شفق نيوز- كربلاء/ النجف/ بغداد

أعلن المقر المسيطر لزيارة أربعينية الإمام الحسين في مكتب القائد العام للقوات المسلحة، يوم الاثنين، ارتفاع عدد الزائرين الوافدين إلى العراق منذ الأول من شهر محرم إلى 4,887,660 زائراً، مع استمرار تدفق الزائرين من مختلف الدول للمشاركة في مراسم الأربعين، فيما تتواصل الخطط الأمنية والخدمية لتأمين حركة الوافدين عبر المنافذ الحدودية والمحاور الرئيسة.

ويستقبل العراق سنوياً ملايين الزائرين القادمين من داخل البلاد وخارجها لإحياء المناسبات الدينية، وفي مقدمتها زيارة أربعينية الإمام الحسين في مدينة كربلاء، إلى جانب الزيارات المرتبطة بالمراقد الدينية في النجف والكاظمية وسامراء.

وتمثل هذه المدن مراكز رئيسية للسياحة الدينية في العراق، لما تضمه من مراقد وأماكن مقدسة تستقطب زائرين من عشرات الدول، خصوصاً إيران ولبنان وباكستان وأفغانستان ودول الخليج وأوروبا.

ومع تزايد أعداد الوافدين، تحولت المواسم الدينية إلى محرك اقتصادي موسمي ينعش قطاعات النقل والإيواء والمطاعم والأسواق والخدمات، إلا أن الجدل لا يزال قائماً حول مدى استفادة الاقتصاد المحلي من هذه الحركة، في ظل اعتماد واسع على الخدمات المجانية التي تقدمها المواكب الحسينية وضعف التنظيم الاقتصادي للقطاع.

زحام وعوائد محدودة

وفي هذا السياق، يرى نائب رئيس رابطة فنادق محافظة كربلاء، أزهر الكلش، أن الحرب الإقليمية أثرت بشكل واضح على موسم الزيارة الحالية، لافتاً إلى تراجع أعداد الزائرين الأجانب نتيجة تأخر منح التأشيرات وتعطل حركة الطيران، وهو ما انعكس بصورة مباشرة على القطاع الفندقي الذي واجه ظروفاً أصعب مقارنة بالموسم السابق.

ويقول الكلش لوكالة شفق نيوز، إن المشكلة لا ترتبط بالظروف الطارئة فقط، بل تعود أيضاً إلى ضعف التخطيط في ملف استقطاب الزائرين، سواء عبر آليات منح التأشيرات أو تسهيل إجراءات الدخول، فضلاً عن محدودية قدرات قطاع النقل الجوي، داعياً إلى تطوير أسطول الناقل الوطني وزيادة جاهزية خدمات النقل لاستيعاب أعداد الوافدين.

ويضيف أن منح التأشيرات المجانية يحتاج إلى إعادة تنظيم، إذ ينبغي استخدامها كأداة لتحفيز حركة الزائرين خلال فترات الركود، وليس خلال مواسم الذروة، معتبراً أن السياسة الحالية تحد من العوائد الاقتصادية التي يمكن أن تحققها الزيارات المليونية.

ويؤكد الكلش أن السياحة الدينية لا تقتصر على بعدها الروحي، بل تمثل فرصة لتنشيط الأسواق والتجارة والقطاعات الخدمية، إلا أن ضعف الإدارة وغياب استراتيجية طويلة الأمد خلال العقود الماضية حالا دون تحويل هذا الزخم البشري إلى مورد اقتصادي قادر على منافسة مصادر الدخل التقليدية، وفي مقدمتها النفط.

تراجع الإنفاق الأجنبي

من جهته، يقول رئيس جمعية الفنادق في النجف، صائب أبو غنيم، إن الزيارات الدينية تمثل مورداً مهماً للاقتصاد المحلي، لكنها لم تحقق خلال الموسم الحالي العوائد المتوقعة بسبب عوامل إقليمية واقتصادية أثرت على حركة الزائرين.

ويوضح أبو غنيم لوكالة شفق نيوز، أن الاقتصاد المحلي في النجف يعتمد بدرجة كبيرة على الزائر الإيراني، مشيراً إلى أن نحو 80% من نشاط المطاعم والنقل والسكن يرتبط بهذه الفئة خلال مواسم الزيارة.

