شفق نيوز- ترجمة خاصة
حدد موقع "مودرن دبلوماسي" الذي يتخذ من باريس مقراً له، 7 ديناميكيات ستحدد شكل الشرق الأوسط الذي سيظهر من الحرب الحالية بعدما يتوقف إطلاق النار أخيراً إلى الأبد.
وبدايةً، ذكر “مودرن دبلوماسي” في تقريره الذي ترجمته وكالة شفق نيوز، أن كل حرب كبرى في الشرق الأوسط تركت المنطقة متغيرة بشكل دائم بطرق لم يتوقعها أحد تماماً في ذلك الوقت.
وللتوضيح، قال التقرير إن الحرب العربية-الإسرائيلية في العام 1948 تسببت بأزمة لاجئين لا تزال عواقبها قيد التفاوض بعد 78 عاماً، بينما أعادت الثورة الإسلامية في إيران في العام 1979 تنظيم الهيكل الأمني الإقليمي بأكمله حول خط صدع جديد لم يحسب حسابه أحد، في حين خلق الغزو الأميركي للعراق عام 2003 فراغاً ملأته إيران بشكل أسرع وأكثر فعالية مما توقعه أي شخص في واشنطن، وهو ما أدى إلى إعادة تشكيل ميزان القوى في كل أنحاء بلاد الشام بطرق استغرقت عقداً من الزمن لفهمه بالكامل.
وبحسب التقرير، فإن حرب إيران الحالية تنتمي إلى هذه الفئة، ليس لأن النتيجة واضحة، ولكن نظراً لأن الحرب قد تخطت بالفعل العديد من العتبات التي لا يمكن تجاوزها، فقد وضعت العديد من السوابق التي ستشكل السلوك لسنوات، وكسرت العديد من الافتراضات التي كان النظام الإقليمي يعتمد عليها بهدوء دون أن يعترف بها أي شخص تماماً.
أولاً: نجاة إيران.. والقواعد تغيرت
وقال التقرير إن نظام طهران لا يزال قائماً، مشيراً إلى أن جزءاً كبيراً من منطق الحرب كان قائماً على الرهان على أن تؤدي عملية “الغضب الملحمي” إلى انهيار النظام أو بالحد الأدنى تغيير النظام، إلا أن ذلك لم يتحقق، واستوعبت إيران أكبر حملة عسكرية أميركية-إسرائيلية في تاريخ المنطقة الحديث، وفقدت زعيمها الأعلى، وشهدت تضرر منشآتها النووية وتدهور جيشها، إلا أنها لا تزال قائمة.
وأوضح التقرير أن ما تبدل هو الحسابات التي يعتمدها النظام فيما يتعلق ببقائه، مضيفاً أن القيادة الإيرانية شاهدت نفس تسلسل الأحداث الذي شاهدته كل حكومة أخرى في المنطقة، حيث تعرضت دولة كانت تخوض مفاوضات نووية لهجوم عسكري مرتين خلال تلك المفاوضات، في حين أن طهران حافظت على مستوى العتبة النووية دون تصنيع قنبلة نووية.
وتابع أن ما استخلصته إيران حول الردع هو أن كوريا الشمالية اختبرت السلاح النووي، وحصلت على قمم شخصية مع رئيس أميركي، بينما تفاوضت طهران بحسن نية وتعرضت للقصف.
وأشار التقرير إلى أن النظام الإيراني سيكون أكثر ارتياباً داخلياً، حيث جاءت الحرب عليه بعد احتجاجات كانون الثاني/يناير 2026، مضيفاً أن ضعف النظام مع استنفاد الموارد العسكرية والسكان المصابين بصدمات نفسية لا يشكل مزيجاً مستقراً، وستهيمن غريزة البقاء على كل شيء آخر على المدى القريب، بما في ذلك أي انخراط دبلوماسي جاد، وهو جزء من سبب فشل المحادثات النووية في إسلام آباد في ظل الثقة الأقل مما كان عليه الوضع قبل الحرب على طهران.
ثانياً: كان الخليج غير مستقر بشكل دائم
وبعدما أشار إلى استنزاف مخزونات الصواريخ الدفاعية في البحرين والكويت والإمارات، والهجمات التي استهدفت منشآت نفطية وطاقة أساسية في دول الخليج، بما في ذلك بعد إعلان ترمب “مشروع الحرية” حول مضيق هرمز، قال التقرير إنه تم تحطيم صورة الخليج كمنطقة للاستقرار والأمن والتحول الاقتصادي، وهي الصورة التي جذبت تريليونات من الاستثمارات الأجنبية وعشرات الملايين من العمال المغتربين، بطريقة ستستغرق سنوات لإعادة البناء، في حال بالإمكان إعادة بنائها أساساً.
