شفق نيوز- كربلاء
كلما اقتربت من ذلك البناء العتيق الذي ارتسمت على جدرانه ملامح الزمن، والمشيد فوق أرض مرتفعة بإحكام لافت، تشعر أنك تعبر بوابة إلى قرون مضت، تحيط به جدران واسعة ما زالت تقاوم عوامل الطبيعة رغم مرور أكثر من ألف وخمسمائة عام على تشييده.
وبينما تتجول وسط بقايا الكنيسة في صحراء كربلاء الهادئة، يخيل إليك أنك تسمع صدى أجراسها القديمة وهي ترفع التسابيح إلى السماء، فتأخذك اللحظة إلى أجواء من السكينة والخشوع. أمام المذبح، الذي ما زالت آثاره قائمة حتى اليوم، تقف متأملاً تاريخاً طويلاً من العبادة والصلاة التي شهدتها هذه الجدران.
ومع التوغل أكثر بين أروقة المكان، تتكشف أمامك غرف الرهبان وأماكن إقامتهم واجتماعاتهم وعبادتهم، وكأن أصحابها غادروها قبل وقت قصير، فكل شيء ما زال يروي حكاية الماضي، الجدران، والممرات، والغرف الصغيرة التي حفظت تفاصيل حياة من سكنوا هذا المكان قبل قرون طويلة.
وحدها الأجراس غابت عن المشهد، ربما أخفاها التراب أو ابتلعتها السنون، لكن روح المكان ما زالت حاضرة. فهذه الكنيسة، رغم رحيل أهلها واختفاء التجمعات التي كانت تحيط بها، ما زالت تقف شامخة في قلب الصحراء، شاهدة على تاريخ عريق، وكأنها تواصل تسبيحها لله بصمت لا تسمعه الآذان، بل تدركه الأرواح.
إرث مسيحي عمره 1500 عام
تقع كنيسة الأقيصر، إحدى أقدم الكنائس الشرقية في العراق، في صحراء قضاء عين التمر غرب محافظة كربلاء، على مسافة تقارب 70 كيلومتراً من مركز المدينة، وعلى بعد نحو 5 كيلومترات من حصن الأخيضر الأثري.
وتعود الكنيسة إلى القرن الخامس الميلادي، ويُقدَّر عمرها بأكثر من 1500 عام، ما يجعلها من أبرز المواقع الأثرية المسيحية في العراق.
موقع أثري يحتاج إلى التنقيب والصيانة
يقول مدير آثار وتراث كربلاء أحمد حسن جابر، إن كنيسة الأقيصر في قضاء عين التمر تُعد واحدة من أهم المواقع الأثرية والدينية في العراق، وتمثل شاهداً حضارياً على حقبة تاريخية سبقت الإسلام بنحو خمسة قرون، فيما أشار إلى أن الموقع يحتاج إلى أعمال تنقيب وصيانة وتأهيل ليصبح وجهة سياحية وأثرية بارزة.
ويضيف جابر، لوكالة شفق نيوز، إن الهيئة العامة للآثار والتراث أولت اهتماماً كبيراً بالموقع لما يمثله من أهمية تاريخية وأثرية، إذ يقع داخل دير كبير مسوّر وضمن مستوطن أثري واسع بالقرب من حصن الأخيضر، ما يجعله موقعاً فريداً يستحق المزيد من الدراسات والتنقيبات للكشف عن تفاصيله المعمارية والتاريخية.
وأوضح أن المصادر التاريخية تشير إلى أن الكنيسة شُيدت في أواخر القرن الخامس وبدايات القرن السادس الميلادي، أي قبل الإسلام بنحو 120 عاماً، وتُعد من أقدم الكنائس التي بُنيت وفق طراز البازيليكا المعماري، كما تضم عناصر إنشائية مميزة، من أبرزها العقود البيضوية الظاهرة عند مدخلها.
