها الذي لم يُقصف بعد، وكأنها تحاول أن تفهم ما الذي يجري. حين تُسأل عمّا تشعر به، تستحضر اسماً من التاريخ: "يريدونها كديرسدن".
لم تكن تستعرض معرفة تاريخية، بل لأن ديرسدن المدينة الألمانية بقيت في الذاكرة كصورة لمدينة دُمّرت خلال الحرب العالمية الثانية بطريقة جعلت الناس يتذكرون حجم النار أكثر مما يتذكرون تفاصيل المعركة. بالنسبة إليها، ما يجري ليس مجرد ضغط عسكري، بل "عقاب وإبادة جماعية". وهي، رغم أنها لا تنتمي إلى الخط السياسي لحزب الله، رأت أن ما أصاب السكان تجاوز حدود الاستهداف العسكري إلى معاقبة مدينة كاملة.
على الزاوية الأخرى من مركز إيواء يوصف رجل الوضع بصورة أخرى: "المشكلة مش في ضيق المكان أو البرد فقط، بل في الإحساس إنك معلّق بين احتمالين، إما أن ينجو البيت فتشعر بالذنب لأنك تركته، أو ينهار فتشعر أن جزءاً منك دُفن تحته".
أمام هذا الحجم من النزوح، تتحدث وزارة الشؤون الاجتماعية عن مئات آلاف النازحين المسجلين. لكن حتى هذه الأرقام تبدو، في نظر كثيرين، أقل من الواقع، لأن أعداداً كبيرة لم تدخل في أي سجل رسمي.
في الفراغ الذي "خلّفه التأخر الحكومي" كما وصفه العديد من النازحين، ظهرت مبادرات فردية وأهلية، أفراد نقلوا عائلات بسياراتهم الخاصة، نساء نظّمن وجبات ساخنة، شبان فرشوا صفوف المدارس بالأغطية، متاجر فتحت ديوناً مؤجلة، وعائلات استقبلت عائلات لا تعرفها. في لحظة الانهيار، بدت هذه المبادرات أشبه بمحاولة أهلية لإسناد ما تبقى من المدينة.
تقول ناشطة متخصصة في قضايا النزوح إن الاستجابة الحالية أبطأ مما كانت عليه في جولات القتال السابقة، يوم كانت المراكز أكثر والاحتياجات الأساسية تصل بوتيرة أسرع.

نزوح يعرف طريقه
كثير من الذين يخرجون اليوم من الضاحية هم أبناء أو أحفاد من خرجوا من الجنوب والبقاع في 1978 و1982، أو خلال سنوات الاحتلال الطويلة. والفلسطينيون في مخيم برج البراجنة يحملون طبقة أقدم من الاقتلاع تعود إلى 1948. وفي السنوات الأخيرة، انضم السوريون إلى هذه السلسلة الطويلة.
لهذا لا يبدو ما يجري مجرد نزوح جديد، بل عودة موجعة إلى خبرة قديمة لم تغادر المكان أصلاً. هنا لا يرحل الناس من الحرب وحدها، بل يرحلون أيضاً من ذاكرة كانت دائماً مهددة بالعودة.
في محيط حرش بيروت، عائلات تقضي ساعات طويلة في العراء داخل سياراتها كي تبقى على مقربة تسمح لها بالعودة سريعاً إذا هدأ القصف. بعضهم يتسلل إلى منزله للاستحمام أو لجلب دواء أو لتفقّد باب الشقة فقط. إنهم لا يغادرون الضاحية تماماً، بل يقيمون على حافتها، كأنهم يخشون أن يتحول الابتعاد الكامل إلى اعتراف نهائي بالخسارة.
في زاوية من أحد الصفوف الدراسية، جلس عروسان متلاصقين، تزوّجا قبل شهر، وكانا يظنّان أن أصعب ما في الزواج هو اختيار الستائر.
سُئل عن حالهما فاستوى في جلسته وقال: "اللي بنى بيته بإيده ما يكسره قصف. رح نرجع ونبني من جديد، وما رح نطلب من أحد إذنه."
ولم تنتظر زوجته أن تُسأل، بل قالت بحسم، "خروجنا مش هزيمة. هاي وقفة".
حين تتوقف الحرب، لن يحتاج الركام إلى آليات رفع ومهندسين فقط. سيحتاج إلى شيء أصعب وأبطأ، إلى قدرة الناس على تخيّل أن هذه البيوت يمكن أن تعود بيوتاً لا أهدافاً، وأن ما سقط يمكن أن يُعاد بناؤه دون أن يبقى معلقاً بانتظار الحرب التالية.