شفق نيوز- بغداد
تتصاعد المخاوف في العراق مع اقتراب موعد 30 أيلول/ سبتمبر 2026، الذي حدده ائتلاف "إدارة الدولة" - الذي يضم أبرز القوى السياسية الشيعية والسنية والكوردية - لحصر السلاح بيد الدولة، وسط تباين مواقف الفصائل المسلحة بين القبول بالحوار والتمسك بالقدرات العسكرية، وتصاعد لهجة كتائب حزب الله تجاه رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي.
ويأتي ذلك في وقت تؤكد فيه الحكومة أن ملف السلاح شأن سيادي، فيما يتمسك عدد من الفصائل بربط أي بحث في مستقبل سلاحها بانسحاب القوات الأميركية والتركية، وإنهاء ما تصفه بالهيمنة الخارجية على القرار العراقي، مما يثير تساؤلات بشأن احتمال انتقال الأزمة من التفاوض السياسي إلى الصدام المسلح.
وفي أحدث تصعيد، قال المسؤول الأمني في كتائب حزب الله، أبو مجاهد العساف، في بيان نشر ليل الاثنين الثلاثاء 17-18 آب/ أغسطس الجاري، إن "الصبر بدأ ينفد" تجاه ما وصفه بـ"الأفعال الاستفزازية وغير المسؤولة" للحكومة، ملوحاً بالرد وفق مبدأ "العين بالعين والبادي أظلم".
وحددت الكتائب ثلاثة شروط لأي مقاربة مع الحكومة بشأن السلاح، هي الانسحاب الكامل للقوات الأميركية وضمان عدم عودتها، وإنهاء ما وصفته بالهيمنة الأميركية على القرارين السياسي والاقتصادي، و"انسحاب القوات التركية من شمال العراق وحل قوات البيشمركة".
ويأتي التصعيد بعد أيام من زيارة غير معلنة لقائد فيلق القدس الإيراني، إسماعيل قاآني، إلى بغداد، حيث نقلت مصادر عراقية لوكالة شفق نيوز، أن الزيارة التي جرت الاثنين 10 آب/ أغسطس الجاري، تناولت ملف السلاح، وأن قاآني دعا الفصائل إلى عدم تسليم أسلحتها في المرحلة الحالية، مع تجنب مواجهة الحكومة والبحث عن تسوية سياسية.
مسار الحوار
وفي محاولة لإبقاء الأزمة داخل المسار السياسي، أعلن رئيس ائتلاف دولة القانون، نوري المالكي، اليوم الثلاثاء، أن اللجنة التي شكلها الإطار التنسيقي بشأن حصر السلاح ستباشر أعمالها قريباً بالتنسيق مع الحكومة، بهدف وضع الآليات المناسبة لتنفيذ العملية.
وقال المالكي، خلال لقائه القائم بأعمال السفارة الأميركية في بغداد، جوشوا هاريس، إن معالجة الملف ينبغي أن تتم عبر "الحوار والتفاهم"، مشدداً على أن الدولة ومؤسساتها الدستورية هي المرجعية في إدارة الملفات الأمنية والعسكرية.
وفي السياق ذاته، دعا زعيم منظمة بدر، هادي العامري، في بيان صدر، اليوم الثلاثاء، جميع الأطراف إلى التهدئة وتجنب التصريحات المتشنجة، معرباً عن ثقته بـ"سلامة النوايا" لدى رئيس الوزراء وقيادات الفصائل، ومحذراً من خطوات قد تمنح أطرافاً خارجية ذرائع للتدخل في القرار العراقي.
وفي هذا السياق، يقول النائب السابق عن ائتلاف دولة القانون، عارف الحمامي، إن الوضع "حرج" بسبب تزايد التهديدات الإقليمية والدولية، داعياً إلى معالجة ملف السلاح بعيداً عن "الفرض أو التهديد".
