شفق نيوز- بغداد/ أربيل/ السليمانية/ واشنطن

تحليل خاص

قبل أن تصبح قوات البيشمركة جزءاً من بنية العراق الاتحادي بعد عام 2005، كانت في الذاكرة الكوردية اسماً طويلاً للمقاومة والبقاء، فالكلمة نفسها، التي تعني في الاستخدام الكوردي "من يواجه الموت"، لم تولد من قرار حكومي أو تسوية سياسية، بل من مسار طويل من الصراع بين الحركة القومية الكوردية والدولة المركزية في العراق والمنطقة.

تعود جذور البيشمركة الحديثة إلى بدايات القرن العشرين، ثم تبلورت كقوة منظمة في الثورات والحركة الكوردية التي تصاعدت منذ خمسينيات وستينيات القرن الماضي، قبل أن تتحول بعد انتفاضة عام 1991 ثم سقوط نظام صدام حسين عام 2003 إلى مؤسسة أمنية في إقليم كوردستان، ومع إقرار الدستور العراقي عام 2005، ترسخت هذه القوات ضمن معادلة أوسع تقوم على الاعتراف بإقليم كوردستان وصلاحياته ومؤسساته الأمنية.

لهذا السبب، تقول القيادة الكوردية إنها لا تتعامل مع البيشمركة بوصفها قوة مسلحة قابلة للمقايضة، فهي في الوعي الكوردي ليست مجرد تشكيل عسكري، بل ذاكرة جماعية تشكلت في مواجهة الأنفال والقصف الكيمياوي والتهجير والحروب الداخلية، ثم في مواجهة تنظيم داعش، حين انهارت خطوط دفاع عراقية واسعة وبقيت كوردستان، إلى حد كبير، تحت حماية قواتها.

ومن هنا جاء موقف الزعيم الكوردي مسعود بارزاني الأخير حاداً في رمزيته، فبارزاني، الذي يمثل بالنسبة إلى جزء كبير من الشارع الكوردي امتداداً لتاريخ البيشمركة السياسي والعسكري، تحدث عن سلاح هذه القوات باعتباره أكثر من ترسانة عسكرية، في إشارة إلى مكانته في الوجدان الكوردي كرمز للتضحية والكرامة والضمانة التاريخية.

كيف دخلت البيشمركة معادلة الفصائل؟

هذا هو المدخل الذي غاب عن كثير من النقاش العراقي خلال الأيام الماضية، فملف "حصر السلاح بيد الدولة"، الذي عاد إلى الواجهة مع تصاعد الضغوط الأميركية والإقليمية على الفصائل المسلحة الشيعية، بدأ من سؤال يتعلق بمستقبل جماعات مسلحة مرتبطة بالقرار السياسي والعسكري خارج مؤسسات الدولة، لكنه سرعان ما تمدد في بعض الغرف السياسية إلى سؤال أكثر حساسية يتعلق بموقع البيشمركة.

وتنقل أوساط سياسية عراقية حديثاً عن مقترح يُنسب إلى السفير الأميركي لدى تركيا والمبعوث الرئاسي إلى العراق وسوريا، توم باراك، يقوم على وضع جميع التشكيلات المسلحة، بما فيها بعض الفصائل الشيعية والبيشمركة، تحت مظلة القوات العراقية وبغداد، غير أن هذا الحديث لم يتحول حتى الآن إلى موقف أميركي رسمي معلن.

ومع ذلك، بدأ الطرح يأخذ طريقه إلى النقاش الداخلي، فبعض الفصائل الشيعية الرافضة لنزع السلاح، أو المتحفظة على إخضاع قواتها بالكامل لسلطة بغداد، تحاول، وفق مسؤولين وخبراء، إدخال البيشمركة في المعادلة نفسها، عبر سؤال يبدو بسيطاً في ظاهره. إذا كان المطلوب أن يكون السلاح كله بيد الدولة، فلماذا تُستثنى قوات الإقليم؟

غير أن هذا السؤال، كما يرى مسؤولون كورد وخبراء قانونيون وأمنيون، يتجاهل الفارق بين قوة إقليمية تستند إلى صلاحيات دستورية ضمن نظام اتحادي، وبين فصائل نشأت أو تمددت في سياقات سياسية وأمنية استثنائية بعد عام 2003 وما بعد الحرب على داعش، ولا تزال محل جدل بسبب ولاءاتها السياسية والعسكرية وارتباط بعض أجنحتها بصراعات إقليمية تتجاوز القرار العراقي الرسمي.

