شفق نيوز- ترجمة خاصة
تحرُك العراق الذي يعتبر أكثر من عانى من الحرب مع "داعش"، لاستقبال بعض أخطر معتقلي التنظيم الإرهابي، يعكس إدراكه بأن الخطر ليس محلياً فقط، وهي خطوة وصفتها صحيفة "ذا ناشيونال"، بأنها تعبير عن تغييرات أكبر على مستوى إقليمي للتعامل مع مكافحة الإرهاب، ولم تعد قضية تخص العراق داخلياً فقط.
وأوضحت الصحيفة الصادرة بالإنجليزية في أبو ظبي في تقرير لها تحت عنوان "العراق يتحرك لمنع عودة داعش بشكل جديد"، ترجمته وكالة شفق نيوز، أن خطوة العراق باستقبال سجناء داعش، تتجاوز كونها مجرد عملية نقل فنية، أو أنها حل مؤقت، بل تشير إلى خيار سياسي وأمني مدروس للتعامل مع أحد أكثر التحديات تعقيداً التي لم يتم حلها في فترة ما بعد الصراع، بدلاً من السماح لهذا التحدي بالبقاء معلقاً في منطقة رمادية غير مستقرة.
وبحسب الصحيفة، فإن مرافق الاحتجاز والمعسكرات في شمال شرق سوريا، شكلت طوال سنوات نقطة اختلال واضحة في المعادلة الأمنية الإقليمية، إذ أن هذه المواقع غير مستقرة بطبيعتها، وتخضع لترتيبات مؤقتة وتسكن فيها عناصر متطرفة من العديد من الجنسيات، ما يمثل بيئة هشة عرضة للتمزق المفاجئ، لافتة إلى أن هذا يشكل مصدراً مستمراً للمخاطر ولا يمكن احتواؤها إلى ما لا نهاية.
وفي هذا الإطار، قال التقرير إن خطوة العراق تبدو كجهد استباقي لتجنب سيناريو أمني أكثر خطورة بكثير، خصوصاً في ظل التغييرات الأخيرة في سوريا، لافتاً إلى المخاوف التي برزت بشأن الانهيار المحتمل لإجراءات الاحتجاز أو "إعادة تدوير" المسلحين المتطرفين في بيئات فوضوية.
وبحسب التقرير، فإن العراق بعد أن تحمل واحدة من أعلى التكاليف في الحرب ضد داعش، يواجه الآن تهديداً مختلفاً نوعياً، حيث إن التهديد لم يعد محلياً فقط، وإنما عابر للدول، وهو ما قد يتيح إعادة إنتاج الجماعة الإرهابية بأشكال أكثر تعقيداً وربما أكثر خطورة.
ولهذا، قال التقرير إن "منطق المبادرة العراقية لا يتعلق بنقل العبء الأمني من ساحة إلى أخرى، وإنما يتعلق بمنع ظهور فراغات أمنية مفتوحة قد تسمح لداعش بالظهور مجدداً تحت أسماء أو هياكل جديدة"، مضيفاً أن "الهدف من ذلك هو جعل هذا الملف تحت سلطة الدولة، بدلاً من تركه رهينة للترتيبات المؤقتة".
واعتبر التقرير أن التحولات في السيطرة الإقليمية، بالإضافة إلى ضعف الانضباط المؤسسي داخل بعض الأجنحة العسكرية التابعة للحكومة السورية، أدت إلى مفاقمة المخاوف بشأن القدرة على إدارة هذا الملف، وسط مشهد سياسي وأمني شديد التقلب.
وبينما أشار التقرير إلى أن رد الولايات المتحدة على خطوة العراق جاء متلائماً مع هذا التقييم، حيث وصفت وزارة الخارجية الأميركية القرار العراقي بأنه خطوة "جريئة وضرورية" لمنع عودة نشاط داعش، اعتبر التقرير أن هذا الموقف يشير إلى أن القضية لم تعد ينظر إليها على أنها مسألة عراقية داخلية، وإنما هي جزء من نهج أمني إقليمي أوسع، مذكراً بمواقف كبار المسؤولين الأميركيين الذين أكدوا أن دور العراق أصبح عاملاً رئيسياً في تعزيز الاستقرار، ليس في سوريا فقط، وإنما في كل أنحاء المنطقة الأوسع.
ورأى التقرير أن هذا الانخراط الدولي لا يغير من طبيعة قرار العراق، إلا أنه يسلط الضوء على بعده السياسي، مضيفاً أن العراق وبدلاً من التعامل مع ملف السجناء كعبء قابل للتأجيل، فإن وضعه في سياق الحساب الاستراتيجي للدولة، من خلال القبول بتعقيداته والتأكيد على قدرته على السيطرة عليه وإدارته، يمثل انتقالاً من إدارة المخاطر عن بعد، إلى الحد من هذه المخاطر بفعالية ضمن أطر وطنية محددة.
لكن التقرير أشار إلى أن العراق كان في الوقت نفسه حريصاً على الحفاظ على توازن دقيق، من خلال التعاون الدولي دون وصاية، وأيضاً المساهمة في الأمن الإقليمي من دون تحمل أعباء الآخرين.
ورأى التقرير أن دعوات الولايات المتحدة المتكررة للبلدان لتحمل المسؤولية عن مواطنيها المحتجزين، تندرج ضمن هذا الإطار، وهو ما يضفي بعداً سياسياً على المبادرة العراقية التي تتجاوز آثارها الأمنية المباشرة.
وأوضح أن الأكثر أهمية من ذلك هو أن خطوة العراق، تعكس فهمه الأكثر تطوراً لطبيعة مواجهة اليوم مع الجماعات المتطرفة، وهو لم يعد يعرف من خلال السيطرة العسكرية فقط، وإنما من خلال قدرة الدول على إدارة إرث العنف من خلال النظم والمؤسسات القضائية ومنعه من التحول إلى تهديدات مستقبلية، وهو هنا يشكل اختباراً لقدرة الدولة.
وخلص التقرير إلى القول إن العراق يؤكد من جديد المسار الذي اتبعه لسنوات، وهو الانتقال من كونه بلداً شكلته تداعيات الصراع، إلى بلد يساهم بنشاط في هندسة المرحلة التي تأتي بعد الصراع، ما يشكل "اعترافاً رصيناً" بالتعقيدات التي تواجهه.