شفق نيوز- دمشق
رغم حالة الأمل التي دخلت إلى قلوب السوريين عقب تغيير النظام، والتوقعات المرتبطة بقرب رفع العقوبات الأميركية والانفتاح العربي والدولي على البلاد، إلا أن ذلك لم ينعكس حتى الآن على شكل استقرار اقتصادي فعلي، في ظل استمرار تراجع القدرة الشرائية واتساع رقعة الفقر، نتيجة غياب البرامج الحكومية الفاعلة وضعف المبادرات الاقتصادية الخاصة، إلى جانب تباطؤ انطلاق مشاريع إعادة الإعمار.
وفي جولة ميدانية لوكالة شفق نيوز، شملت دمشق وريفها وحلب وحمص واللاذقية، فقد بدت الأسواق شبه مشلولة بفعل التراجع الحاد في القوة الشرائية، بينما يصف مواطنون الوضع الحالي بأنه "مرحلة البقاء فقط"، مع ارتفاع أسعار المواد الغذائية والوقود والنقل خلال الأسابيع الأخيرة بنسب كبيرة، مقابل صعوبة حصول المواطن على مصدر دخل ثابت يؤمّن احتياجاته الأساسية.
تآكل القدرة الشرائية
يقول أبو محمد، وهو موظف حكومي سابق من ريف دمشق، إن راتبه قبل سقوط النظام "لم يكن يكفي أكثر من أيام قليلة"، موضحاً أن "توقف صرف الرواتب لشرائح واسعة من العاملين في القطاع العام دفع آلاف الأسر إلى الاعتماد الكامل على الأقارب في الخارج".
ويضيف لوكالة شفق نيوز: "كنا بالكاد نعيش على الراتب، أما اليوم فلا يوجد أي مصدر دخل ثابت. الناس تبيع مقتنياتها أو تستدين لتأمين الطعام والدواء".
وتشير تقديرات اقتصادية محلية إلى تراجع القدرة الشرائية للسوريين بنسبة تتراوح بين 30 و50% خلال الأشهر الأخيرة، نتيجة الارتفاع المتسارع للأسعار وتذبذب سعر صرف الليرة السورية في السوق غير الرسمية، الأمر الذي انعكس مباشرة على تكاليف المعيشة اليومية.
وبحسب تقارير اقتصادية حديثة، ارتفعت تكلفة الحد الأدنى لسلة المعيشة في سوريا إلى نحو 169 دولاراً شهرياً، أي ما يقارب مليوني ليرة سورية، وسط استمرار التضخم وتراجع قيمة العملة المحلية.
وقد ردت وزارة الاقتصاد والصناعة السورية، لوكالة شفق نيوز، حول استفسارات تتعلق بمؤشرات الانتعاش الاقتصادي وميزان الصادرات والواردات ومعدلات النمو المتوقعة خلال عام 2026، مؤكدة أنه "لا توجد إمكانية حالياً لتقديم أرقام أو إحصائيات دقيقة حول هذه الملفات"، مشيرةً إلى أن "البيانات المطلوبة غير متوفرة في الوقت الراهن".
ويرى الباحث والمستشار الاقتصادي ورئيس مجلس النهضة السوري عامر ديب، في حديث لوكالة شفق نيوز، أن "الدولة السورية تواجه اليوم واحدة من أصعب الاختبارات الاقتصادية في تاريخها الحديث"، موضحاً أن "الأزمة لم تعد تقتصر على تراجع مؤشرات النمو، بل تحولت إلى حالة من الجمود التضخمي الذي طال البنية المعيشية للمواطن، في ظل الارتفاع الكبير للأسعار والتآكل الحاد في القوة الشرائية، ما يستوجب معالجة الأسباب البنيوية للأزمة بعيداً عن الحلول الإسعافية المؤقتة".
ويشير ديب إلى أن "القطاع العام يعاني من فجوة تاريخية بين الرواتب وتكاليف المعيشة، الأمر الذي لم يعد مجرد مشكلة مالية، بل أصبح عائقاً أمام التنمية المستدامة، إذ أن عجز الأجور عن تغطية الاحتياجات الأساسية يدفع الكوادر البشرية إلى استنزاف طاقتها في البحث عن مصادر دخل إضافية بدلاً من توظيفها في التطوير الإداري والتحول الرقمي والإنتاجي".
ويضيف أن "الحوالات الخارجية باتت تشكل العمود الفقري للاستهلاك المنزلي في سوريا، ورغم دورها الحيوي في تخفيف الانهيار المعيشي لدى آلاف الأسر، إلا أن الاعتماد المفرط عليها دون وجود دورة إنتاج محلية حقيقية في الزراعة أو الصناعة يؤدي إلى تعميق التبعية الاقتصادية، ويجعل استقرار الأسواق مرتبطاً بعوامل خارجية يصعب التحكم بها محلياً".
كما يؤكد ديب، أن "تراجع الليرة السورية لا يعكس فقط انخفاضاً في قيمة العملة، بل يرتبط بضعف الميزان التجاري وتراجع حوامل الطاقة وتعطل العمليات اللوجستية والإنتاجية، ما يخلق حالة من عدم اليقين لدى المستثمرين والتجار، ويدفع نحو ارتفاع الأسعار بشكل متواصل، لتكون الفئات محدودة الدخل الأكثر تضرراً من هذه التقلبات".
