شفق نيوز- بغداد
واجه رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي، خلال المئة يوم الأولى من توليه رئاسة الحكومة في 14 أيار/ مايو 2026، ملفات ثقيلة ومتزامنة، من أزمة تصدير النفط والسيولة والرواتب، إلى حصر السلاح بيد الدولة، ومكافحة الفساد، وأزمة المياه والجفاف، فضلاً عن استكمال تشكيل حكومته وإدارة علاقات العراق وسط توترات إقليمية ودولية متصاعدة.
واليوم الخميس، 20 آب/ أغسطس 2026، تدخل حكومة الزيدي يومها الـ98 منذ نيلها ثقة مجلس النواب، في محطة مبكرة لتقييم أدائها، وسط تباين في قراءة حصيلتها بين من يرى أنها فتحت ملفات ظلت مؤجلة لسنوات، ومن يعتبر أن قرارات وخططاً عدة لم تتحول بعد إلى نتائج ملموسة على الأرض.
وحصلت حكومة الزيدي على ثقة مجلس النواب بتصويت شمل 14 وزيراً من أصل 23 حقيبة، فيما بقيت تسع وزارات، بينها الداخلية والدفاع والتخطيط، من دون وزراء أصيلين، لتدار بالوكالة وسط خلافات سياسية حول المرشحين والمحاصصة.
ورغم هذا الشغور الوزاري، أقر مجلس الوزراء برنامجه الحكومي للأعوام 2026-2029 بعد أسابيع قليلة من نيل الثقة، متضمناً 139 أولوية موزعة على 14 قطاعاً و13 تشريعاً رئيسياً، ضمن رؤية ترتكز على بناء "دولة مستقرة، واقتصاد منتج، وشراكات متوازنة".
أزمة تصدير النفط
ويأتي ملف النفط في صدارة التحديات الاقتصادية التي تواجه الحكومة، خصوصاً مع تراجع قدرة العراق على تصدير الخام عبر منافذه التقليدية بفعل التوترات بين إيران والولايات المتحدة وتعقيدات الملاحة في مضيق هرمز، ما يضع المالية العامة أمام ضغوط إضافية في اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على الإيرادات النفطية.
وفي هذا السياق، يقول النائب عدي الزاملي، إن أزمة تصدير النفط ما زالت من دون "معالجات ناجعة"، وإنما تدور حول مقترحات وتسويات، مشيراً إلى أن الزيدي تحرك عبر زياراته إلى الولايات المتحدة وإيران وتركيا وعقد عدداً من الاتفاقيات، إلا أن تفاصيل بعضها لم تُعرض بصورة كافية أمام البرلمان.
ويضيف الزاملي لوكالة شفق نيوز، أن "آلية تصدير النفط إلى الآن متلكئة وغير مستقرة"، لافتاً إلى ما أُعلن عن اتفاق عراقي-تركي لتصدير نحو مليون برميل يومياً عبر الموانئ التركية، لكنه يتساءل عن طبيعة الآلية والمقابل الذي سيحصل عليه العراق، وما إذا كانت التفاهمات ستنعكس على ملفات أخرى، بينها المياه والتبادل التجاري.
ويؤكد أن حكومة الزيدي لا تزال في بدايتها، وأن رئيس الوزراء سيخضع لاحقاً للاستضافة والمساءلة البرلمانية بعد استكمال تشكيلته، مشدداً على أن الحكومة ما زالت "عرجاء" بسبب نقص الوزراء التسعة، وتحتاج إلى تقويم ومساندة من مجلس النواب.
وتزداد أهمية ملف النفط مع ارتباطه المباشر بقدرة الدولة على تمويل الرواتب والنفقات العامة، وهو ما دفع الزيدي، الاثنين الماضي 17 آب/ أغسطس الجاري، إلى عقد اجتماع موسع مع مسؤولي وزارة النفط ووزيري النفط والمالية، مطالباً بحلول عاجلة لمسارات التصدير ومواجهة تداعيات الأزمة.
ضمان الحصة المائية
ولا يقل ملف المياه أهمية عن النفط، في ظل تراجع الإيرادات المائية والجفاف الذي يضغط على المحافظات والقطاع الزراعي ويهدد الاستقرار البيئي والغذائي.
إلا أن مستشار رئيس الوزراء لشؤون المياه، طورهان المفتي، يقدم قراءة أكثر تفاؤلاً، قائلاً إن الوضع المائي خلال صيف 2026 أفضل من العام السابق بنحو ثلاثة إلى أربعة أضعاف، ولذلك لا يمكن وصف الوضع الحالي بالحدة التي شهدتها السنة الماضية.
ويؤكد المفتي لوكالة شفق نيوز، أن الحكومة تعول على اتفاقاتها مع تركيا، موضحاً أن مذكرة الاتفاق الإطاري للمياه ومذكرة آلية تمويل المشاريع ستدخلان حيز النفاذ اعتباراً من أيلول/ سبتمبر المقبل، بما يوفر أساساً لاستدامة الحصة المائية العراقية وفق معادلة يجري العمل على تحديدها.
