النجف- شفق نيوز

في أحد أزقة مدينة النجف القديمة، لا تزال أصوات "الدك" اليدوي تتردّد داخل محل صغير، معلنة استمرار حرفة عريقة قاومت الزمن والتطور، لتبقى الدوندرمة النجفية واحدة من أبرز معالم التراث الشعبي التي يقصدها الزوار من مختلف المحافظات، بحثاً عن مذاق ارتبط بذاكرة المدينة منذ عام 1939.

ويقول محمد شربة، حفيد الحاج جاسم الدامرجي، لوكالة شفق نيوز، إن عائلته ما تزال متمسكة بالإرث الذي أسسه الأجداد قبل أكثر من ثمانية عقود، معتمدة على الطريقة اليدوية التقليدية في إعداد الدوندرمة، وهي أسلوب يمنحها قوامها المميز ونكهتها الأصيلة التي ارتبطت بذاكرة أهالي النجف وزائريها.

وأوضح أن صناعة الدوندرمة تعتمد على مكونات طبيعية، أبرزها القيمر والثعلبية والحليب، فيما تُزيَّن بالفستق الحلبي والشعرية والزعفران الطبيعي، فضلاً عن النوتيلا والبقلاوة وإضافات أخرى تُحضَّر يومياً، مؤكداً أن الإنتاج يتم بشكل يومي دون تخزين لفترات طويلة، حفاظاً على الجودة والطزاجة.

وأشار شربة إلى أن الدوندرمة النجفية أصبحت محطة أساسية لزوار المدينة القادمين من مختلف المحافظات، ولا سيما كربلاء والبصرة وبغداد، ممن يحرصون على تذوق المثلجات المصنوعة وفق الوصفة التقليدية التي حافظت على هويتها لعقود.

ومن بين هؤلاء الزوار، يقول محمد ناجح، القادم من محافظة الديوانية، إن زيارة النجف الأشرف لا تكتمل بالنسبة له ولعائلته من دون التوقف لتناول الدوندرمة التراثية.

وأضاف أن أفراد عائلته يحرصون في كل زيارة على شراء الدوندرمة لما تمتاز به من مذاق مختلف وجودة عالية، مؤكداً أن طريقة إعدادها اليدوية ومكوناتها الطبيعية تمنحها نكهة لا يمكن العثور عليها في أي مكان آخر، الأمر الذي جعلها جزءاً ثابتاً من برنامج زيارتهم للمدينة.

ويرى عدد من الزوار أن الدوندرمة النجفية لا تمثل مجرد نوع من المثلجات، بل تعد جزءاً من هوية المدينة وتراثها الشعبي، بعدما ارتبطت بذكريات العائلات العراقية على مدى عقود، وأصبحت إحدى المحطات التي يحرص الزائرون على التوقف عندها خلال زيارتهم للنجف الأشرف.

ورغم التطور الكبير الذي شهدته صناعة المثلجات وظهور أنواع وأساليب حديثة، يؤكد أصحاب المهنة أن ذلك لم يؤثر في الإقبال على الدوندرمة التقليدية، إذ ما زالت تحتفظ بروادها الذين يبحثون عن النكهة الأصيلة المرتبطة بتراث المدينة.

وتجسد صناعة الدوندرمة في النجف نموذجاً للحرف التراثية التي استطاعت الصمود أمام تغيرات الزمن، محافظة على هوية المذاق الشعبي، ومؤكدة أن الحفاظ على التراث يمكن أن يسير جنباً إلى جنب مع التطور، دون أن يفقد أصالته أو قيمته الثقافية، لتبقى الدوندرمة واحدة من أبرز العلامات التراثية التي تستقبل بها النجف زائريها جيلاً بعد جيل.