شفق نيوز- بغداد
في زمن الحرب تكثر الشائعات وتتباين وجهات النظر، وتتشابك الأشياء إلى حد كبير، وفي زمن التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي ومنصات التواصل، تزدحم منصات التواصل بمنشورات ومقاطع مولدة بالذكاء الاصطناعي تُستخدم للترويج لتفوق هذا الطرف أو ذاك في النزاع.
وسجلت الحرب الراهنة في المنطقة انتشار العديد من الفيديوهات والمقاطع حول اعتراض صواريخ وسقوط طائرات مسيرة، أو مشاهد تدمير بنايات أو اغتيالات، وكل من هذه المقاطع يروج لطرف ما من أطراف النزاع في محاولة للتأثير على الآخرين.
ارباك واضح
وفي هذا الصدد يقول الخبير التقني المختص بتقنيات الذكاء الاصطناعي إيهاب عدنان سنجاري، لوكالة شفق نيوز، إن "تأثير المقاطع كبير، ويمكن أن يغير اتجاه الرأي العام ويربك صناع القرار خلال الأزمات العسكرية"، مشيراً إلى أن "الشائعات والمحتويات التي تتم بالذكاء الاصطناعي لعبت دوراً واضحاً في تضليل المعلومات خلال الاشتباكات الأخيرة بين الولايات المتحدة وإيران".
ويوضح سنجاري، أن "الصور المولدة والمعدلة بالذكاء الاصطناعي أكثر انتشاراً وأسهل إنتاجاً، لكن مقاطع الفيديو أخطر تأثيراً عندما تنجح في اجتياز الشكوك الأولية لدى الجمهور"، مبيناً أن "أدوات التوليد (نص، صور، فيديو) جعلت إنتاج دعاية موجهة ومحتوى مزيف على نطاق واسع ورخيص وسريع، وهو ما يضخم ديناميكيات التضليل الموجودة أصلاً ويزيد صعوبة تمييز الحقيقة".
ويتابع: "في الأزمات المسلحة الحديثة، يستخدم المحتوى المصنع بالذكاء الاصطناعي لتأليب الجمهور، وخلق شعور زائف بالنصر أو بالهزيمة، وزرع الشك في كل ما هو موثوق، حيث يصبح الجمهور يشك حتى في الحقائق. وثمة تقارير توثق استخدام جهات حكومية وأطراف سياسية في عدة دول لتوليد صور وفيديوهات ورسائل نصية آلية للتأثير على الرأي العام ضد الخصوم، وتشويش النقاش العام أثناء الأزمات".
ولفت إلى أن "في النزاعات الأخيرة لوحظ استخدام صور ضحايا مزيفة، وفيديوهات مفبركة لمسؤولين، ومحتوى مزيف لصور أقمار صناعية، لتحويل مسار النقاش وتقييد قدرة الصحافة والجمهور على بناء رواية مستقرة للواقع".
ويؤكد أنه "في الحرب الأخيرة المرتبطة بإيران، أشارت تحليلات إلى أن حجم المحتوى المزيف بالذكاء الاصطناعي وصل إلى مستويات غير مسبوقة مقارنة بالنزاعات السابقة، مع ملايين المشاهدات على منصات التواصل في الساعات الأولى من الأحداث"، مبيناً أن "الحروب في الوقت الحاضر تُصاغ بالرصاص والخوارزميات معاً؛ لم يعد الخطر في ما نراه فقط، بل في ما نصدقه؛ ولذلك تبقى أهم مهارة في عصر الذكاء الاصطناعي أن نحمي عقولنا قبل حدودنا".
واتسم الموقف العراقي الرسمي إزاء الحرب الدائرة في المنطقة بموقف الحياد وعدم استخدام أرضه وسمائه من أي طرف منطلقاً لشن هجمات، فيما حث الأطراف المتنازعة على حل الأزمة بالسبل الدبلوماسية وإنهاء الحرب.
الدور الحكومي
وعلى الرغم من هذا الموقف، فإن مواقع التواصل لم تتوقف عن نشر وترويج فيديوهات ومقاطع وصور مفبركة.
وانتشرت على مواقع التواصل صورة مفبركة لطيار زعمت أنه أُسر بعد إسقاط طائرته بمحافظة البصرة، وهو ما نفته خلية الإعلام الأمني.
