شفق نيوز- بغداد
شهد العراق بعد عام 2003، تحولات أمنية وسياسية واقتصادية وإعلامية غير مسبوقة، عقب سقوط نظام حزب البعث بزعامة صدام حسين.
ففي التاسع من نيسان/ أبريل قبل 23 عاماً، شكل دخول الدبابات الأميركية إلى قلب العاصمة العراقية بغداد، لحظة فاصلة في تاريخ البلاد، أنهت 35 عاماً من الحكم الديكتاتوري، وفتحت الباب أمام مرحلة جديدة مليئة بالتحديات والفرص على حد سواء.
ومنذ ذلك التاريخ، واجه العراقيون صدمة كبرى في أمنهم الوطني، إذ تم حل الجيش العراقي ووزارتي الدفاع والداخلية، ما تسبب في فراغ أمني أدى إلى ظهور جماعات مسلحة وتنظيمات إرهابية مثل "القاعدة" ثم "داعش".
وعلى الصعيد السياسي، تحولت البلاد من نظام شمولي إلى تعددية هشة، عكستها الصراعات بين القوى السياسية وانقسامات المجتمع العراقي، وأثرت على الهوية الوطنية، بحسب سياسيين.
كما أن الاقتصاد لم يسلم من هذه التحولات، فبينما انتقل من مرحلة الحصار - الذي استمر قرابة 13 عاماً - إلى مرحلة الانفتاح، أصبح يعتمد بشكل شبه كامل على النفط.
وجعل هذا الاقتصاد الريعي، العراقيين رهينة لتقلبات الأسواق العالمية والعوامل الجيوسياسية الإقليمية، كما حصل مؤخراً في تداعيات الحرب الأميركية-الإيرانية وإغلاق مضيق هرمز الذي يعد شرياناً لتصدير النفط العراقي.
أما في الإعلام، فقد شهد العراق تحولاً جذرياً من إعلام مركزي موحد إلى فضاء إعلامي متنوع، تقنياً ومحتوى، لكنه ظل يعاني من الضعف المهني والتأثير السياسي الطائفي، وهو ما يؤكده الباحث الأكاديمي الدكتور حيدر شلال في قراءته للمشهد الإعلامي العراقي.
الواقع السياسي
ولتقييم التحولات التي طرأت على النظام السياسي العراقي بعد سقوط الديكتاتورية، يؤكد سياسيون أن "المشهد السياسي بعد 2003 كان مرحلة انتقالية صعبة"، كما يصف ذلك فهد الجبوري، القيادي في تيار الحكمة بزعامة عمار الحكيم، المنضوي ضمن الإطار التنسيقي الذي يجمع القوى السياسية الشيعية الحاكمة في البلاد.
ويقول الجبوري لوكالة شفق نيوز، إن "الأحداث التي جرت بعد 2003 وحتى اليوم عن طبقة سياسية ونظام سياسي وطبقة شعبية وعامة الناس، ومنذ خمس دورات انتخابية شارك فيها جزء من الشارع العراقي في اختيار ممثليه، كانت مليئة بالتحديات، من نظام دكتاتوري قمعي إلى مرحلة ديمقراطية غير منضبطة، نتج عنها مشاكل كبيرة وأزمات مستمرة."
وبحسب الجبوري، فإن الجماعات السياسية التي تشكلت بعد الغزو، أدت إلى انقسامات حادة انعكست على الهوية الوطنية، قائلاً: "فقد جزء من الشعب العراقي هويته الوطنية، وبرزت هويات بديلة، طائفية وعرقية وحزبية، انعكست في مواقع التواصل الاجتماعي التي أصبحت ساحة لتسقيط الآراء، بين من يوصف بـ(الوطنجي) وآخر يسمي المعترض بـ(الذيل) أو (العميل)".
ويشير إلى أن هذه الفوضى السياسية "الطبيعية" بعد سنوات طويلة من القمع تحتاج إلى تقنين تدريجي لإعادة الدولة إلى دورها المركزي، مبيناً: "نحن الآن في منتصف الطريق لصياغة معادلة أساسية، وهي أن تكون الدولة الراعية والمسؤولة عن كل التفاصيل، وهناك قوى سياسية تدعم هذا المفهوم، لكن في المقابل هناك قوى أخرى ترى من مصلحتها إضعاف الدولة وإخفاء وجودها."
التحولات الأمنية
وعلى الصعيد الأمني، واجه العراق تحديات هائلة منذ اليوم الأول للغزو، بدأت بخطأ استراتيجي كبير أصدره الحاكم المدني الأميركي بول بريمر، بحل الجيش العراقي ووزارتي الدفاع والداخلية، وتسريح نحو 400 ألف جندي، وهذا القرار بحسب الخبير العسكري علي المعماري، كان السبب الرئيس لفوضى السنوات الأولى.