ويضيف أن تراجع القدرة الشرائية للزائر الإيراني بسبب الظروف الاقتصادية وانخفاض قيمة العملة، إلى جانب تأثير التوترات الإقليمية وارتفاع تكاليف السفر، أدى إلى انخفاض الإنفاق على الفنادق والأسواق.

ويشير إلى أن أعداد الزائرين القادمين من لبنان وبعض الدول الأخرى كانت محدودة أيضاً، فيما أثرت ارتفاعات أسعار تذاكر الطيران والظروف الأمنية الإقليمية على حركة الزائرين القادمين جواً.

ويقول أبو غنيم إن معظم الزائرين خلال مواسم الزيارات عموماً يعتمدون على الخدمات المجانية التي تقدمها المواكب والجهات الخدمية، وتشمل الطعام والسكن والنقل، الأمر الذي يحد من استفادة قطاعات الفنادق والمطاعم والأسواق مقارنة بحجم أعداد الوافدين.

مليارات تنعش الأسواق

بدوره، يرى الخبير الاقتصادي، كريم الحلو، أن المناسبات الكبرى، سواء كانت دينية أو ثقافية أو رياضية، تمثل فرصة اقتصادية لأي مدينة تستضيفها، مشيراً إلى أن التجارب الدولية وآخرها كأس العالم 2026 أظهرت قدرة هذه الفعاليات على خلق عوائد كبيرة للقطاع الخاص.

ويقول الحلو لوكالة شفق نيوز، إن زيارة الأربعين تحرك دورة اقتصادية واسعة تشمل المواد الغذائية والنقل والصناعات المرتبطة بالخدمات، مثل تجهيز الخيم والكراسي والمستلزمات اللوجستية.

ويضيف أن مليارات الدنانير تتحرك خلال فترة الزيارة التي تمتد لنحو 15 إلى 20 يوماً، وتشمل قطاعات المخابز والمطاعم والأسواق واللحوم والدواجن والمواد الغذائية والخدمات المختلفة.

ويبين أن جزءاً كبيراً من الخدمات يقدم مجاناً عبر المواكب الحسينية، ما يجعل العائد المباشر للدولة والقطاع التجاري أقل من حجم الإنفاق الفعلي، لكنه أكد أن الحركة الاقتصادية تنعكس على المحافظات من خلال تنشيط الإنتاج والتجارة وسلاسل التوريد.

ويتابع إن الزخم الأكبر يتركز في كربلاء والنجف، لكنه يمتد إلى محافظات أخرى توفر المواد الغذائية والخدمات اللازمة للزيارة.

العطاء والاستثمار

وتشير تقديرات اقتصادية سابقة إلى أن السياحة الدينية في العراق تمتلك قدرة على تحقيق عوائد أكبر في حال جرى تنظيمها ضمن إطار اقتصادي متكامل، خصوصاً مع وصول أعداد الوافدين إلى ملايين سنوياً.

وكانت بيانات عراقية قد أشارت إلى أن العراق استقبل نحو 10 ملايين وافد خلال عام 2025، وأن أكثر من 85% منهم كانوا من زوار العتبات الدينية، فيما قدرت بعض التقديرات حجم الإنفاق المرتبط بالسياحة الدينية بمئات الملايين من الدولارات، مع إمكانية وصوله إلى مليارات في حال تطوير القطاع.

ويرى مختصون أن التحدي لا يتعلق بقدرة الزيارات الدينية على تحريك الاقتصاد، بل بآليات تحويل هذا النشاط الموسمي إلى مورد اقتصادي مستدام عبر تطوير البنى التحتية، وتنظيم قطاع السفر والسياحة، وزيادة الطاقة الفندقية، وتحسين إدارة المنافذ الحدودية.

وفي هذا السياق، أثارت رابطة شركات السفر والسياحة العراقية، أمس الأحد، بشأن منح 15 ألف زائر أفغاني تأشيرات دخول إلى العراق مجاناً عبر جهات غير مرخصة سياحياً، معتبرة أن تنظيم عمليات الاستقدام يمثل شرطاً أساسياً لحماية القطاع الخاص وضمان دخول النشاط السياحي ضمن الاقتصاد الرسمي.

وكانت وزارة الخارجية العراقية قد اعتمدت خلال السنوات الماضية إجراءات لتسهيل دخول الزائرين، من بينها منح سمات دخول مجانية لزائرين من بعض الدول مثل باكستان ولبنان وأفغانستان واليمن، عبر الشركات السياحية المسجلة لدى هيئة السياحة العراقية.