ويضيف الحمامي لوكالة شفق نيوز، أن الجميع يؤيد "تحكيم القانون وحصر السلاح بيد الدولة"، لكن معالجة الملف يجب أن تراعي مختلف مصادر التهديد، بما فيها نشاط المعارضة الكوردية الإيرانية من الأراضي العراقية، ووجود القوات التركية، والتطورات الإقليمية.
ويشدد على دعمه للحكومة ورئيس الوزراء، ولكن "خارج عملية الاصطدام والتهديد"، داعياً إلى إدماج الفصائل المسلحة ضمن هيئة الحشد الشعبي، باعتبارها منظومة أمنية قانونية دستورية عراقية.
ويؤكد الحمامي أن الموقف "حرج"، لكنه أعرب عن ثقته بقدرة قادة الإطار على احتواء الأزمة، مضيفاً: "نأمل أن تتدخل المرجعية وتقطع نزاع القوم".
موقف المرجعية الدينية
ويستند الجدل بشأن الدور المحتمل للمرجعية الدينية إلى مواقف سابقة للمرجع علي السيستاني، ففي 11 نيسان/ أبريل 2024، أكد السيستاني، خلال استقباله ممثل الأمين العام للأمم المتحدة في النجف، ضرورة منع التدخلات الخارجية وتحكيم سلطة القانون وحصر السلاح بيد الدولة.
وفي 26 حزيران/ يونيو 2025، جدد ممثله في كربلاء، عبد المهدي الكربلائي، الدعوة إلى حصر السلاح بيد الدولة ومنع التدخلات الخارجية وتحكيم القانون، في ظل التصعيد العسكري آنذاك بين إيران وإسرائيل.
وفي أيار/ مايو 2026، برزت رواية عن طلب قدمه زعيم التيار الوطني الشيعي مقتدى الصدر ورئيس الوزراء علي فالح الزيدي إلى السيستاني لإصدار فتوى جديدة بعنوان "حصر السلاح بيد الدولة"، في خطوة تهدف، وفق الرواية، إلى توفير غطاء ديني لمسار إنهاء السلاح خارج المؤسسات الرسمية.
فصل المسارين
وفي حزيران/ يونيو 2026، طرح ائتلاف دولة القانون، بحسب مصدر في الإطار التنسيقي تحدث لوكالة شفق نيوز، مقترحاً لفصل موعد انسحاب القوات الأميركية عن ملف تفكيك سلاح الفصائل، بما يسمح بفترة انتقالية لبناء الثقة وطمأنة الأطراف الرافضة.
وكان عضو لجنة الأمن والدفاع النيابية، عثمان الشيباني، قد قال في حديث متلفز، مؤخراً، إن المالكي يؤيد حصر السلاح بيد الدولة، لكنه يفضل الحوار والمرونة لتجنب اقتتال داخلي، محذراً في الوقت نفسه من أن استمرار السلاح خارج سيطرة الدولة قد يعرض العراق لعقوبات أميركية تمس الإيرادات النفطية والتعاملات المالية.
وتتزامن هذه المخاوف مع مسار إنهاء مهمة التحالف الدولي في العراق، والمقرر أن يكتمل في 30 أيلول/ سبتمبر 2026، وهو الموعد الذي تتخذه الفصائل المتمسكة بسلاحها مبرراً أساسياً للحفاظ على قدراتها العسكرية.
الصدام ليس حتمياً
وفي هذا الجانب، يرى السياسي المستقل، عائد الهلالي، أن اقتراب الموعد يجعل الملف "بالغ التعقيد"، لكنه لا يعتقد أن الصدام المسلح حتمي.
ويقول الهلالي لوكالة شفق نيوز، إن العراق يمتلك مؤسسات أمنية أكثر خبرة وقدرة على إدارة الأزمات، فيما تدرك القوى السياسية أن أي مواجهة داخلية ستكون خسارة للجميع، وقد تفتح الباب أمام تداعيات أمنية واقتصادية وسياسية خطيرة.
