شفق نيوز- كركوك 

في المشهد العراقي الذي تتقاطع فيه الذاكرة الاجتماعية مع التحولات الأمنية والسياسية، تبرز بعض الظواهر القديمة بوصفها مفاتيح لفهم طبيعة المجتمع في مراحل مختلفة من تاريخه.

ومن بين هذه الظواهر التي ما تزال حاضرة في الذاكرة الشعبية، ظاهرة "الشقاوات"، التي ارتبطت بالأحياء الشعبية في المدن العراقية، وجمعت بين صورة القوة والنفوذ المحلي من جهة، والدور الاجتماعي غير الرسمي من جهة أخرى.

وفي هذا الصدد، قال المتحدث باسم قيادة شرطة كركوك، العقيد عامر نوري الشواني، لوكالة شفق نيوز، إن التعاون بين المواطنين والأجهزة الأمنية يعد عاملاً أساسياً في تحقيق الاستقرار، داعياً الأهالي إلى الاستمرار في الإبلاغ عن أي حالات مشبوهة أو خروقات أمنية، لما لذلك من دور في دعم العمل الأمني وتعزيز حالة الطمأنينة في المجتمع.

وأضاف الشواني، أن محافظة كركوك "خالية من ظاهرة الشقاوات، مؤكداً أن تطبيق القانون بشكل صارم، إلى جانب الانتشار الأمني الفعال، أسهما في إنهاء أي مظاهر خارجة عن النظام، وترسيخ هيبة الدولة في جميع مناطق المحافظة.

وأكد في ختام تصريحه أن قيادة الشرطة مستمرة في تطوير خططها الأمنية ورفع مستوى الجاهزية، بما يضمن حماية المواطنين وممتلكاتهم، والحفاظ على المكتسبات الأمنية المتحققة خلال الفترة الماضية.

وفي سياق اجتماعي وتاريخي متصل، تُعدّ ظاهرة "الشقاوات" واحدة من أبرز الظواهر التي ارتبطت بالأحياء الشعبية في العراق خلال العقود الماضية، خصوصاً في الفترات التي شهدت ضعفاً في مؤسسات الدولة وغياباً نسبياً للسلطة الأمنية المنظمة.

وأشار الباحث الدكتور عبد الكريم خلفية إلى أن هذه الظاهرة برزت بشكل واضح في ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي، حيث كانت الأحياء الشعبية تعاني من ضعف الخدمات وغياب الاستقرار، ما أدى إلى ظهور شخصيات محلية عُرفت بـ"الشقاوات"،،لعب بعضها دوراً اجتماعياً داخل تلك البيئات.

وأوضح خلفية، لوكالة شفق نيوز، أن الشقاوات لم يكونوا جميعاً خارجين عن القانون كما يُشاع، بل كان لبعضهم حضور اجتماعي داخل الأحياء، حيث تولوا أدواراً في حماية الأسواق والأزقة، والتدخل في فض النزاعات بين الأهالي، إضافة إلى مساعدة الفقراء والمحتاجين في بعض الحالات، ما منحهم مكانة اجتماعية خاصة.

وأشار إلى أن منطقة "العرضة" كانت من أبرز المناطق التي ارتبط اسمها بعدد من الشقاوات المعروفين في تلك المرحلة، حيث امتازوا بالجرأة والهيبة والشهامة في الذاكرة الشعبية، مبيناً أن المجتمع المحلي كان ينظر إليهم كجزء من منظومة القوة "غير الرسمية" التي تنظم الحياة اليومية داخل الحي.

ومن بين الأسماء التي وردت في ذاكرة تلك المرحلة: السيد ناجي هاشم البلداوي، السيد حسن كريم الأطرش، السيد علي شعيب، السيد حسن نعمة السويدي، السيد جمعة شنين الساعدي، السيد مصطفى رزي العماري، السيد محمود ناصر الكرعاوي، السيد سلمان الأسود، السيد ياسين محمد علي التميمي، وكاظم نجت العماري، ومحمد مناوير، وكامل هادي البيضاني، وجبوري عبد الحسن، ورعد رحيمة، وجمعة كريم، وقاسم مطيلح، ومحمد جخيور، وطارق حسين، وعباس عمارة، وحسن جخيور، إضافة إلى كريم الرماحي.

وبيّن خلفية أن بعض الشقاوات كانوا يتدخلون في حل النزاعات العشائرية والاجتماعية، ويُنظر إليهم كقوة محلية غير رسمية تساعد أحياناً في فرض نوع من الاستقرار داخل الأحياء الشعبية، خاصة في ظل ضعف مؤسسات الدولة في بعض المراحل التاريخية، إلا أن الظاهرة لم تخلُ من جوانب سلبية ارتبطت بالعنف واستخدام القوة في بعض النزاعات.

وأكد أن هذه الظاهرة ترتبط غالباً بالمراحل التي تشهد اضطراباً سياسياً أو اقتصادياً، حيث تنشأ أشكال بديلة من التنظيم الاجتماعي داخل المجتمعات المحلية، تعتمد على النفوذ الشخصي أو القوة أو المكانة الاجتماعية، قبل أن تتراجع تدريجياً مع تطور مؤسسات الدولة وتعزيز سلطتها.

وفي السياق ذاته، قال الكاتب والإعلامي مؤيد محمد قادر (أبو روزا الحرافيش) إن ظاهرة "الشقاوات" ما تزال حاضرة في الذاكرة الشعبية العراقية، رغم التغيرات الكبيرة التي طرأت على المجتمع خلال العقود الأخيرة، مشيراً إلى أنه عاشر عدداً من هؤلاء الأشخاص خلال ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي.

وكانت تربط قادر علاقات صداقة ومعرفة مباشرة مع بعض الشقاوات حينها، وكان يلتقي بهم بشكل متكرر ويستمع إلى قصصهم وتجاربهم، ما منحه رؤية مختلفة عن الصورة النمطية السائدة، مبيناً أن بعضهم كان يتمتع بصفات إنسانية واجتماعية إلى جانب القوة والهيبة.

وأضاف أن الشقاوات، رغم ارتباط بعضهم بالعنف والمشاجرات، كانوا في كثير من الأحيان يقفون إلى جانب الفقراء والمستضعفين، ويتدخلون لحل النزاعات داخل الأحياء، لافتاً إلى أن هذه الظاهرة كانت تتأثر بطبيعة المرحلة السياسية والاجتماعية في البلاد.

وأشار قادر، إلى أن هذه الشخصية الاجتماعية ظهرت بوضوح في فترات ضعف الدولة أو تفاقم الأزمات الاقتصادية، مؤكداً أن بعض ملامحها قد تعود بأشكال مختلفة، لكنها تختلف كثيراً عن الصورة التقليدية التي عرفها العراق في القرن الماضي.