في هذا السياق، برز خطاب بعض الفصائل بوصفه مؤشراً على محاولة نقل النقاش من ملف سلاح الجماعات المسلحة إلى مقارنة أوسع تشمل الحشد الشعبي والبيشمركة.

ويقول الشيخ ناظم السعيدي، رئيس المجلس التنفيذي لحركة النجباء، لوكالة شفق نيوز إن "المقاومة العراقية لا تضع خطوطاً حمراء بشأن ملف تسليم السلاح"، لكنه ربط أي نقاش من هذا النوع بخروج القواعد العسكرية الأجنبية من العراق، وإنهاء ما وصفه بـ"التبعية المالية والاقتصادية"، وابتعاد البلاد عن القرارات السياسية التي "تمليها السفارة الأميركية".

ويضيف السعيدي أن الفصائل التي سلمت سلاحها "نحسن الظن بها، وربما اختارت الانتقال من مشروع المقاومة إلى مشروع العملية السياسية"، مضيفاً أن حركة النجباء ترى أن السلاح لا يُسلّم "إلا للإمام المهدي" في ظل ما وصفه بالأخطار والتحديات التي تحيط بالعراق.

ثم انتقل السعيدي إلى النقطة الأكثر حساسية في الجدل، حين قال إن الضغوط تتركز على سلاح الفصائل والحشد الشعبي، بينما لا يجري الحديث عن "أسلحة الجماعات التكفيرية أو قوات البيشمركة"، على حد تعبيره.

هنا تحديداً تدخل البيشمركة في معادلة لم تصنعها أربيل، فبالنسبة إلى بعض الفصائل، تبدو الإشارة إلى قوات الإقليم وسيلة لتوسيع النقاش، أو لاتهام الضغط الأميركي والحكومي بالانتقائية، أما في أربيل، فيُقرأ هذا الربط بوصفه خلطاً متعمداً بين ملفين مختلفين في القانون والسياسة والتاريخ.

كوردستان ترد بالدستور

الخبير الأمني جبار ياور، وهو مسؤول سابق في وزارة البيشمركة ومن أبرز المتابعين للعلاقة الأمنية بين بغداد وأربيل، يقول لوكالة شفق نيوز إن الحديث عن حل قوات البيشمركة أو نزع سلاحها "لا يستند إلى أي أساس قانوني أو واقعي"، مؤكداً عدم وجود أي تصريحات رسمية أو غير رسمية، عراقية أو دولية، تدعو إلى ذلك.

ويوضح أن النقاش الحالي يتركز على فصائل محددة، بينها عصائب أهل الحق، وكتائب حزب الله العراق، وحركة النجباء، وكتائب سيد الشهداء، وكتائب الإمام علي، لا على قوات البيشمركة.

في الدستور العراقي، تمنح المادة 121 خامساً الأقاليم حق إنشاء وتنظيم قوى الأمن الداخلي، مثل الشرطة والأمن وحرس الإقليم. ومن هذا الباب، يقول ياور إن البيشمركة تندرج ضمن حرس إقليم كوردستان، أي ضمن صيغة دستورية وليست تنظيماً خارجياً أو قوة أمر واقع.

ويضيف أن أي حديث عن تغيير وضع هذه القوات لا يمكن أن يتم بقرار سياسي أو ضغط خارجي أو صفقة داخلية بين بغداد والفصائل، فالمسألة تحتاج، بحسب هذا التفسير، إلى مسار دستوري وتشريعي معقد، لأن البيشمركة ليست ملحقة بقانون اتحادي عابر يمكن تعديله بالطريقة نفسها التي يمكن بها إعادة النظر في قوانين تخص تشكيلات أخرى.

