شفق نيوز- بغداد

في الأزقة التجارية المكتظة ببغداد، وتحديداً في أسواق الشورجة وجميلة، تنمو يومياً سوق مالية موازية بعيدة عن أعين المؤسسات الرسمية.

هناك، لا يحتاج المواطن إلى معاملات مصرفية معقدة أو كفيل أو انتظار طويل للحصول على المال، بل يكفي اتصال هاتفي أو توصية من وسيط محلي للحصول على قرض نقدي فوري، مقابل فوائد مرتفعة وشروط قد تتحول لاحقاً إلى كابوس اجتماعي ونفسي.

هذه الظاهرة، التي باتت تُعرف شعبياً بقروض الربا، لم تعد حالات فردية أو محدودة، بل تحولت إلى نظام ائتماني غير رسمي يدير جزءاً واسعاً من السيولة النقدية خارج رقابة الدولة.

وبينما تعجز المصارف الرسمية عن استيعاب الشرائح الفقيرة وذوي الدخل المحدود، تتوسع شبكات الإقراض الشعبية لتملأ الفراغ، مستفيدة من البطالة وارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القوة الشرائية.

ويرى مختصون أن اتساع هذا السوق يعكس اختلالاً هيكلياً عميقاً في النظام المالي العراقي، حيث يجد آلاف المواطنين أنفسهم مضطرين للجوء إلى المرابين لتغطية نفقات العلاج أو الزواج أو الإيجار أو حتى الاحتياجات اليومية.

اقتصاد موازٍ

وفي هذا السياق، يؤكد الباحث في الشأن الاقتصادي، أحمد عيد، أن العراق شهد خلال السنوات الأخيرة توسعاً ملحوظاً في ما يمكن تسميته بسوق الائتمان الشعبي، وهو نظام مالي غير رسمي نشأ نتيجة الاختلالات البنيوية في القطاع المصرفي وضعف الشمول المالي وارتفاع معدلات البطالة والفقر.

ويضيف عيد لوكالة شفق نيوز، أن هذا السوق يعتمد على شبكات إقراض خارج الرقابة الرسمية، تقدم قروضاً سريعة للمواطنين مقابل فوائد مرتفعة وشروط قاسية، خصوصاً في المناطق التجارية والشعبية مثل الشورجة وجميلة.

وبحسب مراقبين، فإن سهولة الوصول إلى هذه القروض مقارنة بالإجراءات المصرفية التقليدية جعلتها الخيار الأسرع للفئات الهشة، رغم الكلفة الباهظة التي يدفعها المقترض لاحقاً.

وغالباً ما تُفرض فوائد شهرية متراكمة تؤدي إلى تضاعف أصل الدين خلال فترات قصيرة، ما يدخل المقترضين في دوامة يصعب الخروج منها.

ويحذر عيد من أن خطورة هذه الظاهرة لا تكمن فقط في الجانب الاقتصادي، بل في تداعياتها الاجتماعية أيضاً، إذ تحولت الديون في كثير من الحالات إلى مصدر ضغط نفسي وتفكك أسري ومشكلات قانونية وعشائرية، خاصة مع عجز بعض المقترضين عن السداد نتيجة تراجع الدخول وغياب الحماية القانونية.

ويشير إلى أن توسع الإقراض غير الرسمي يعكس وجود فجوة حقيقية بين المواطنين والمؤسسات المصرفية الرسمية، التي ما تزال غير قادرة على تلبية احتياجات الشرائح الفقيرة وذوي الدخل المحدود.

ويشدد على أن معالجة هذه الظاهرة تتطلب إصلاحاً مصرفياً حقيقياً، وتوسيع أدوات التمويل الصغير، وتعزيز الشمول المالي، إلى جانب فرض رقابة قانونية على شبكات الإقراض غير الرسمية التي باتت تدير جزءاً واسعاً من السيولة النقدية خارج المنظومة الاقتصادية للدولة.

الاستغلال المالي

بدورها، تحذر الباحثة الاجتماعية، رقية سلمان، من تفاقم ظاهرة العوز والفقر بين بعض العائلات، وما يرافقها من لجوء خطير إلى القروض الربوية التي تستنزف دخل الأسر وتزيد من معاناتها الاجتماعية والنفسية.

وتقول سلمان لوكالة شفق نيوز، إن الظروف الاقتصادية الصعبة وارتفاع تكاليف المعيشة دفعت العديد من المواطنين إلى البحث عن حلول سريعة، الأمر الذي جعل بعضهم يقع ضحية للربا والاستغلال المالي، مؤكدة أن هذه الظاهرة باتت تهدد استقرار العائلات وتفككها.