ويقول إن حكومة الزيدي، عبر إبرام الاتفاقيتين، استطاعت أن تضع أساساً للحفاظ على كميات مياه "وافية وكافية"، سواء واجه العراق شحة مائية أم لم يواجهها، مع التشديد في الوقت نفسه على ضرورة الاستخدام الذكي للمياه وتوسيع تقنيات الري والإدارة الحديثة للموارد.
تنويع الإيرادات
وتحاول الحكومة، بالتوازي مع أزمة تصدير النفط، البحث عن إيرادات بديلة وتقليل اعتماد المالية العامة على النفط، عبر تنشيط الإيرادات غير النفطية، وإصلاح النظام المصرفي والضريبي والجمركي، ودعم الاستثمار والقطاع الخاص.
وفي هذا الجانب، يرى خالد وليد، عضو ائتلاف الإعمار والتنمية برئاسة رئيس الوزراء السابق، محمد شياع السوداني، أن حكومة الزيدي هي بالدرجة الأولى "حكومة إدارة أزمة سياسية واقتصادية وأمنية"، في ظل تداعيات الحرب والتوترات التي شهدتها المنطقة.
ويقول وليد لوكالة شفق نيوز، إن الحكومة تحاول إيجاد مسارات جديدة لتعظيم الإيرادات غير النفطية، وتنويع طرق تصدير النفط، والحد من الإنفاق التشغيلي قدر الإمكان، إلى جانب إصلاح المؤسسات وتفعيل إجراءات مكافحة الفساد وتصويب الأخطاء في الهياكل الحكومية.
ويضيف أن الزيدي حاول، خلال جولته الخارجية التي شملت واشنطن وطهران وأنقرة في تموز/ يوليو 2026، إبقاء قنوات دبلوماسية مفتوحة واحتواء تداعيات الوضع العراقي والإقليمي بما يحفظ المصلحة الوطنية.
لكن وليد يضع معياراً أساسياً للحكم على الحكومة بعد المئة يوم، يتمثل في قدرتها على تحويل الوعود والخطط إلى واقع ملموس، معتبراً أن ملفي مكافحة الفساد وحصر السلاح سيكونان العاملين الحاكمين في تقييم أداء حكومة الزيدي وصولاً إلى نهاية العام.
وتصدر ملف مكافحة الفساد المشهد منذ بداية عمل الحكومة، بعدما أطلقت، في 28 حزيران/ يونيو 2026، حملة لمكافحة الفساد واتخذت إجراءات قانونية ورقابية ضد شخصيات سياسية وإدارية بارزة، في خطوة وصف مؤيدوها بأنها مختلفة عن ممارسات الحكومات السابقة.
وكان المستشار المالي لرئيس الوزراء، مظهر محمد صالح، قد قال، السبت الماضي، إن تقييم الحكومة لا ينبغي أن يقوم على عدد الأيام التي مضت، وإنما على الاتجاه الذي اختارته منذ البداية، معتبراً أن الحكومة وضعت مكافحة الفساد في مقدمة أولوياتها ونقلت الملف من الخطاب السياسي إلى مسار مؤسسي يقوم على الرقابة والمساءلة واسترداد الأموال.
السلاح والسيادة
وإذا كان ملف الفساد يمثل أبرز استحقاقات الحكومة على المستوى المؤسسي والقضائي، فإن حصر السلاح بيد الدولة يمثل التحدي السياسي والأمني الأكثر صعوبة.
وحدد الزيدي 30 أيلول/ سبتمبر 2026 موعداً نهائياً لإنهاء ملف السلاح خارج إطار الدولة، بالتزامن مع ترتيبات إنهاء المهمة العسكرية للتحالف الدولي.
وتقول قوى الإطار التنسيقي إنها متفقة على مبدأ حصر السلاح، فيما يدور الخلاف حول آليات التنفيذ والضمانات والتوقيت، كما طُرحت أفكار للتفاوض مع الفصائل حول ترتيبات نزع السلاح، بما في ذلك سحب الأسلحة الثقيلة وإيداعها في مخازن، ضمن صيغة تحول دون الانزلاق إلى مواجهة داخلية.
وفي ما يتعلق بملف السيادة، يرى خالد وليد أن حصر السلاح وجلاء القوات الأجنبية وحماية وحدة الأراضي العراقية سيكون المعيار الحاسم لأداء الحكومة خلال المرحلة المقبلة.
أما المحلل السياسي من واشنطن، رمضان البدران، فيرى أن الزيدي يواجه تحديات تراكمت على مدى سنوات، إلى جانب أزمات فرضتها التحولات الإقليمية، لكنه يعتبر أن رئيس الوزراء "يحاول وضع أسس صحيحة" تقوم على التوافق الوطني والإقليمي والدولي.
ويقول البدران لوكالة شفق نيوز، إن الزيدي فتح ملفات لم تفتح سابقاً بالجدية نفسها، وفي مقدمتها مكافحة الفساد ومحاولة ضبط السلاح داخل إطار الدولة، معتبراً أن هذه خطوات في الاتجاه الصحيح، وإن كانت لا تعني أن المشكلات حُلت.
ويخلص البدران إلى أن تقييم ما أنجزه الزيدي لا يمكن فصله عن الاستقرار الأمني والسيولة المالية والظروف الإقليمية، معتبراً أن رئيس الوزراء "أنجز الكثير" قياساً إلى طبيعة المرحلة.