في الجانب التشريعي، تؤكد النائب في البرلمان العراقي سروة محمد الفكرة نفسها، لكنها تضعها داخل سياق سياسي مباشر. فهي تقول لوكالة شفق نيوز إن أي توجه نحو حل البيشمركة "مخالف للدستور العراقي"، ويتعارض مع طبيعة النظام الفيدرالي الذي كفل للإقليم حق امتلاك مؤسساته الأمنية الخاصة.

وتصف محمد البيشمركة بأنها قوة نظامية ودستورية تتولى حماية حدود إقليم كوردستان وأمنه واستقراره، ولا يمكن وضعها ضمن النقاشات المتعلقة بالسلاح الخارج عن مؤسسات الدولة، ففي رأيها، الخلط بين البيشمركة والفصائل لا يعالج ملف السلاح، بل يفتح باباً على أزمة دستورية بين بغداد وأربيل.

وتكشف محمد في الوقت نفسه عن وجود مبادرة مطروحة من ائتلاف دولة القانون لمعالجة ملف بعض الفصائل المسلحة عبر دمجها في المؤسسات الأمنية والعسكرية الرسمية للدولة العراقية. وتقول إن هناك حوارات واتصالات بين الحكومة العراقية وعدد من الفصائل للوصول إلى تفاهمات بشأن آليات تسليم السلاح أو دمج المقاتلين ضمن التشكيلات الرسمية.

لكنها تشدد على أن هذه المساعي تتعلق بالفصائل المسلحة خارج المؤسسات الأمنية الرسمية، لا بقوات البيشمركة. وهنا تظهر إحدى عقد الملف. فبغداد تبحث عن صيغة لضبط السلاح، فيما تخشى أربيل أن تتحول هذه الصيغة إلى باب لإعادة النظر في صلاحيات الإقليم.

واشنطن تدخل على الخط

ومن واشنطن، يقدم الباحث في الشؤون الكوردية والسياسة الخارجية الأميركية دلوفان برواري قراءة تركز على الفارق بين الضغط الأميركي على الفصائل وموقف واشنطن من البيشمركة.

ويقول برواري لوكالة شفق نيوز إن البيشمركة لا يمكن النظر إليها كقوة طارئة أو تشكيل مسلح نشأ خارج الدولة، بل كحرس إقليمي يؤدي دوراً أمنياً معترفاً به.

ويصف المقترحات الداعية إلى حل البيشمركة بأنها "غير دستورية وغير عقلانية"، لأنها تتناقض مع البنية الدستورية التي اعترف من خلالها العراق بإقليم كوردستان وبحقه في امتلاك قوات أمنية خاصة ضمن النظام الفيدرالي.

ويستحضر في هذا السياق دور البيشمركة بعد سقوط نظام صدام حسين، حين حافظ إقليم كوردستان على قدر من الأمن والاستقرار بينما كان العراق يغرق في العنف وانهيار المؤسسات. ولا يتوقف برواري عند القانون، فهو يذكر بأن البيشمركة شاركت في مواجهة تنظيمات إرهابية من القاعدة إلى داعش، وعملت إلى جانب شركاء التحالف الدولي في حماية أمن العراق والمنطقة.

أما عن الموقف الأميركي، فيستبعد برواري وجود توجه جدي داخل دوائر القرار في واشنطن نحو تفكيك البيشمركة. ويقول إنه لا يرى دليلاً موثوقاً على وجود تحرك أميركي بهذا الاتجاه، معتبراً أن هذه الأفكار أقرب إلى رسائل سياسية مرتبطة بالديناميكيات العراقية الداخلية، وتظهر غالباً في فترات التوتر بين بغداد وأربيل.

ولا يأتي هذا التقدير من باحثين سياسيين فقط، بل يردده أيضاً عسكريون أميركيون عملوا ميدانياً مع البيشمركة خلال الحرب على داعش.

