شفق نيوز- أربيل
(مقال لقباد آرش لموقع الدبلوماسية الإيرانية، ترجمته وكالة شفق نيوز)
في منتصف كانون الثاني يناير 2026، كان الشرق الأوسط يقف مجددًا على حافة كارثة إنسانية وجيوسياسية كبرى، فبعد فترة هدوء نسبي أعقبت سقوط نظام بشار الأسد، عادت الساحة السورية لتشتعل، مع اندفاع الحكومة الجديدة في دمشق، بقيادة أحمد الشرع، نحو المناطق ذات الغالبية الكوردية شمال البلاد، في مقاربة عسكرية صِرفة استندت إلى خطاب إسلامي متشدد، تحت شعار استعادة "السيادة الكاملة" وإنهاء أي شكل من أشكال الإدارة الذاتية.
بدأت المواجهات من أطراف حلب، حيث تعرضت أحياء الشيخ مقصود والأشرفية لقصف عنيف، قبل أن تمتد العمليات العسكرية باتجاه الحسكة، ثم إلى مشارف كوباني، المدينة التي تمثل رمزية خاصة للكورد، ورغم تصدي قوات سوريا الديمقراطية للهجوم، إلا أن اختلال ميزان القوة، وتراجع دعم بعض الحلفاء المحليين، جعلا الموقف الكوردي بالغ الهشاشة.
زاد من حدة الأزمة المشهد، حادثة قيام عنصر تابع للقوات الحكومية بقطع ضفيرة مقاتلة كوردية قُتلت في الاشتباكات، في مشهد فجّر موجة غضب عارمة بين الكورد داخل سوريا وخارجها، وأطلق احتجاجات شعبية واسعة من أربيل والسليمانية إلى العواصم الأوروبية، إلى جانب حملات إغاثة وإسناد إعلامي مكثفة.
من الغضب الشعبي إلى الفعل السياسي
في ظل هذا التصعيد، كان واضحًا أن الانفعال الشعبي وحده لا يكفي لوقف الانزلاق نحو حرب مفتوحة. هنا، برز دور نيجيرفان بارزاني، رئيس إقليم كوردستان، الذي انتقل بالإقليم من "موقع المتفرج القَلِق إلى فاعل سياسي ووسيط إقليمي".
بارزاني، بخبرته الطويلة في إدارة الأزمات، أدرك أن إنقاذ كوباني لا يمكن أن يتم إلا عبر مسار سياسي ودبلوماسي متعدد القنوات، فبادر إلى فتح خطوط اتصال مباشرة مع طرفي النزاع، متواصلًا مع مظلوم عبدي، القائد العام لقوات سوريا الديمقراطية، ومع أحمد الشرع في دمشق، في خطوة بدت جريئة في لحظة بلغ فيها انعدام الثقة ذروته.
في هذه الاتصالات، شدد بارزاني على أن إقصاء الكورد من مستقبل سوريا سيقود البلاد إلى حرب استنزاف جديدة، ويعيد إحياء التهديدات الإرهابية. وفي المقابل، دعا القيادات الكوردية إلى اعتماد مقاربة واقعية تقوم على الحوار مع دمشق، لا المواجهة الشاملة.
بالتوازي، لم يُغفل بارزاني البعد الرمزي والسياسي الداخلي. ففي 16 كانون الثاني، استضافت أربيل لقاءً بارزًا جمع مسعود بارزاني بمظلوم عبدي، في رسالة وحدة كوردية واضحة عززت الموقف التفاوضي للكورد، ورفعت كلفة أي تصعيد ضدهم.
على المستوى الدولي، أدار نيجيرفان بارزاني شبكة اتصالات كثيفة مع القوى المؤثرة. فقد نسّق مع فرنسا، والولايات المتحدة، والاتحاد الأوروبي، إضافة إلى تركيا والإمارات، متبنّيًا خطاب المصالح المشتركة بدل الصدام. ذكّر أنقرة بأن استمرار القتال شمال سوريا سيهدد أمنها الحدودي، ونبّه واشنطن إلى أن تفجر الصراع سيخدم خصومها الإقليميين وبقايا النظام السابق.
من وقف النار إلى اتفاق سياسي
أثمر هذا الحراك عن نتائج ملموسة على الأرض. فتراجعت حدة القتال، وتم التوصل إلى هدنة مؤقتة، سرعان ما مُدّدت، قبل أن تُفضي في 29 كانون الثاني إلى اتفاق سياسي أوسع. نص الاتفاق على دمج قوات سوريا الديمقراطية في مؤسسات الدولة السورية، وتسليم المعابر وحقول النفط للحكومة المركزية، مقابل اعتراف دستوري بالحقوق الثقافية والإدارية للكورد، وضمان عدم ملاحقتهم.
ومن أبرز نتائج هذا التفاهم، معالجة ملف معتقلي تنظيم داعش، الذين شكلوا خطرًا أمنيًا داهمًا. وبفضل التنسيق بين دمشق وأربيل وواشنطن، أُتيح نقل أعداد كبيرة منهم إلى العراق، في خطوة وُصفت بأنها مكسب مهم للأمن الإقليمي والدولي.
بلغ الدور الدولي لنيجيرفان بارزاني ذروته عبر تنسيقه مع باريس وواشنطن وأنقرة. فقد أجرى اتصالًا مباشرًا مع إيمانويل ماكرون، الذي أشاد علنًا بجهوده الوساطية، قبل أن يستقبل لاحقًا وزير الخارجية الفرنسي في أربيل. كما استضاف بارزاني المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا، في توقيت عكس موقعه كحلقة وصل إقليمية قادرة على مواءمة المصالح المتعارضة.
أما في ما يخص تركيا، فاعتمد مقاربة دقيقة تراعي حساسيات أنقرة الأمنية، وساهم عبر قنوات غير مباشرة في إدماج مخاوفها ضمن مسار التسوية، بدل تجاهلها.
بالمجمل، ما جرى في كانون الثاني وشباط 2026 أكد أن الدبلوماسية لا تزال قادرة على فرض حلولها، حتى في أكثر ساحات الشرق الأوسط تعقيدًا. لقد نجح نيجيرفان بارزاني في توظيف الرصيد السياسي والدبلوماسي لإقليم كوردستان لمنع كوباني من التحول إلى ساحة دمار جديدة، مقدّمًا نموذجًا لدور كوردي فاعل في رسم معادلات الإقليم.