وبحسب الهلالي، فإن الخطر الحقيقي لا يتعلق بالسلاح وحده، بل بأزمة الثقة بين الدولة والفصائل، وبربط ملف السلاح بمسألة الوجود الأجنبي، معتبراً أن "التعامل الأمني الصرف قد يكون مدخلاً للتصعيد".
ويدعو إلى التدرج والضمانات والدمج المؤسسي، مع الحفاظ على وحدة المؤسسات الأمنية ومنع الاستفزازات وإبقاء باب الحوار مفتوحاً، مؤكداً أن المواجهة المسلحة يجب أن تكون "آخر الخيارات لا أولها".
ويتفق المحلل السياسي، مجاشع التميمي، على أن خطر الصدام قائم، لكنه غير حتمي، حيث يقول إن العراق يمتلك أدوات سياسية وأمنية وقضائية لاحتواء التصعيد، بشرط وجود موقف حكومي موحد وعدم التسرع في استخدام القوة.
ويرى التميمي خلال حديثه لوكالة شفق نيوز، أن جوهر الأزمة يتمثل في قدرة الدولة على تحويل حصر السلاح إلى مسار سياسي وقانوني متدرج يحظى بغطاء واسع، محذراً من أن رفض بعض الفصائل القرار، بالتزامن مع انقسام سياسي أو أمني، قد يحول الخلاف إلى مواجهة تهدد استقرار البلاد.
لكن الخبير الأمني، صفاء الأعسم، يستبعد بصورة شبه كاملة وقوع صدام بين الحكومة والفصائل، قائلاً: "لا يوجد أي فصيل مسلح مستعد لأن يسيء إلى أمن البلاد باعتبار أنهم أبناء العراق"، معتبراً أن الخلاف سياسي وليس مؤشراً على مواجهة مسلحة.
ويضيف الأعسم لوكالة شفق نيوز، أن حصر السلاح بيد الدولة "مطلب شعبي"، وأن موقف المرجعية أكد ضرورة أن تكون هناك جهة واحدة تحمل السلاح، مرجحاً أن ينتهي الملف عبر اتفاقات سياسية تتضمن مناصب أو انخراطاً داخل مؤسسات الدولة أو تنظيم السلاح للعمل ضمن المؤسسات الأمنية.
ما بعد المهلة
ويأتي ذلك في وقت تؤكد فيه الحكومة أن أي نشاط مسلح خارج إطار الدولة بعد 30 أيلول/ سبتمبر المقبل سيواجه وفق القانون.
وجدد رئيس الجمهورية نزار آميدي، ورئيس مجلس الوزراء علي فالح الزيدي، ورئيس مجلس النواب هيبت الحلبوسي، ورئيس مجلس القضاء الأعلى فائق زيدان، خلال اجتماع عقد أمس الاثنين 17 آب/ أغسطس الجاري، التمسك بحصر السلاح بيد الدولة.
وفي المقابل، تصر كتائب حزب الله وحركة النجباء وكتائب سيد الشهداء، وفق مواقف أعلنتها خلال الأشهر الماضية، على الاحتفاظ بقدراتها العسكرية، بينما أبدت فصائل أخرى، بينها عصائب أهل الحق وكتائب الإمام علي، استعداداً لتنظيم علاقتها العسكرية بالدولة.
وتزامن ذلك مع تحركات حكومية في ملفات مرتبطة بنفوذ الفصائل، بينها تشكيل لجنة لمتابعة ملف جرف الصخر في بابل، تضم ممثلين عن وزارات الداخلية والعدل والزراعة وهيئة الحشد الشعبي.
كما يأتي وسط تداعيات هجوم بطائرتين مسيرتين استهدف أمس الاثنين 17 آب/ أغسطس الجاري مكتب رئيس حكومة إقليم كوردستان مسرور بارزاني ومقر إقامة مدير وكالة حماية كوردستان "باراستن".
ووجه الزيدي بتشكيل لجنة للتحقيق في مصدر ومنطلق الهجوم، قبل أن يؤكد في اتصال مع بارزاني، اليوم الثلاثاء، أن الاستهداف "مرفوض وغير مقبول".