ودفعت المقاطع والصور المفبركة في منصات التواصل هيئة الإعلام والاتصالات إلى اتخاذ إجراءات بحق أصحاب المحتوى الزائف من أجل حماية السلم المجتمعي.
وأكدت الهيئة في بيان متابعتها لما صدر عن مجلس النواب العراقي بشأن الدعوة إلى اتخاذ الإجراءات القانونية بحق المنصات أو المواقع التي تروج للفتن أو تنشر الشائعات المضللة التي تمس أمن البلاد وسلامة المجتمع.
وأوضحت أن دورها التنظيمي، وفق الصلاحيات المنصوص عليها في الأمر التشريعي رقم (65) لسنة 2004 ولائحة قواعد البث الإعلامي، يقوم على متابعة المحتوى الإعلامي والرقمي ورصد أي مخالفات تتعلق بالتحريض أو نشر المعلومات المضللة أو الخطابات التي تهدد السلم الأهلي، وأنها عملت على تفعيل إجراءاتها القانونية والتنظيمية بصورة استثنائية على مدار الساعة لرصد المحتوى المخالف واتخاذ الإجراءات القانونية بحق الجهات المسؤولة عنه، فضلاً عن التنسيق مع الجهات المختصة لاتخاذ التدابير التقنية اللازمة وفق الأطر القانونية المعتمدة.
وأكدت أن "هذه الإجراءات تتم في إطار التوازن بين حماية الأمن الوطني والحفاظ على حرية التعبير المكفولة دستورياً، وبما يضمن عدم المساس بالحق المشروع في إبداء الرأي أو تداول المعلومات ضمن الضوابط القانونية والمهنية".
ودعت المؤسسات الإعلامية والمنصات الرقمية وصناع المحتوى إلى الالتزام بالمعايير المهنية وتجنب نشر أو تداول الأخبار غير الموثقة أو المحتوى الذي قد يسهم في إثارة الفتن أو الإضرار بالسلم المجتمعي.
ووفق معنيين، فإن التضليل ونشر الشائعات والصور المفبركة بات أسهل وأكثر انتشاراً في زمن الذكاء الاصطناعي.
وبهذا الصدد يوضح الخبير التقني عثمان أكرم أن "صناعة المحتويات المؤتمتة تتلاعب بعقلية الجمهور وتستهدف فئة معينة للتلاعب بموقفهم".
ويضيف أكرم، لوكالة شفق نيوز: "يمكن لأدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي إنشاء مشاهد عسكرية وقصف وهمي، لكنها تبدو واقعية للغاية خلال دقائق، وهو ما يثير الذعر أو يضخم الأحداث"، لافتاً إلى أن "الصور المفبركة والمقاطع المركبة بالذكاء الاصطناعي تسعى إلى إرباك المواطنين وإضعاف الثقة لديهم بعد اكتشافهم زيف المحتويات، فيصبحون في حالة من الريب والشك حتى في المعلومات الحقيقية".
وينوه أكرم إلى أنه "بالتزامن مع الحرب في المنطقة انتشرت الكثير من مقاطع الفيديو والصور المولدة بالذكاء الاصطناعي تدعم وجهات نظر سياسية مختلفة"، مؤكداً أن "الفيديوهات هي الوسيلة الأكثر خطورة وتأثيراً في الفبركة رغم سهولة تزييف الصور أيضاً".
تأثيرات نفسية
وللصور والمقاطع المولدة بالذكاء الاصطناعي تأثير كبير، وفق معنيين، على الحالة النفسية للمواطنين لأنها تهز قناعاتهم وتربك تفكيرهم وتجعلهم فريسة للشك حتى في الحقائق والبديهيات، وهو ما ينعكس سلباً على المجتمع.
يقول الدكتور كريم الجابري، المختص بعلم النفس إن "الشائعات طالما رافقت الحروب والنزاعات منذ زمن بعيد، ويبرز دور الطابور الخامس في النزاعات العسكرية لنشر الشائعات وزعزعة الثقة، وثمة آلاف الشواهد على ذلك والتي يحفل بها تاريخ الحروب".
ويؤكد لوكالة شفق نيوز أن "التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي يلعبان دوراً مؤثراً في الترويج حالياً عبر ما ينتجه من صور ومقاطع تعطي فهماً معاكساً لواقع الحرب في محاولة لإيجاد أرضية اجتماعية مرتبكة".