وأضاف أن الكنيسة تقع داخل مجمع ديني كبير تبلغ مساحته نحو 15 ألف متر مربع، ويضم مجموعة من الأبنية والأبراج الدفاعية التي تحيط بالدير، ما يعكس أهمية الموقع في تلك الحقبة التاريخية.
وفي ما يتعلق بأعمال الصيانة، أشار إلى أن الموقع لم يشهد ترميماً شاملاً خلال السنوات الماضية بسبب محدودية التخصيصات المالية، إلا أن الجهات المختصة تمكنت عام 2023 من إنشاء سياج لحماية الكنيسة والمستوطن الأثري من التجاوزات والعبث.
وبيّن أن الكنيسة تعرضت بعد عام 2003 إلى أعمال نبش وتخريب نفذها لصوص آثار استهدفوا القبور الأثرية الواقعة شرق الموقع، إلا أن تدخل الجهات الأمنية أسهم في الحد من تلك التجاوزات وتأمين الحماية اللازمة للمكان.
وأكد أن دائرة آثار كربلاء تواصل المطالبة بإدراج الكنيسة ضمن خطط الصيانة الوزارية، لافتاً إلى أن لجنة فنية من وزارة الثقافة زارت الموقع عام 2025 وأدرجته ضمن المواقع التي تحتاج إلى صيانة إنقاذية عاجلة بانتظار توفير التخصيصات المالية اللازمة.
مقومات سياحية غير مستثمرة
وأشار إلى أن الكنيسة تستقبل بشكل مستمر وفوداً سياحية وباحثين ومهتمين بالشأن الأثري، خصوصاً خلال فصلي الربيع والخريف، إلا أن غياب البنى التحتية والخدمات السياحية يحول دون استثمار الموقع بالشكل الأمثل.
وأوضح أن قضاء عين التمر يضم عدداً من المواقع الأثرية المهمة المجاورة لكنيسة الأقيصر، أبرزها حصن الأخيضر، وكهوف الطار، وقصر شمعون، والبردويل، ومنارة موجدة، ما يمنح المنطقة مقومات كبيرة لإنشاء مسار سياحي أثري متكامل.
وأضاف أن الربط بين كنيسة الأقيصر وحصن الأخيضر لا يقتصر على القرب الجغرافي، بل يعكس التداخل الحضاري والتعايش الإنساني الذي شهدته المنطقة عبر العصور، حيث كانت عين التمر ممراً استراتيجياً للقوافل التجارية بين العراق والشام والحجاز.
وختم بالقول إن تحويل الكنيسة إلى وجهة سياحية بارزة يتطلب استكمال أعمال التنقيب الأثري، وإجراء الصيانة اللازمة، وتعبيد الطريق المؤدي إليها، وإنشاء مرافق خدمية للزائرين، فضلاً عن الترويج الإعلامي للموقع بوصفه أحد أهم الشواهد الحضارية والدينية.
شاهد على تاريخ المسيحية الشرقية
إلى ذلك، قال الدكتور منتصر صباح الحسناوي، مدير عام قصر المؤتمرات في وزارة الثقافة والسياحة والآثار، إن كنيسة الأقيصر في قضاء عين التمر غربي كربلاء تمثل واحدة من أقدم الكنائس الشرقية في العراق، وتحمل أهمية استثنائية بوصفها شاهداً حضارياً على مرحلة تاريخية ارتبطت بمملكة الحيرة العربية والمسيحية الشرقية قبل الإسلام.
ويؤكد الحسناوي لوكالة شفق نيوز، أن موقع دير الأقيصر يضم كنيسة ما تزال أجزاء مهمة من جدرانها وعناصرها المعمارية قائمة حتى اليوم، وتقع في البادية الغربية على مقربة من حصن الأخيضر الأثري، مشيراً إلى أن أعمال التنقيب التي نفذتها البعثات الأثرية العراقية كشفت عن معالم معمارية مهمة تؤكد القيمة التاريخية للموقع.