ففي اتجاه مواز، يذهب المتحدث السابق باسم التحالف الدولي لهزيمة داعش، الكولونيل الأميركي المتقاعد مايلز كاجينز، إلى ما هو أبعد من رفض أطروحات حل البيشمركة، فهو لا يرى هذه القوات عبئاً على معادلة الدولة في العراق، بل شريكاً أمنياً ينبغي تعزيز قدراته.

وقال كاجينز، الذي يشغل حالياً منصب الرئيس التنفيذي لشركة "ووردز واريورز" للاستشارات والعلاقات الحكومية، إن قوات البيشمركة "قوة أمنية عريقة ومصرح بها بالكامل في الدستور العراقي"، مشدداً على دورها في حفظ الأمن الداخلي لإقليم كوردستان، وعلى كونها شريكاً موثوقاً للولايات المتحدة في محطات عسكرية مفصلية، من مواجهة نظام صدام حسين إلى الحرب ضد تنظيم داعش.

ويرى كاجينز في حديثه لوكالة شفق نيوز أن وجود قوات أمنية مؤسسة محلياً ومصرح بها اتحادياً أمر تفرضه الجغرافيا والتاريخ واللغة وثقافة الشعب العراقي.

كما دعا الولايات المتحدة والدول الحليفة إلى زيادة حضورها وتعميق شراكتها مع البيشمركة ورفع مستوى تسليحها، خصوصاً في مجال التكنولوجيا والتدريب على مكافحة الطائرات المسيرة.

وهنا تلتقي قراءة كاجينز العسكرية مع قراءة برواري السياسية عند نقطة واحدة، فواشنطن، على الأقل في تقدير شخصيات قريبة من ملفاتها الأمنية والكوردية، لا تنظر إلى البيشمركة كقوة ينبغي تفكيكها، بل كشريك يحتاج إلى تنظيم وتطوير وتسليح أكثر فاعلية، خصوصاً في بيئة عراقية وإقليمية تتزايد فيها مخاطر المسيّرات والجماعات المسلحة العابرة لسلطة الدولة.

استرضاء الفصائل أم تقوية مركز؟

ومن زاوية بحثية دولية، تستبعد كبيرة محللي الشأن العراقي في مجموعة الأزمات الدولية، لهيب هيجل، أن تكون هناك ضغوط أميركية فعلية لحل قوات البيشمركة أو دمجها ضمن القوات الاتحادية. لكنها ترجح أن يكون الطرح أقرب إلى مناورة سياسية داخلية مرتبطة بتوازنات القوى في بغداد، أكثر من كونه توجهاً أميركياً واضحاً.

وتقول هيجل، المتخصصة في شؤون السياسة والحكم والأمن في العراق، لوكالة شفق نيوز إن واشنطن لا تبدو بالضرورة في موقع الدفع بهذا الاتجاه. فالتلويح بدمج البيشمركة، وفق قراءتها، قد يكون محاولة من الحكومة الاتحادية لاسترضاء الفصائل الموالية لإيران التي تواجه ضغوطاً بشأن ملف السلاح، عبر تقديم معادلة تقول إن الإجراء لا يستهدف طرفاً واحداً، بل يشمل كل القوات التي لا تخضع مباشرة لسيطرة بغداد.

هذه القراءة تضيء جانباً حساساً من السجال، فإدخال البيشمركة في ملف نزع سلاح الفصائل قد لا يكون نابعاً من قناعة قانونية بوجوب حلها، بقدر ما يكون محاولة سياسية لتخفيف اعتراض الفصائل، وإظهار بغداد وكأنها تتعامل مع الملف بمعيار واحد، غير أن هذا المعيار الواحد يصطدم، في نظر أربيل، بفارق جوهري بين قوات تستند إلى وضع دستوري داخل إقليم اتحادي، وتشكيلات مسلحة يجري التفاوض على إدماجها أو ضبط سلاحها داخل الدولة.

