شفق نيوز- ترجمة خاصة
رأى موقع "أويل برايس" البريطاني، أن الولايات المتحدة الأميركية تتمتع بنفوذ في العراق أكبر مما تعتقد، مشيراً إلى أنه رغم الانسحاب العسكري الحاصل، إلا أنه يجب أن يشكل تحولا من "السيطرة" إلى "النفوذ" خصوصا من خلال نظام الدولار والعقوبات والاستثمار الغربي، فيما حذّر من أن استخدام تلك الأدوات قسرا يمكن أن يضعف النفوذ الأميركي في نهاية الأمر.
وقال "أويل برايس" المتخصص بشؤون الطاقة، في تقرير له، ترجمته وكالة شفق نيوز، إنه يتحتم على واشنطن أن تنظر إلى مغادرة قواتها بحلول 30 أيلول/سبتمبر ليس على أنها نهاية علاقتها مع بغداد، وإنما كفرصة لإعادة تعريفها والاحتفاظ بنفوذها وعليها أن تمارس هذا التأثير بشكل مختلف.
وأوضح التقرير أن الولايات المتحدة ستحتفظ بأدوات مهمة لقوتها من خلال النظام المالي القائم على الدولار، والعقوبات، والمبيعات الدفاعية، والتعاون الاستخباراتي، والتأثير الدبلوماسي، والاستثمار، والتكنولوجيا، والوصول إلى الأسواق الغربية.
واعتبر التقرير أن السؤال هو هل ستستخدم واشنطن هذه الأدوات للتأثير على الخيارات العراقية، أم أنها ستحاول استخدامها لمحاولة السيطرة على بغداد؟، مضيفا أنه من المحتمل أن هذا الخيار الأخير سيكون فاشلاً.
ولفت التقرير إلى أنه يجب أن تصبح علاقة ما بعد الانسحاب أقل اعتمادا على الأمن، وأكثر استراتيجية، مضيفا أنه يمكن لواشنطن مواصلة تقديم المساعدة الدفاعية والتعاون في مجال مكافحة الإرهاب، خصوصا ضد عودة ظهور تنظيم داعش، إلا أن الاقتصاد قد يصبح أكثر أهمية، في حين أن الولايات المتحدة بمقدورها الاحتفاظ بنفوذها من خلال العلاقات التجارية بدلا من الاحتلال العسكري.
وبعدما أشار التقرير إلى آلية الدولار المتبعة مع العراق، واستخدام واشنطن لها مؤخرا من خلال تقييدها، قال التقرير إنها تمنح الولايات المتحدة أداة قوية بعد الانسحاب، حيث بإمكانها أن تقيد الوصول إلى النظام المالي الدولي، ومعاقبة البنوك والأفراد، والضغط على المؤسسات العراقية لمنع تبييض الأموال، والتهرب من العقوبات، وتمويل الفصائل المسلحة.
إلا أن التقرير رأى أن هناك فرقاً بين حماية سلامة نظام الدولار الأميركي وبين استخدام الدولار لفرض إملاءات على القرارات السياسية العراقية، مشيراً إلى أن الخيار شرعي ومستدام، ولكن الخيار الثاني يمكن أن يشجع بغداد على البحث عن بدائل للدولار، موضحا أن السياسة الأكثر ذكاء هي الوصول المشروط بالإيفاء بالمعايير الدولية للشفافية وتطبيق مكافحة تبييض الأموال والامتثال للعقوبات.
وبحسب التقرير فإن القضية الأكثر تعقيدا ستكون الفصائل المتحالفة مع إيران، والتي هي بنظر العديد من العراقيين "مقاومة".
واعتبر التقرير أنه يجب على الولايات المتحدة أن تكون حذرة في مطالبتها بغداد نزع سلاح كل فصيل بشكل فوري.
وتابع التقرير أن "أمرا واحدا يبدو أن العراقيين يتفقون عليه هو أن الفصائل لن تبدأ في تسليم الأسلحة إلى بغداد إلا بعد 30 أيلول/سبتمبر، ونأمل أن تعمل السفارة الأميركية على إبقاء البيت الأبيض على علم بذلك، حتى لا نستيقظ في 1 تشرين الأول/أكتوبر على عاصفة من التغريدات الغاضبة".
وبعدما لفت إلى حضور الفصائل والأحزاب سياسيا وبرلمانيا وماليا واجتماعيا، قال التقرير إن محاولة القضاء عليها في وقت واحد يمكن أن تطلق حربا أهلية، مما يؤدي إلى انقسام سياسي وتدهور اقتصادي وتدخل إيراني.
واعتبر التقرير أنه يجب على واشنطن أن تصر على أن يكون التقدم نحو سيطرة الدولة بشكل حقيقي ولا رجعة فيه، مع السماح لبغداد بتحديد الوتيرة والآليات.
