شفق نيوز- بغداد

يعود كانون الأول يناير إلى العراق كأنه توقيعٌ لا يشيخ، فهو الشهر نفسه الذي شهد انسحاب القوات الأميركية عام 2011، ليطلّ في 2025 على مشهد يشبه الماضي من بعيد، لكن تفاصيله هذه المرة أشد حساسية.

فبعد الانسحاب الأول، انزلقت البلاد تدريجياً من توترات سياسية واحتجاجات في المحافظات الغربية على حكومة نوري المالكي آنذاك إلى فراغات أمنية مهّدت لصعود تنظيم داعش عام 2014. أما اليوم، فلا يأتي القلق من الشارع وحده، بل من حدود مضطربة مع سوريا، ومن سجون تضم آلافاً من معتقلي التنظيم باتت فجأة جزءاً من معادلة السيادة والأمن في بغداد، إلى حديث عن عودة المالكي لولاية رئاسية ثالثة.

خلال أيام قليلة على إعلان الانسحاب الأميركي الجديد، وبخاصة من قاعدة عين الأسد في الأنبار، بدأ الملف الأمني يتجمّع فوق نقطة حساسة عند الشريط العراقي السوري.

في شمال شرقي سوريا، حيث تتركز سجون ومخيمات مرتبطة بعناصر داعش، اندلعت اشتباكات واسعة بين القوات الحكومية السورية وقوات سوريا الديمقراطية قسد، وهي الجهة التي لعبت لسنوات دوراً محورياً في مسك الأرض وتأمين منشآت الاحتجاز، ومع ارتباك خطوط السيطرة، تصاعدت روايات متضاربة عن محاولات فرار وفتح ثغرات في منظومة الحراسة خلال القتال وما تلاه من توتر.

وسط هذه الفوضى، أعلنت القيادة الوسطى الأميركية سنتكوم يوم الأربعاء بدء نقل معتقلي تنظيم داعش من شمال شرقي سوريا إلى العراق، "وذلك لضمان بقاء الإرهابيين في مراكز احتجاز آمنة".

الإعلان الأميركي قدّم العملية بوصفها إجراء احترازياً يضمن بقاء المعتقلين تحت السيطرة. لكنه في بغداد فتح أسئلة أكثر مما أغلق، لأن انتقال الملف إلى الداخل العراقي يعني انتقال كلفته أيضاً.

وفق ما يتردد في الأوساط العراقية، يتصل القرار بتفاهم أميركي عراقي لنقل نحو 7 آلاف معتقل من سجون شمال شرقي سوريا إلى المؤسسات الإصلاحية داخل العراق، بهدف منع تشتت العناصر في الميدان إذا تدهورت منظومة الاحتجاز هناك. وفيما تُقدَّم العملية بوصفها خطوة للحد من الخطر، يرى مراقبون أن العراق يدخل بذلك اختباراً مزدوجاً. اختبار السيطرة الأمنية، واختبار القدرة القانونية واللوجستية على إدارة ملفات شديدة التعقيد لسنوات طويلة.

"النوايا مجهولة"

ويرى الكاتب السياسي حمزة مصطفى أن ما يحدث قد يرتبط بمقاربة أميركية أوسع لإعادة رسم الوجود المسلح في المنطقة، من دون القدرة على قراءة النوايا النهائية لواشنطن.

ويرهن مصطفى في حديثه لوكالة شفق نيوز، التطورات بـ"النوايا الأميركية" غير المعروفة ولا يمكن قراءتها بشكل دقيق، ويعرج: "(قسد) هي من أبرز حلفاء واشنطن في المنطقة، والآن تخلت عنها بشكل تام وانسجمت مع الشرع، الذي كان يصنف إرهابيا في السابق، وهذا مؤشر أن واشنطن يمكن ان تتخلى عن أي حليف لها"، مستطردا: "مفاجآت ترمب غير متوقعة ولا نستبعد أي سيناريو في المنطقة".

أما ملف نقل المعتقلين إلى العراق، فيضعه مصطفى ضمن معادلة فيها مكسبٌ وخسارة في آن واحد، حيث يشير إلى أن قسماً كبيراً من هؤلاء متهمون بارتكاب جرائم داخل العراق خلال فترة سيطرة داعش عام 2014، وأن بغداد طالبت سابقاً باستلام بعضهم.

لكنه يحذر من العبء الذي سيتحمله العراق إذا أصبح ملف هؤلاء تحت ترتيبات ترتبط بالتحالف الدولي، ويقول إن السؤال لا يتوقف عند الاحتجاز بل يمتد إلى الصلاحيات والمعايير.

ومع ذلك، يلفت مصطفى إلى الجانب الذي يراه أقل خطراً على المدى القريب هو وجود المعتقلين داخل سجون الدولة، حتى لو كان مكلفاً، يقلل احتمال تحوّلهم إلى قوة طليقة على الأرض.

هذه التفاصيل أوردها لوكالة شفق نيوز مصدر أمني خاص، الذي أشار إلى أن عملية نقل المعتقلين تشمل عناصر مصنّفين ضمن "الخط الأول" في التنظيمات المتطرفة، بينهم قيادات في تنظيم داعش وأخرى مرتبطة بتنظيم القاعدة تعود ملفات بعضهم إلى سنوات مبكرة منذ 2005.