وترى أن الحاجة الاقتصادية تحولت لدى كثير من الأسر إلى مدخل للاستغلال، خصوصاً في ظل غياب شبكات حماية اجتماعية فعالة أو برامج تمويل صغيرة قادرة على دعم الفئات المتعففة.

فكثير من المقترضين، بحسب ناشطين اجتماعيين، يبدأون بقرض صغير لتغطية احتياجات طارئة، ثم يجدون أنفسهم مضطرين للاقتراض مجدداً لتسديد الفوائد المتراكمة.

وتضيف سلمان أن الحاجة لا ينبغي أن تدفع الإنسان إلى أبواب قد تزيد أزمته تعقيداً، داعية الجهات المعنية ومنظمات المجتمع المدني إلى دعم الأسر المتعففة وتوفير فرص عمل ومساعدات حقيقية تخفف من حدة العوز وتمنع انتشار الديون الربوية.

وتبين أن التكافل الاجتماعي والتوعية المالية يمثلان خط الدفاع الأول لحماية المجتمع من آثار الفقر والاستغلال، مشيرة إلى أهمية نشر ثقافة التعاون والمشاريع الصغيرة بدل الاعتماد على القروض ذات الفوائد المرتفعة.

البعد الديني والأخلاقي

من جانبه، يرى رجل الدين الشيخ نور الساعدي أن مسألة الربا تعدّ من المحرمات المغلظة والقطعية في الشريعة الإسلامية، مشيراً إلى أن الروايات الواردة عن أهل البيت تصف الربا بأنه "مفسد للاقتصاد ومدمر للعلاقات الاجتماعية".

ويؤكد الساعدي لوكالة شفق نيوز، أن حرمة الربا ثابتة ومطلقة، لكنه يفرّق بين المقترض المضطر والمقرض المستغل، موضحاً أن الإثم قد يرتفع عن المقترض في حالات الاضطرار القصوى، بينما تبقى مسؤولية المقرض قائمة لأنه استغل حاجة الناس وفقرهم.

ويشدد على أن الربا لا يمثل حلاً اقتصادياً أو شرعياً للأزمات، داعياً إلى تفعيل بدائل تقوم على القرض الحسن والتكافل الاجتماعي.

وفيما يتعلق بمسؤولية مواجهة هذه الظاهرة، يحمّل الساعدي التجار ورجال الدين والدولة أدواراً متكاملة، تبدأ من تأسيس صناديق إقراض غير ربوية وتمر بالتوعية بخطورة الربا، وصولاً إلى تشريع قوانين صارمة تجرّم القروض الشعبية غير القانونية وتحمي الفئات الفقيرة من الاستغلال.

لماذا تفشل المصارف الرسمية؟

ورغم إعلان البنك المركزي العراقي عن مبادرات تمويلية وقروض ميسرة خلال السنوات الماضية، إلا أن شريحة واسعة من المواطنين ما تزال بعيدة عن النظام المصرفي الرسمي، بسبب التعقيدات الإدارية وضعف الثقة بالمصارف واشتراطات الكفالات والروتين الطويل.

ويقول مختصون إن المصارف العراقية لم تنجح حتى الآن في بناء نظام تمويل مرن يستجيب لحاجات أصحاب الدخل المحدود والعاملين في القطاع غير المنظم، وهو ما خلق فراغاً ملأته شبكات الإقراض غير الرسمية بسرعة كبيرة.

كما أن الاعتماد الواسع على الاقتصاد النقدي في العراق وضعف الثقافة المصرفية ساهما في ترسيخ هذا النمط من التعاملات، لتتحول الأسواق الشعبية إلى مراكز تمويل غير معلنة تدير حركة مالية ضخمة دون رقابة ضريبية أو قانونية.

كما أن آثار هذه الظاهرة لا تقف عند حدود الخسائر المالية، بل تمتد إلى البنية الاجتماعية نفسها، وبحسب متابعين، تسببت الديون المتراكمة في تصاعد النزاعات العائلية، وحالات التفكك الأسري، فضلاً عن لجوء بعض الدائنين إلى أساليب ضغط وتهديد غير قانونية لتحصيل الأموال.

وفي بعض المناطق، تحولت الديون إلى قضايا عشائرية قد تتطور إلى نزاعات معقدة، خصوصاً مع غياب عقود قانونية واضحة أو حماية قضائية للمقترضين.

كما يحذر اقتصاديون من أن توسع الاقتصاد الموازي يضعف قدرة الدولة على ضبط حركة السيولة ومراقبة النشاط المالي، ما يخلق بيئة خصبة لغسل الأموال والتهرب الضريبي ويعمّق أزمة الثقة بين المواطن والمؤسسات الرسمية.