وبحسب التقرير فإن نزع السلاح يتطلب شروطا محددة، مضيفا أنه من أيرلندا الشمالية إلى البوسنة، تطلبت تحولات الفصائل المسلحة الناجحة في تلك الدول ثلاث بنود: دولة قوية، وحوافز سياسية واقتصادية، ونزع السلاح الطوعي.
لكن التقرير أشار إلى أن العراق يفتقر إلى هذه الظروف، مما يجعل نزع السلاح المفروض من الخارج، مشجعا محتملا على الصراع الأهلي.
وتابع التقرير أن العديد من الفصائل اقترحت وضع الأسلحة الثقيلة في التخزين، ولكن تحت سيطرتها، والامتناع عن النشاط العسكري لمدة عامين، إلا أن بغداد رفضت العرض ولا تزال المفاوضات جارية.
وأشار إلى أنه تم اقتراح تسريح البيشمركة الكوردية، إلا أنه من المحتمل أن تعارض واشنطن ذلك لأن دور الكورد المسلحين مفيد على مستوى العراق وإقليميا كما أن الدستور العراقي يسمح لحكومة الإقليم بتشكيل وتنظيم قوات الأمن الداخلي الخاصة بها.
ورأى التقرير أنه يتحتم على واشنطن أيضا أن تتجنب مطالبة العراق بالاختيار بين الولايات المتحدة وإيران، مضيفا أن جغرافية العراق وتاريخه وعلاقاته الدينية والاقتصادية تجعل وجود علاقة كبيرة مع إيران أمرا لا يمكن تجنبه.
واعتبر التقرير أن بإمكان السياسي العراقي أن يكون مؤيدا لإيران، وبإمكان العراق أن يتاجر مع إيران، وشراء الكهرباء الإيرانية، موضحا أن أيا من هذه الأمور لا تهدد المصالح الأميركية.
وأضاف أن الخط الأحمر يجب أن يكون ما إذا كان النفوذ الإيراني يعمل من خلال السياسة العراقية أو من خلال هيكل عسكري مواز مدعوم من إيران داخل العراق، داعيا واشنطن إلى التعامل بنضح مع فكرة وجود بعض النفوذ الإيراني وإن تعارض في المقابل السيطرة الإيرانية على القوات المسلحة العراقية أو الحدود او الشبكات المالية غير المشروعة.
ورأى التقرير أنه بعد انفاق 3 تريليونات دولار وأكثر من 4400 جندي أميركي قتيل، فإن إغراء واشنطن للتمسك بالسيطرة سيكون كبيرا، خصوصا أن صنّاع السياسة الأميركية بعد عقود من التدخل العسكري، قد يجدون صعوبة في تقبل فكرة أن العراق سيجرؤ على اتخاذ قرارات تكرهها واشنطن.
لكنه أضاف أن الحكماء هم من يدركون أن الضغط الخارجي نادرا ما يتحقق في السياسة العراقية حيث يأتي التأثير من خلال الحوافز ومواءمة المصالح واحترام التوازنات الداخلية، وليس من خلال الإكراه.
وتابع قائلا إن عراق 2026 ليس عراق 2011، موضحا أن النخب العراقية صارت ترى بشكل متزايد أن الشراكة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة ضرورية، في حين تتحول السياسة من المنافسة القائمة على الهوية إلى المنافسة القائمة على القضايا، مما يجعل الاستقطاب الطائفي أقل جاذبية والولايات المتحدة أكثر جاذبية من خلال الاستثمار والتكنولوجيا والازدهار.
وقال التقرير إنه سيكون من المغري استخدام واشنطن للأدوات التي لديها حول العراق للاستمرار في ممارسة شيء يقترب من السيطرة، في حين شدد على أنه إذا تعلم الأميركيون أي شيء من مغامرتهم السيئة التي استمرت 3 عقود في بلاد ما بين النهرين، فإنهم يعرفون أن السيطرة على العراق كلام سهل لكن القيام به ليس كذلك.
واعتبر التقرير أن الصيغة الرابحة هي أن النجاح = انسحاب الولايات المتحدة + السيادة العراقية + تعاون دفاعي ثنائي قوي + استثمار أجنبي مباشر + رافعة مالية سرية + إصلاح بقيادة عراقية لملف الفصائل.
وختم التقرير قائلا إنه يجب ألا تحاول واشنطن القضاء على النفوذ الايراني في العراق، وإنما عليها السعي من أجل شيء أفضل، وهو عراق قوي بما يكفي للحفاظ على العلاقات مع كل من واشنطن وطهران، ولكنه يتمتع بسيادة كافية لكي يتخذ قراراته الأمنية في بغداد.
وخلص إلى القول أن "العراق يمثل فرصة استراتيجية لأميركا"، مضيفا أنه برغم تزايد المشاعر المعادية لأميركا في المنطقة، إلا أن العراق يقترب من المدار الأميركي ويحقق تقدما حول الفساد وسيادة القانون للمرة الأولى، مشيراً إلى أن هذه الفرصة قد لا تأتي مرة أخرى.