وأوضح أن الدراسات والكتابات السريانية المكتشفة على جدران الكنيسة، إلى جانب رسوم الصلبان المحفورة على طبقات الجص، ترجح أن تاريخ تشييدها يعود إلى القرنين الخامس أو السادس الميلادي، ما يجعلها من أبرز الشواهد الباقية على العمارة الكنسية في العراق قبل الإسلام.
وأضاف أن الكنيسة شُيدت بالحجر والجص ضمن دير كبير محاط بسور دفاعي ضخم، وتبلغ أبعاد المبنى الرئيس نحو 42 متراً طولاً و9 أمتار عرضاً تقريباً، فيما يضم الموقع كنيسة جنائزية صغيرة، وقلايات للرهبان، ووحدات سكنية ومرافق خدمية تعكس طبيعة الحياة الدينية والرهبانية في تلك الفترة.
وأشار الحسناوي إلى أن الموقع يتميز أيضاً بوجود وادٍ جاف يقسمه إلى قسمين، ويرجح أن قرب مصادر المياه الموسمية كان أحد الأسباب الرئيسة لاختيار هذا المكان لبناء الدير والكنيسة.
التغيرات المناخية تهدد الكنيسة
وفي دراسة تناولت أثر التغيرات المناخية على الموقع الأثري، بيّن الحسناوي أن كنيسة الأقيصر تقع ضمن نطاق مناخ صحراوي جاف، شهد خلال العقود الماضية ارتفاعاً في درجات الحرارة وزيادة في الإشعاع الشمسي وتراجعاً في معدلات الأمطار والرطوبة النسبية، وهي عوامل ساهمت في تسريع عمليات التدهور التي تصيب الأبنية الأثرية.
وأوضح أن التجوية الفيزيائية تُعد العامل الأكثر تأثيراً على جدران الكنيسة، نتيجة التباين الكبير بين درجات الحرارة نهاراً وليلاً، ما يؤدي إلى ظهور الشقوق وتفكك الأحجار وسقوط أجزاء من الجدران. كما تسهم الرياح المحملة بالغبار والرمال في نحت الأسطح الحجرية وتوسيع الفجوات الموجودة في البناء.
وأضاف أن التجوية الكيميائية تؤثر بدورها على مواد البناء، ولا سيما الجص والطين المستخدمين في بعض أجزاء الموقع، حيث تؤدي الرطوبة والأمطار والتفاعلات الكيميائية إلى إضعاف التماسك الداخلي للجدران وتسريع عمليات التآكل.
دعوات للترميم والحفاظ على الموقع
ولفت إلى أن العوامل البشرية أسهمت أيضاً في إلحاق أضرار بالموقع، سواء من خلال أعمال النبش غير الشرعية أو استخدام بعض مرافقه لأغراض مختلفة خلال فترات الاضطرابات الأمنية.
ودعا الحسناوي إلى إدراج كنيسة الأقيصر ضمن أولويات برامج الصيانة والترميم، نظراً لما تمثله من قيمة تاريخية وحضارية تعود إلى أكثر من 1500 عام، مؤكداً ضرورة تنفيذ مشاريع لتصريف مياه الأمطار، وحماية الموقع من تأثير السيول والرياح، وزراعة أحزمة خضراء تحد من حركة الرمال.
وشدد على أهمية تنشيط أعمال التنقيب الأثري والترويج الإعلامي للموقع، باعتباره جزءاً من التراث العراقي ومن أبرز المعالم المرتبطة بتاريخ المسيحية الشرقية في بلاد الرافدين، مبيناً أن تطوير الموقع يمكن أن يسهم في تنشيط السياحة الثقافية والدينية ودعم الاقتصاد المحلي في قضاء عين التمر ومحافظة كربلاء بشكل عام.
وختم بالقول إن الدراسات الميدانية ستتواصل في كنيسة الأقيصر ومحيطها لرصد حجم التأثيرات المناخية ووضع خطط علمية للحفاظ على هذا الإرث الحضاري الفريد للأجيال المقبلة.