شفق نيوز- بغداد/ واسط
تفاجأ مربو الأسماك في محافظة واسط الواقعة على بعد 180 كيلومتراً جنوب شرقي العاصمة بغداد، بحدوث نفوق واسع النطاق في الثروة السمكية داخل أقفاص التربية العائمة على ضفاف نهر دجلة.
وتشير المعطيات الأولية وشهادات العاملين في القطاع إلى أن الحادثة تعود لتدهور نوعية المياه في النهر نتيجة عوامل متعددة، أبرزها تصريف مياه الصرف الصحي غير المعالجة، وارتفاع معدلات التلوث العضوي والكيميائي القادم عبر نهر ديالى.
وفي ظل اتساع نطاق الأضرار، باشرت الجهات المختصة تشكيل لجان تحقيق وتقييم ميداني لحصر الخسائر وتحديد أسباب النفوق، بالتوازي مع مطالبات من مربي الأسماك وخبراء البيئة بضرورة معالجة مصادر التلوث بشكل جذري.
كارثة لا توصف
للوقوف على هذه الحادثة التي طالت ضفاف واسط، ولا سيما في أقفاص الكوت والعزيزية والنعمانية، حاورت وكالة شفق نيوز المدير التنفيذي لمشروع "البركة" لتربية الأسماك في واسط، رسول كريم علي، الذي وصف ما حدث بأنه "مشهد لا يُحتمل".
ويضيف علي: "هذا ليس مجرد مشهد هذه فاجعة تكسر القلب، في صباح كان من المفترض أن يكون كباقي أيام الرزق والتعب، استيقظنا على كارثة لا توصف، رأينا ثروتنا التي بنيناها بسنوات من الجهد والسهر تموت أمام أعيننا".
ويتابع حديثه بنبرة يختلط فيها الغضب بالحسرة: "نحن لم نكن نطلب إلا لقمة حلال لكن في لحظة، وبسبب إهمال قاتل، تحول كل شيء إلى موت جماعي، مياه ملوثة وراكدة محملة بالسموم تركت دون معالجة في نهر ديالى، ثم فتحت لتنساب إلى نهر دجلة، لتكون النتيجة كارثة قضت على آلاف الأطنان من الأسماك".
هذه الشهادة تلخص الإحساس العام لدى المربين في الوقت الحالي، لكن خلف الانفعال، هناك سلسلة من الأحداث البيئية التي بدأت قبل الكارثة بوقت طويل.
أصل الأزمة
يعود أصل الأزمة، بحسب رئيس الجمعية العراقية لمنتجي الأسماك إياد الطالبي، إلى ما حدث في نهر ديالى قبل أيام من النفوق الجماعي، قائلاً "قبل 4 أيام حدث تسرب مياه آسنة من نهر ديالى، وهذه المياه نتيجة تراكمها لعدة سنين. جاءت من المناطق الشمالية بسرعة إلى النهر، فحركت الترسبات وزادت التلوث بشكل كبير".
ويضيف الطالبي لوكالة شفق نيوز: "ثم انتقلت هذه المياه إلى نهر دجلة، وأدت إلى تدمير الأحياء المائية، وإصابة 95% من الأقفاص العائمة في الكوت".
ويذكر الطالبي أرقاماً ليست عادية، إذ يتحدث عن "1000 إلى 1200 طن" من الخسائر، ما يثير تقديرات صادمة تشير إلى انهيار شبه كامل لقطاع الإنتاج السمكي في مناطق واسعة.
ويتابع أن "الأسماك التي نفقت هي كل الأسماك الموجودة في دجلة (الكارب) و(الكراص) وكل كائن حي"، مؤكداً أن "التلوث كان ساماً جداً ونسبته كبيرة جداً".
لكن الأخطر من الخسائر الاقتصادية، هو ما يحذر منه الطالبي قائلاً "نطالب الحكومة بتحديد المقصر، لأن الأضرار لم تقتصر على مربي الأسماك، بل كل من يستخدم مياه دجلة للشرب والزراعة".
البعد الصحي
في الجانب الآخر من الأزمة، يقدم نائب نقيب الأطباء البيطريين في العراق، عامر شفيق الحمداني، قراءة أكثر خطورة للمشهد، تربط بين التلوث البيئي والصحة العامة.
ويقول الحمداني لوكالة شفق نيوز، إن "التلوث الذي حصل سببه مياه المجاري الثقيلة، وبعضها يحتوي على معادن ثقيلة من مخلفات المصانع والسكراب".
ويضيف: "بعد الأمطار حدث ذوبان للعناصر الثقيلة مثل الرصاص والكادميوم، وامتصتها التربة ثم إعادتها إلى الأنهار".
لكن الأخطر في حديثه هو ما يتعلق بالصحة البشرية، مبيناً أن "هذه العناصر لا يمتصها جسم السمكة بشكل صحيح، وعند تناولها تنتقل إلى الإنسان، ولا تظهر آثارها بسرعة، بل بعد أشهر أو سنوات".
ويحذر بشكل مباشر: "إذا ثبت أن التلوث بسبب مياه المجاري، ينبغي عدم تناول هذه الأسماك لأنها خطرة على الصحة العامة".
خريطة التلوث
ووفق المعطيات الميدانية التي تتبعتها وكالة شفق نيوز، لا يبدو أن الأزمة محدودة، بل تمتد جغرافياً من مناطق شمالية إلى الجنوب، حيث يشرح الحمداني المسار قائلاً "تبدأ المياه من مناطق جبال زاكروس وخانقين والمقدادية، وتمر عبر نهر ديالى، ثم تلتقي بدجلة شمال الكوت، وصولاً إلى مناطق واسعة من واسط وميسان".
ويضيف أن مصادر التلوث تشمل "مياه مجاري غير معالجة ومخلفات طبية ومعادن ثقيلة ومخلفات صناعية وسكراب".
ويشير بشكل خاص إلى منطقة الرستمية الواقعة جنوب شرق بغداد، بالقول إن "في الرستمية يتم رمي المخلفات في نهر ديالى مباشرة دون أي معالجة، كما أن إطلاقات المياه التي أطلقتها وزارة الموارد المائية ساهمت في دفع هذه المخلفات إلى مدينة الكوت".
ويلفت مختصون إلى أن أحد العناصر المهمة في تفسير الكارثة هي "الرواسب المتراكمة منذ سنوات" التي كانت مستقرة في قاع الأنهار، لكنها تحركت بفعل الأمطار وارتفعت معها الملوثات ثم اختلطت بالمياه الجارية، ما أدى إلى حالة تشبه "إعادة إحياء التلوث القديم".
ونتيجة لذلك، لم تكن الخسائر بيئية فقط، بل اقتصادية أيضاً، فالأقفاص العائمة في محافظة واسط تمثل واحدة من أهم مصادر الإنتاج السمكي في العراق.
وبحسب رئيس الجمعية العراقية لمنتجي الأسماك فإن "95% من الأقفاص العائمة في الكوت تضررت، وبعض المناطق مثل العزيزية والنعمانية والأحرار وصلت إلى خسائر 100%"، ورغم ذلك يقول الطالبي إن "هذه كارثة بيئية يمكن تعويضها، لكن يجب محاسبة المقصر وتعويض المربين".
ورغم حجم الكارثة، حاولت وكالة شفق نيوز التواصل مع الجهات الرسمية في وزارتي البيئة والزراعة للحصول على تصريحات مباشرة منهما، لكنهما لم تردا حتى ساعة كتابة هذا التقرير.