ويوضح أن "التأثير النفسي للشائعات والأخبار المزيفة يكون محدوداً على المستوى النفسي، إذ يمكن التمعن بدقة في مجريات الوقائع وتأملها مع وجود قوى مضادة بإمكانها تبديد الشائعات والدعوة إلى رفضها، بيد أن تقنيات الذكاء الاصطناعي يكون لها وقع أكبر لأنه يُشاهد بالعيان من خلال الصورة أو مقاطع الفيديو، ولا يمكن كشف زيف هذه المحتويات إلا من قبل المختصين والخبراء التقنيين، وهو ما يجعل هذه المقاطع تنتشر سريعاً وتؤثر في أكبر قدر ممكن من الناس".
ويشير الجابري إلى أن "التقليد سمة من السمات النفسية الفطرية عند الناس، لذا فإن الإسراع بمشاركة الصور والمقاطع في منصات التواصل يندرج ضمن هذا الإطار، ولكن من دون أن يتبين من يشارك هذا المقطع أو ذاك حقيقة ما ينشر إن كان حقيقياً أو زائفاً، ومن هنا تنتشر الإشاعة كالنار في الهشيم في زمن الحروب الحديثة"، لافتاً إلى أن "الذكاء الاصطناعي أصبح أحد أبرز الأعمدة التي تدعم البحوث في مختلف المجالات، وهو أحد أبرز تقنيات العصر الحديث، إلا أن آليات استخدامه لا تخضع لضوابط، وهذا هو الجانب السلبي فيه، إذ بإمكانه تزييف الحقائق عبر تركيبة معينة من الصور ومقاطع الفيديو سواء في الحروب أو غيرها للتأثير على الناس أو ابتزازهم، وحتى ينكشف زيف الصور والمقاطع المولدة بالذكاء الاصطناعي تكون هذه الصور والمقاطع قد أخذت أثرها في الأفراد، وهو ما يدعو الجهات المعنية إلى مراقبة المحتويات التي تنشر على مواقع التواصل الاجتماعي من أجل أمن المجتمع واستقراره".
وكانت مواقع التواصل الاجتماعي نشرت خلال اليومين الماضيين مقطعاً يوثق خروج رتل عسكري من الشاحنات المحملة بصواريخ بالستية مجهزة للإطلاق من نفق سري داخل أحد الجبال في إيران، وأظهر التدقيق في المشاهد أنها مولدة باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، حيث تظهر تشوهات بصرية في خروج الشاحنات وطبيعة الأرض المحيطة بالجبل وعدم تناسق أحجام العناصر المكونة للصورة.
وتقول المواطنة سناء عبد الرحمن (24 عاماً) إنها لم تعد تثق بمنصات التواصل الاجتماعي، كما أصبحت وسائل الإعلام أجندات لهذا الطرف أو ذاك، وهو ما يربك المشهد ويعطي صورة ضبابية للواقع.
وتضيف عبد الرحمن لوكالة شفق نيوز أن "الذكاء الاصطناعي يظهر مشاهد وصوراً نظنها واقعية من أجل أن يلتبس الأمر علينا، ولكن توجد حقاً مشاهد حقيقية، لكن المشكلة في عدم التمييز بين الحقيقة والزيف"، مبينة أنها "تتابع بعض وسائل الإعلام التي تراها مهنية ومحايدة من أجل تكوين صورة مقاربة للميدان".
أما الشاب حسن علي فقد أكد في حديثه لوكالة شفق نيوز أنه أصيب بالصدمة لكثرة المشاهد التي كان يراها في مواقع التواصل ويصدقها، لكنه اكتشف بعد ذلك أنها مزيفة.
ويشير حسن إلى أن "الذكاء الاصطناعي لم يترك لنا مجالاً لنتبين فيه المشاهد والصور الحقيقية من تلك التي يتم توليفها بالذكاء الاصطناعي"، لافتاً إلى أن "منصات التواصل الاجتماعي تنشر مئات الصور والمقاطع ونحن نصدقها دون أن نتفحصها أو حتى نفكر فيها، لأن الصورة والمقطع يعطيان دلالة كاملة عن الحدث أكثر من أي شيء آخر".
في زمن الشائعات كان الحكماء يفندون الأكاذيب وينفون الشائعة، أما في زمن الذكاء الاصطناعي فتتحمل الجهات المعنية مسؤولية كشف الحقائق وإخضاع صناع المحتوى للضوابط القانونية، لما للمحتوى من تأثير كبير على أمن وسلامة المجتمع.