ويشدد عامر ديب على أن "الخروج من هذه الأزمة يتطلب الانتقال من سياسة إدارة الأزمة إلى سياسة التنمية الإنتاجية، عبر تحفيز الإنتاج المحلي ودعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وتقديم تسهيلات تشريعية تضمن بيئة استثمارية مستقرة، إضافة إلى إصلاح المنظومة المصرفية بما يواكب متطلبات العصر الرقمي، والاستثمار في الطاقة البديلة لتقليل تكاليف الإنتاج وضمان استدامة عمل المصانع والمنشآت الإنتاجية".
ويختم بالتأكيد على أن "استعادة التوازن الاقتصادي في سوريا ليست مستحيلة، لكنها تحتاج إلى إرادة مؤسساتية تعيد الاعتبار للعمل والإنتاج، إلى جانب دور فاعل للباحثين والمراكز الاقتصادية في تقديم رؤى علمية تجمع بين الواقعية الأكاديمية والاحتياجات المعيشية الملحة، بما يسهم في بناء مستقبل اقتصادي أكثر استقراراً".
الفقر يخفي الطبقة المتوسطة
وفي أحد أحياء مدينة حلب، تقول أم علي، لوكالة شفق نيوز، وهي أم لثلاثة أطفال، إن "العائلة أصبحت تعتمد على وجبة رئيسية واحدة يومياً بعد تضاعف أسعار الغذاء والمحروقات، حتى الخبز والخضار أصبح شراؤها عبئاً يومياً، بينما المدارس والطبابة والنقل تحولت إلى كماليات بالنسبة لكثير من الناس".
وتؤكد مؤشرات اجتماعية واقتصادية أن أكثر من 80% من السوريين يعيشون حالياً تحت خط الفقر، مع اتساع الفجوة بين الرواتب والأسعار، وارتفاع معدلات البطالة بشكل لافت.
"البنك البديل"
ومع غياب السيولة النقدية وتراجع النشاط الاقتصادي، أصبحت الحوالات الخارجية تمثل العمود الفقري للاقتصاد المنزلي للعائلة السورية.
ففي دمشق، يؤكد أصحاب مكاتب الصرافة أن غالبية الأسر تعتمد اليوم بشكل مباشر على الأموال القادمة من أوروبا والخليج وتركيا، سواء لتأمين الغذاء أو دفع الإيجارات والفواتير أو حتى تكاليف العلاج.
ويقول صاحب مكتب "مسار" للحوالات في العاصمة دمشق، إن "الحوالة التي كانت تستخدم سابقاً لتحسين الوضع المعيشي، أصبحت اليوم وسيلة النجاة الوحيدة لعائلات كاملة".
ويضيف أن "حجم التدفقات المالية القادمة إلى سوريا يقدر بمئات ملايين الدولارات شهرياً، ما جعل الحوالات تتحول فعلياً إلى مصرف مركزي بديل يحافظ على الحد الأدنى من الدورة الاقتصادية داخل البلاد".
الليرة السورية تحت الضغط
بالتوازي مع ذلك، تستمر الليرة السورية بالتعرض لضغوط كبيرة نتيجة ضعف الإنتاج المحلي، وارتفاع الطلب على الدولار، وغياب الاستقرار النقدي، ما أدى إلى حالة من القلق داخل الأسواق.
ويقول تاجر مواد غذائية في حمص إن "الأسعار تتغير بشكل شبه يومي"، مضيفاً أن "التجار باتوا يسعّرون بضائعهم على أساس توقعات سعر الصرف وليس السعر الحالي فقط".
الإصلاحات الحكومية
في المقابل، تتحدث الحكومة السورية عن خطط لإعادة هيكلة الاقتصاد وتحسين منظومة الرواتب والأجور وتنشيط الحركة الاقتصادية، بالتزامن مع مؤشرات رسمية تتحدث عن تحسن تدريجي في بعض القطاعات.
وكان صندوق النقد الدولي قد أشار في تقرير حديث إلى وجود "بوادر تعافٍ في الاقتصاد السوري مع تحسن النشاط الاقتصادي وعودة بعض الاستثمارات"، لكنه شدد في الوقت نفسه على ضرورة إعادة تأهيل النظام المصرفي وضبط السياسة النقدية لضمان الاستقرار المالي.
يد العون العراقية
وفي المقابل، تنظر الأوساط الاقتصادية السورية إلى العراق باعتباره أحد أهم المنافذ القادرة على دعم الاقتصاد السوري خلال المرحلة المقبلة، نظراً إلى مكانة المنتجات السورية داخل السوق العراقية، ولا سيما الألبسة والمواد الغذائية، التي تحظى بإقبال واسع بسبب أسعارها المناسبة وجودتها المقبولة.
ويرى مراقبون أن التحول الإيجابي في العلاقات السورية العراقية قد يفتح خلال الأشهر المقبلة المجال أمام تنشيط التبادل التجاري وتحريك قطاعات اقتصادية متعددة، بما قد ينعكس تدريجياً على معدلات النمو الاقتصادي وتحسين الواقع المعيشي للمواطن، إضافة إلى دعم موارد المؤسسات الحكومية وتحفيز حركة الإنتاج المحلية.