ويوضح المعماري لوكالة شفق نيوز، أن "قرار بريمر كان جائراً، إذ ترك العراق في حالة من القلق الأمني وعدم الاستقرار، ما أدى إلى ظهور الجماعات المسلحة والإرهاب الطائفي والانقسامات القومية"، مؤكداً أن "العراق بحاجة اليوم إلى سياسة وطنية عابرة للعقائدية لضمان سيادته واستقرار البلاد أمنياً."
ويلفت الخبير العسكري، إلى أن ظهور تنظيمات مثل "القاعدة" لاحقاً، ثم "داعش"، كشف عن هشاشة المؤسسات الأمنية في تلك المرحلة، وأدى إلى صراع مسلح دام سنوات، كان للمواطن العراقي نصيب فيه من الخوف والمعاناة.
ويؤكد أن "مرحلة فرض الدولة على الجميع هي المرحلة المقبلة، بعد طي صفحة تحديات (داعش) والانفلات الأمني، على أن تأخذ الدولة مكانها الطبيعي في النظام السياسي البرلماني كما منصوص عليه في الدستور."
الاقتصاد العراقي
أما من الجانب الاقتصادي، فقد انتقل الاقتصاد العراقي بعد 2003 من الحصار والعقوبات إلى مرحلة جديدة، لكنها لم تحقق الطموحات المرجوة، بحسب الخبير الاقتصادي مصطفى الفرج.
ويوضح الفرج لوكالة شفق نيوز، أن "الاقتصاد لم يتحول من الحصار إلى الانفتاح فقط، بل أصبح يعتمد بشكل شبه كامل على النفط"، لافتاً إلى أن "أي حديث عن الإصلاح مرتبط بثلاثة محاور، تبدأ بفك ارتباط الموازنة بأسعار النفط، ثم تنويع مصادر الدخل، وصولاً إلى بناء مؤسسات اقتصادية حقيقية."
ورغم أن العراق يمتلك موارد هائلة، لكنه يعاني من بطالة مرتفعة وضعف الخدمات وهشاشة مالية، وفقاً للخبير الاقتصادي، مؤكداً أن "الاعتماد الأحادي على النفط يجعل الاقتصاد رهينة لتقلبات الأسعار والعوامل الجيوسياسية، فيما غياب قطاعات الإنتاج الأخرى مثل الزراعة والصناعة أدى إلى تضخم القطاع العام على حساب الإنتاج الحقيقي."
كما يشير الفرج إلى تحد آخر ناشئ من الانفتاح على الاستيراد بعد 2003، قائلاً إن "هذا الانفتاح فتح شهية التجار والدول المجاورة على حساب المنتج المحلي، مما يزيد من هشاشة الاقتصاد العراقي رغم الموارد الضخمة."
التحولات الإعلامية
ولم تقتصر تأثيرات التحول قبل 23 عاماً على السياسة والأمن والاقتصاد فحسب، بل امتدت لتشمل الإعلام الذي شهد هو الأخر تحولاً جذرياً بعد 2003، وفق أستاذ الإعلام الدكتور حيدر شلال.
ويوضح شلال لوكالة شفق نيوز، أن "الإعلام انتقل من مركزي موجه إلى فضاء تعددي مفتوح، وتعددت الوسائل وتنوعت الخطابات، لكنها عانت من ضعف التنظيم المهني والتشريعي، ما جعل الإعلام ساحة صراع بين القوى السياسية والدينية والاجتماعية، مع التأثير على مصداقية المحتوى."
وساهم تطور التكنولوجيا في صعود الإعلام الرقمي، وجعل الجمهور فاعلاً في صناعة المحتوى، إلا أن ضعف المهنية وانتشار خطاب الكراهية بقي تحدياً، بحسب شلال، مؤكداً: "لا يزال هناك حاجة لبناء إعلام مهني متوازن يجمع بين الحرية والمسؤولية، ويهدئ النفوس بدل أن يروعها."
السياق الإقليمي
من جهته، يقدم أستاذ العلوم السياسية في الجامعة المستنصرية، عصام الفيلي، رؤية استراتيجية أوسع تربط كل التحولات المحلية بالتحولات الإقليمية والإعلامية، قائلاً إن "سقوط النظام عام 2003 كان بداية مشروع الشرق الأوسط الجديد".
ويرى الفيلي خلال حديثه لوكالة شفق نيوز، أن "سقوط النظام عام 2003 ساهم في سقوط أنظمة متعددة سلمياً، وأوجد حضوراً إسرائيلياً كبيراً في المنطقة العربية، عبر علاقات دبلوماسية جديدة، كما أسهم في استنزاف القدرات الاقتصادية للدول بسبب الصراعات الداخلية."
ويضيف في الختام أن "ما بعد 2003 رسم خارطة شرق أوسط جديد، تكاد توازي اتفاقية سايس-بيكو، كما ستظهر مشاريع اقتصادية وأمنية كبرى في المرحلة المقبلة."