وتحذر هيجل من أن مثل هذا الطرح سيترك آثاراً مباشرة على العلاقة بين المركز والإقليم، وقد يعمق الخلاف داخل البيت الكوردي نفسه، بين الحزب الديمقراطي الكوردستاني والاتحاد الوطني الكوردستاني، في ظل الانقسام القائم أصلاً داخل بنية قوات البيشمركة ومسار إصلاحها.

وهنا يبرز عامل آخر يجعل ملف البيشمركة أكثر حساسية، وهو الانقسام الداخلي في بنيتها العسكرية، وهي نقطة يرى بعض الباحثين أنها تمنح خصوم الإقليم في بغداد مساحة إضافية لاستخدام الملف سياسياً.

الباحث في العلوم السياسية بجامعة بوسطن الأميركية ياسر كوتي يشير إلى مؤشرات على توجه أميركي لتقوية حكومة المركز في بغداد، لكنه يلفت في الوقت نفسه إلى أن الانقسام الحالي داخل هيكلية البيشمركة يمنح بعض الأطراف حجة إضافية.

ويقول كوتي لوكالة شفق نيوز إن القوات لا تزال، في جزء من بنيتها، متأثرة بالانقسام التاريخي بين الحزب الديمقراطي الكوردستاني والاتحاد الوطني الكوردستاني، وهو ملف تعمل أربيل وشركاؤها الغربيون منذ سنوات على معالجته عبر إصلاح وزارة البيشمركة وتوحيد الوحدات.

ويرى أن فكرة دمج البيشمركة تحت عباءة القوات الاتحادية قد تكون مدفوعة أيضاً بضغوط من قوى سياسية عراقية أخرى. فالقوى التي تطالب اليوم بإخضاع فصائلها لسلطة الدولة قد تطرح ملف البيشمركة كشرط مواز أو كورقة توازن سياسي وأمني، بمعنى أنها تقول لبغداد وواشنطن إن معالجة السلاح يجب ألا تستثني أحداً.

لكن هذا المنطق، كما يقول معارضوه، يخلط بين مشكلتين مختلفتين. الأولى تتعلق بسلاح خارج القرار الرسمي أو مرتبط بأحزاب وفصائل، والثانية تتعلق بقوة إقليمية قائمة ضمن نظام فيدرالي أقره الدستور. وهذا لا يعني أن البيشمركة بلا مشكلات داخلية أو إصلاحات ضرورية، لكنه يعني أن باب الإصلاح يختلف عن باب الحل أو النزع أو الدمج القسري.

السياق الإقليمي وضغط السلاح

الباحث في الدراسات الاستراتيجية العراقية والإقليمية الدكتور كاظم ياور يضع الملف في سياقه الأوسع. فهو يقول لوكالة شفق نيوز إن حصر السلاح بيد الدولة من أبرز الملفات التي تضمنها البرنامج الحكومي، لكنه ليس جديداً. غير أن التطورات الإقليمية الأخيرة والحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران أعادته إلى واجهة النقاش السياسي والإعلامي.

ويضيف أن واشنطن طالبت بشكل علني بتطبيق مبدأ حصر السلاح بيد الدولة، ما جعل الملف محل نقاش واسع في الأوساط الرسمية والإعلامية والشعبية، فضلاً عن ترقب أميركي وخليجي لما قد يترتب على نشاط الفصائل المسلحة وتأثيره على المصالح الأميركية والخليجية.

وبحسب ياور، أبدت بعض الفصائل استعدادها لتسليم أسلحتها، بينما تحاول فصائل أخرى ربط الملف بوجود البيشمركة في إقليم كوردستان. لكنه يرى أن هذا الربط "لا يستند إلى أسس دستورية أو قانونية".

ويشرح أن المادة 121 خامساً من الدستور منحت إقليم كوردستان صلاحيات إدارية وتنظيمية تتيح له إنشاء مؤسسات لإدارة شؤونه، ومنها المؤسسات الأمنية التابعة لحكومة الإقليم. كما أن برلمان كوردستان شرع قانون وزارة البيشمركة رقم 19 لسنة 2007، الذي نظم عمل ما يعرف بحرس الإقليم ضمن إطار قانوني واضح.