ولفت التقرير إلى أن الحرب “هزت بشكل لا رجعة فيه” صورة المنطقة، وكشفت عن هشاشة عميقة الجذور تحت واجهة التحول الاقتصادي السريع خليجياً، مضيفاً أن هذه الحرب ضربت البنية التحتية المدنية مراراً، وعطلت الإمدادات الغذائية في كل أنحاء الدول التي تعتمد على موارد غذائية مستوردة، وأظهرت أن العلاقات الأمنية الثنائية مع واشنطن التي استثمرت فيها دول الخليج بقوة، لم توفر لها الحماية من التحول إلى أهداف للهجمات.
وتابع قائلاً إن قرار الإمارات العربية المتحدة بمغادرة منظمة “أوبك”، يشكل تعبيراً واضحاً عن إعادة التفكير الاستراتيجي الجارية، مضيفاً أن دول الخليج ستخرج من هذه الحرب أقل استعداداً لإخضاع بنيتها الأمنية لراعٍ واحد، وأكثر اهتماماً ببناء قدرات دفاعية إقليمية متكاملة من شأنها أن تمنحها خيارات لا تستطيع واشنطن أو لن توفرها لها.
ثالثاً: تجميد مشروع التطبيع
وقال التقرير إنه قبل 28 فبراير/شباط، بدا أن منطق الاتفاقات الإبراهيمية كان صامداً، مشيراً إلى أن المحادثات حول التطبيع السعودي-الإسرائيلي كانت متقدمة مقابل معاهدة دفاعية أميركية والتعاون النووي المدني، وذلك على اعتبار أساسي مفاده أن الشعوب العربية قد تجاوزت القضية الفلسطينية بما فيه الكفاية حتى تتمكن حكوماتها من إضفاء الطابع الرسمي على ما كان قائماً بالفعل من تلاقٍ أمني وظيفياً، إلا أن الحرب الإيرانية دمرت هذه الفرضية، حيث تصلب أكثر الرأي العام العربي الذي كان بالفعل معارضاً بنسبة 87% للتطبيع، وذلك بعدما شاهد إسرائيل تشن حملات غارات مستمرة في جميع أنحاء لبنان وغزة وإيران في وقت واحد على مدى أكثر من 70 يوماً.
ورأى التقرير أن أي زعيم عربي يوقع صفقة تطبيع مع إسرائيل في البيئة الحالية، يواجه تكلفة سياسية محلية لا يمكن لأي ضمان أمني أميركي أو حزمة اقتصادية تعويضها بالكامل، مضيفاً أن المنطق الاستراتيجي الذي جعل المحادثات جذابة بالنسبة للرياض لم يختف تماماً، إلا أنه تجمد لفترة طويلة.
وتابع موضحاً أن قدرة واشنطن على إقامة إطار أمني بين الولايات المتحدة وإسرائيل والخليج ضد إيران، كانت هي الرهان الاستراتيجي الذي كان من المفترض أن تبرره الحرب، إلا أن هذه الحرب جعلت هذا الإطار أكثر صعوبة.
رابعاً: شرخ جديد
وبعدما ذكر التقرير أن الدعم الأميركي لإسرائيل كان يمثل الثابت الأكبر في سياسة الشرق الأوسط الأميركية عبر الإدارات منذ العام 1948، إلا أن الحرب الإيرانية أدخلت متغيراً جديداً في تلك العلاقة لم تفعله الأحداث السابقة، حيث يتزايد بين جزء كبير من الجمهور الأميركي فكرة أن إسرائيل جذبت الولايات المتحدة إلى حرب لم تكن تريدها ولا يمكن أن تنتهي بسهولة، لافتاً إلى أن أكثر من 60% من الأميركيين لا يؤيدون الحرب الإيرانية، وتراجعت معدلات التأييد ترمب إلى مستويات قياسية، متأثرة بارتفاع أسعار الوقود وتأثيرات تكلفة المعيشة المرتبطة مباشرة بإغلاق هرمز.
وبحسب التقرير، فإن عدم شعبية الحرب عززت الموقف السياسي الذي كان يقتصر بداية على الجناح التقدمي داخل الحزب الديمقراطي، والذي يعتبر أنه يجب ملاءمة المساعدات العسكرية وفق سلوك إسرائيلي محدد، والمطالبة بالمحاسبة عن الخسائر المدنية في لبنان وإيران، وإخضاع القيمة الاستراتيجية للعلاقة الثنائية لنوع التدقيق في التكلفة والفوائد التي كانت محصنة منها تاريخياً.
وتابع التقرير أنه ما من شيء من هذا يعني أن التحالف الأميركي-الإسرائيلي ينكسر، إلا أن الأساس السياسي المحلي الذي جعل الدعم الأميركي غير المشروط لإسرائيل ممكناً بغض النظر عما فعلته إسرائيل، قد أنتج شرخاً مع اتساع نطاق الحرب الإيرانية.