وبحسب المصدر، فإن عدداً من المنقولين متورطون بجرائم تفجير سيارات وعمليات قتل و"نحر"، كما أشار إلى تنوع الجنسيات بين شيشان وأفغان وأوروبيين إضافة إلى مصريين وسودانيين وصوماليين وآخرين من مناطق مختلفة.

وعلى المستوى الرسمي، نقل بيان للناطق باسم القائد العام للقوات المسلحة صباح النعمان أن المجلس الوزاري للأمن الوطني وافق في اجتماع طارئ وبالتعاون مع التحالف الدولي على استلام العراق معتقلين من الجنسية العراقية ومن جنسيات أخرى كانوا محتجزين في سجون كانت تحت سيطرة قسد، وإيداعهم المؤسسات الإصلاحية الحكومية. وأكد البيان أن بغداد تسلمت فعلاً الوجبة الأولى التي تضم 150 عنصراً من العراقيين والأجانب.

"مشروع إقليمي"

في قراءة أخرى، يقدم الخبير الأمني والعميد المتقاعد عدنان الكناني تفسيراً يربط ما يحدث بمشهد إقليمي أشمل.

يقول الكناني لوكالة شفق نيوز إن التطورات تأتي ضمن خطة أميركية إسرائيلية تسعى، بحسب رأيه، إلى إعادة ترتيب المنطقة عبر حروب وتوترات تُترك لتتفجر داخل الإقليم.

ويتوقع أن العراق قد يكون مقبلاً على مرحلة تصعيد أكبر، ويربط ذلك بمشروع يعتبره ثابتاً في المنطقة بينما تتغير الأدوات بحسب المستجدات، ومنها ما يجري في سوريا وصولاً، بحسب توصيفه، إلى مشروع "إسرائيل الكبرى" من البحر إلى النهر.

التوتر الأمني، تزامن مع حراك سياسي داخلي لحسم منصب رئيس الحكومة المقبلة، حيث يتحرك الإطار التنسيقي، الذي يضم الكتل الشيعية باستثناء التيار الوطني الشيعي، باتجاه طرح اسم نوري المالكي لرئاسة الحكومة لولاية ثالثة، وهو الرجل الذي انتهت ولايته السابقة باجتياح لتنظيم داعش.

هذا التزامن بين ملفين ثقيلين، السجون على الحدود وحسابات تشكيل الحكومة، يعيد إلى الذاكرة تلك اللحظة التي بدا فيها العراق قبل أكثر من عقد وكأنه يملك الوقت، قبل أن ينفرط عقد محافظاته الغربية تحديداً بشكل متتالي، واضعة البلاد أمام أعقد مرحلة بعد 2003.

هذا الأمر دفع لبروز تحفظات سياسية لدى قيادات سنية قرأت على أنها موجهة ضد فكرة إعادة المالكي. فقبل أيام من تصاعد الجدل حول اسم رئيس الحكومة المقبلة، أطلق محمد الحلبوسي تحذيراً بدا أقرب إلى رسالة مبطنة من كونه تعليقاً عابراً.

في تدوينة بتاريخ 19 كانون الثاني 2026، قال رئيس حزب تقدم إنه ينتظر ما سيصل إليه قادة الإطار التنسيقي في ترشيح المكلف، متمنياً أن يُراعى "القبول الوطني" وأن تُشكَّل حكومة مدعومة من كل المكونات "دون العودة لأيام عجاف مؤلمة من الأزمات والاضطرابات والفتن" التي ما زالت آثارها قائمة.

ورغم أن الحلبوسي لم يذكر نوري المالكي بالاسم، إلا أن العبارة فُهمت على نطاق واسع بأنها اعتراض على إعادة تدوير تجربة سياسية ترى قوى سنية أنها ارتبطت في الذاكرة العامة بتراكم أزمات انتهت بسقوط مدن بيد تنظيم داعش عام 2014.

وذهبت تقارير إلى أن موقف الحلبوسي مثّل أول اعتراض علني واضح الإشارة على ترشيح المالكي لولاية ثالثة، ضمن أجواء حديث عن صعوبة تمرير أي اسم لا يحظى بقبول سياسي واجتماعي واسع.

وفي الكواليس، لم يعد الأمر مجرد تلميح، إذ تحدثت مصادر سياسية عن تحفظات لدى قوى سنية على عودة المالكي، معتبرة أن أي خطوة بهذا الاتجاه قد تعيد فتح جروح، لا سيما في مناطق عاشت تبعات الحرب والنزوح والدمار. في المقابل، ردّ ائتلاف دولة القانون على هذه المخاوف، مؤكداً أن عودة المالكي "تحظى بإجماع" و"قبول وطني" من مكونات عراقية، نافياً وجود فيتو سياسي على ترشيحه.

ويأتي هذا السجال بينما يتزامن ملف تشكيل الحكومة مع ارتباك الحدود والسجون، ما يجعل سؤال تكرار الماضي أكثر حضوراً من مجرد استعارة سياسية.