كما يقارن بين البيشمركة والحشد الشعبي من زاوية القانون. فالحشد تشكل في ظروف استثنائية ثم صدر قانون لتنظيمه عام 2016، وهو قانون يمكن مراجعته أو تعديله وفق الآليات الدستورية الاتحادية. أما البيشمركة، فيرى أن وضعها مرتبط بصلاحيات الإقليم وبالدستور، ما يجعل حلها أو دمجها الكامل مع تشكيلات أخرى أمراً غير ممكن إلا عبر تعديل دستوري أو تشريع يصدر عن برلمان إقليم كوردستان.

ومن خارج العراق، يقدم الباحث والمحلل السياسي الكوردي من سوريا شفان إبراهيم قراءة أكثر حدة، تعكس حساسية الشارع الكوردي من هذا النوع من الطروحات. فهو يرى أن الحديث عن شمول البيشمركة بمساعي حصر السلاح يكشف نظرة بعض الأطراف إلى الكوردي بوصفه "الآخر المعادي" أو الخطر الدائم على الدولة.

ويقول إبراهيم إن مساواة البيشمركة بالفصائل التي "عاثت فساداً وخراباً ودماراً في العراق ودول الجوار" تمثل ظلماً تاريخياً وسياسياً، "لأن البيشمركة، لم تشكل خطراً على دول الجوار، ولم تقصف دول الخليج، ولم تتسبب بأذى للمدنيين أو السياسيين، بل حمت كوردستان وملايين النازحين واللاجئين، وبينهم عرب عراقيون وسوريون فروا من داعش والفصائل والميليشيات".

ويضيف أن "البيشمركة كانت القوة التي حمت قادة عراقيين في بدايات تشكيل مجلس الحكم الانتقالي ومجلس النواب، وساهمت في حماية الموصل ومناطق أخرى، وشاركت بفعالية في الحرب ضد داعش". وبرأيه، فإن طرح حل هذه القوات سيحمل العراق إلى واحدة من أكبر أزماته الوطنية، لأنه سيظهر كعودة إلى نموذج الحكم المركزي الذي يمنح السلطة الاتحادية كل أدوات القوة ويفتح الباب أمام تكرار الاستبداد.

ويستحضر إبراهيم المقارنة مع سوريا، حيث يدور نقاش مختلف حول قوات سوريا الديمقراطية وإعادة دمجها في مؤسسات الدولة السورية. لكنه يرى أن المقارنة لا تستقيم. فقسد نشأت في سياق حرب أهلية ودولة مركزية منهارة، بينما إقليم كوردستان كيان اتحادي معترف به في الدستور العراقي وله مؤسسات منتخبة وقوانين محلية وقوات أمنية منصوص على حق الإقليم في إنشائها وتنظيمها.

في المحصلة، لا يبدو السجال حول موقع البيشمركة نقاشاً تقنياً في آليات حصر السلاح بيد الدولة، بقدر ما يعكس اختباراً سياسياً ودستورياً لطبيعة العراق بعد عام 2003، فمحاولة إدخال قوات الإقليم في معادلة نزع السلاح، وإن بدت في ظاهرها سعياً إلى تخفيف الضغط أو فرض توازن تفاوضي، تصطدم بفارق جوهري بين قوة إقليمية تستند إلى الدستور وتاريخ طويل من الصراع والحماية، وبين تشكيلات مسلحة يجري البحث عن موقعها داخل الدولة أو خارجها.

وبين بغداد التي تسعى إلى تثبيت مركزية القرار الأمني تحت ضغط داخلي وخارجي، وأربيل التي ترى في أي مساس بالبيشمركة تهديداً للشراكة الاتحادية وضماناتها، يتحول ملف السلاح إلى أحد أكثر اختبارات الدولة العراقية حساسية، بهذا المعنى، فإن أي معالجة تتجاهل هذا التمايز قد لا تقود إلى ضبط السلاح، بل إلى فتح أزمة دستورية جديدة بين بغداد والإقليم.