وأوضح التقرير أن الإدارات الأميركية المستقبلية ستكون مضطرة لمواجهة بيئة سياسية تكون فيها العلاقة الإسرائيلية مسؤولية انتخابية حقيقية بشكل لم تعهده من قبل، وسيكون صناع السياسة في إسرائيل، الذين عملوا على افتراض أن الدعم الأميركي مضمون هيكلياً بغض النظر عن الظروف، بحاجة إلى تحديث هذا الافتراض.
خامساً: الصين كقوة لا غنى عنها
وقال التقرير إن الصين “لم تطلق رصاصة واحدة، ولم تنفق رأس مال دبلوماسياً كبيراً علناً، ولم تقم بأي دور رسمي في الوساطة، وما فعلته هو وضع نفسها، بصبر ومهارة كبيرة، كجهة فاعلة احتاجتها كل من واشنطن وطهران أكثر مما أرادت أي منهما الاعتراف بها، ثم اكتسبت الفضل الدبلوماسي عندما تحقق وقف إطلاق النار”، لافتاً إلى أن بكين ساعدت في جلب إيران إلى طاولة إسلام آباد بحسب تصريحات ترمب.
وبعدما لفت إلى موقف الصين الرافض الانصياع للعقوبات الأميركية على المصافي النفطية الصينية لشرائها النفط الإيراني، قال التقرير إن ذلك أظهر أن بكين لديها أدوات اقتصادية متاحة للدفاع عن مصالحها لم تستخدمها من قبل، مضيفاً أن قمة بكين مع ترمب جاءت وهي تظهر باعتبارها القوة التي لديها شيء يحتاجه الرئيس الأميركي بشدة، وهو موقف تفاوضي أقوى بكثير.
سادساً: الدومينو النووي
وبعدما لفت التقرير إلى أن إيران تعرضت للقصف مرتين خلال مفاوضات نووية، قال إن كل حكومة تقوم بحساب خياراتها النووية بهدوء قامت بتحديث جدول بياناتها وفقاً لذلك، بما في ذلك السعودية، الأكثر وضوحاً، مذكراً بأن ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان سبق له أن قال إنه إذا طورت إيران سلاحاً نووياً، فإن المملكة السعودية ستقوم بالمثل، مشيراً إلى أن الحرب نقلت الكلام من الافتراضي إلى العمل العاجل، حيث تقوم الرياض ببناء بنية تحتية نووية مدنية بمساعدة أميركية، وتصر على الاحتفاظ بحقوق التخصيب في أي اتفاقية تعاون.
وتابع التقرير أن تركيا وكوريا الجنوبية واليابان تسير على نفس الطريق، حيث منحت الحرب الإيرانية كل واحد منهم نقاط بيانات جديدة. وبعد سحب الكثير من المخزونات الصاروخية الدفاعية من آسيا، قال التقرير إن الاستنتاجات التي يتم استخلاصها في تلك العواصم حول موثوقية الضمانات الأمنية الأميركية ستشكل قرارات السياسة النووية على مدى العقد المقبل. وتابع أن الحرب الإيرانية سرعت من تدهور نظام يعتمد على الاعتقاد بأن الدول غير النووية كانت أفضل حالاً بدون أسلحة منها بحوزتها.
سابعاً: صورة الخليج مكسورة
وذكر التقرير أن دول الخليج أمضت العقدين الماضيين في بناء سرد عن نفسها بأنها حديثة ومنفتحة وديناميكية اقتصادياً، بعيدة بأمان عن عدم الاستقرار الذي ميز مناطق أخرى من الشرق الأوسط. وأضاف أنه بينما وضعت دبي وأبو ظبي نفسيهما كمركزين عالميين، فإن الرياض أطلقت “رؤية 2030”، بينما استضافت الدوحة مونديال كأس العالم.
وتابع التقرير أن الحرب الإيرانية حطمت تلك الرواية بشكل مستدام، مضيفاً أن الصراع يمثل “نهاية السردية” بأن الخليج وجهة آمنة بشكل دائم للمغتربين والمهاجرين والسياح. وتابع قائلاً إن “التأثير النفسي على عشرات الملايين من الناس الذين يعيشون ويعملون في الخليج، والذين احتموا من الإنذارات الصاروخية، وشاهدوا المصافي تحترق، وسارعوا للعثور على الحليب الصناعي والأدوية أثناء تعطيل استيراد المواد الغذائية، ليس شيئاً يمكن للبيانات الصحفية حول اتفاقات وقف إطلاق النار التراجع عنه بسرعة”.
وخلص التقرير، إلى أن الحقيقة الواضحة أصبحت تتمثل في أن الخليج يمكن أن يتعرض للضرب مراراً خلال صراع إقليمي بطرق لا تستطيع دفاعاته الجوية استيعابها بالكامل. ولفت إلى أن إعادة بناء الثقة لدى المستثمرين لن تتطلب وقفاً لإطلاق النار فحسب، بل تتطلب أيضاً هيكلاً أمنياً إقليمياً.