شفق نيوز- ترجمة خاصة   

أصبح النفط يلعب دورا مركزيا في إعادة صياغة علاقات العراق والولايات المتحدة، لكن الانتقال الناجح من الأمن إلى الطاقة، يتطلب تحركا سريعا من بغداد ومن رئيس الوزراء علي الزيدي، الذي يتحتم عليه تأكيد سلطته الداخلية وابتعاد الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن تقلباته غير المتوقعة، بما يسمح بإقناع المستثمرين والشركات الأميركية بأن بيئة العمل في العراق آمنة ومجدية. 

وجاء ذلك في قراءة لمعهد "المجلس الأطلسي" الأميركي الذي ذكر بداية أنه خلال الزيارة الأولى للزيدي إلى البيت الأبيض في تموز/يوليو، صاغ ترامب التحول في العلاقات بشكل صريح بما مفاده أنه مع انسحاب القوات الأميركية بحلول 30 أيلول/سبتمبر، فإنه يتحتم على شركات النفط الأميركية أن تحل مكانها.

وبعدما وصف المعهد الأميركي في تقرير له، ترجمته وكالة شفق نيوز، إعادة صياغة العلاقات بين واشنطن وبغداد بأنها ترتكز على النفط والتجارة والاستثمار، ما يمثل انتقالا صعبا، اعتبر أن حكومة الزيدي تواجه ضغوطا خارجية من الصراع الأميركي - الإيراني المتواصل وتتحرك نحو نزع سلاح الميليشيات المدعومة من إيران، ولهذا فإن أمامها نافذة ضيقة لجذب الاستثمار الأميركي إلى قطاعها النفطي وتأمين الدعم الأميركي لخطط تنويع منافذ التصدير الخاصة بها. 

وتابع التقرير أن هذه القضية أصبحت أكثر إلحاحا بعد أن كشف إغلاق إيران لمضيق هرمز، عن ضعف الاقتصاد العراقي المعتمد على النفط، مشيراً إلى أن الزيدي تعهد بنقل العلاقات من "إدارة الأزمات إلى خلق الفرص".

ولفت التقرير إلى أنه مع استمرار الحرب الأميركية - الإيرانية، يبدو أن هذا التوازن بين النفوذين الإيراني والأميركي، لم يعد من السهل الدفاع عنه الآن، مشيراً إلى عدم قدرة بغداد على كبح جماح الفصائل المسلحة التي شنت هجمات على خط أنابيب النفط الرئيسي في السعودية، وأثارت تساؤلات حول السيادة واحتكار الدولة لاستخدام القوة.

وفي حين أشار التقرير إلى أن نظرة ترمب إلى أولوية الشراكات التجارية ومصالح الشركات الأميركية في العلاقات الخارجية، لفت إلى أنه بالنسبة للقادة الشيعة الأكثر براغماتية في العراق، فإن هذا النهج يشكل نقطة دخول لإعادة ضبط العلاقات. 

ومع ذلك، رأى التقرير أن محاولة العراق لإعادة تنظيم العلاقات مع الولايات المتحدة تعتمد بشكل كبير على كبح جماح الفصائل وتأمين شروط تجارية ملائمة لشركات النفط ومستثمري خطوط أنابيب التصدير، وذلك في ظل إطار زمني محدود قبل أن تفقد الولايات المتحدة اهتمامها.

وبحسب التقرير، فإن بغداد تعتقد أن فتح قطاع النفط للشركات الأميركية يمكن أن يساعد في حماية العراق من المزيد من الضغوط الأميركية، وهو ما يعكس سبب زيارة الزيدي إلى واشنطن والتي هيمن عليها إبرام الصفقات، حيث تم ربط الاتفاقات الأولية في البداية بأكثر من 60 مليار دولار، وبالدرجة الأولى في قطاع النفط، ثم تضخمت لاحقا إلى 200 مليار دولار.

وتابع قائلا إن دخول الشركات الأميركية يعتبر أمرا أساسيا أيضا لتحقيق هدف حكومة الزيدي المتمثل في رفع الطاقة الإنتاجية من 5 ملايين برميل يوميا إلى 7 ملايين برميل يوميا بحلول العام 2030. 

وذكر التقرير بأن العديد من التحديات الداخلية على الصعيد الاقتصادي، دفعت العديد من الشركات الرائدة إلى الانسحاب، مثلما جرى بداية مع "ستات أويل" في العام 2012، ومع "أوكسيدنتال" في العام 2016، و"شل" في العام 2018، و"إكسون موبيل" في العام 2024، في حين أن الشركات الصينية سدت الفراغ وجاءت للسيطرة على جوائز المشاريع التي تبلغ قيمتها مليارات الدولارات والتي غالبا ما تفتقر إلى الشفافية، بينما أضر النزوح الغربي بسمعة القطاع النفطي في العراق، إلى أن بدأت وزارة النفط في تغيير مسارها في العام 2018 عندما قدمت عقود "تقاسم الأرباح"، المصممة لتوزيع المخاطر والمكافأة بشكل أكثر توازنا مع الشركات الأجنبية. 

وتابع التقرير أن نقطة التحول حصلت في العام 2023، عندما ساعد النموذج الجديد العراق على التوقيع مع شركة "توتال اينرجيز" الفرنسية الفرنسية لتطوير الغاز بقيمة 27 مليار دولار في البصرة، تلاه منح إعادة تطوير حقل كركوك النفطي العملاق لشركة "بي بي" في العام 2025، إلا أن القطعة المفقودة في المشهد كانت الشركات الأميركية، خصوصا بعد رحيل "اكسون". 

وبحسب التقرير فإن العراق كان حريصا على إعادة شركات النفط الأميركية، وينظر إلى وجودها على أنه نقطة انطلاق لإعادة ضبط العلاقات مع واشنطن وإعادة بناء سمعة القطاع، مضيفا أن وجود الشركات الأميركية يمكن ان يحد أيضا من الضغط المتزايد لواشنطن على بغداد، منذ الرئاسة الأولى لترمب، للحد من اعتماد العراق على واردات الطاقة من إيران.

العلاقة مع سوريا

وذكر التقرير أن بغداد ترى فرصة للتوافق مع سياسة ترمب في سوريا لتعزيز إعادة الضبط بين الولايات المتحدة والعراق، مشيراً إلى أن واشنطن تدعم دخول شركات النفط الأميركية إلى سوريا وتؤيد طموحات دمشق في أن تصبح مركزا جديدا لصادرات الطاقة في الشرق الأوسط بعد أزمة هرمز.

ولفت إلى أن العلاقات العراقية - السورية المزدهرة يمكن أن تخلق فرصا أمام الشركات الأميركية، مشيراً إلى أن المشغلين الأميركيين الأصغر في إقليم كوردستان يقومون بتوسيع وجودهم في شمال شرق سوريا.

وتابع أن تشغيل منفذ تصدير بديل عبر سوريا من شأنه أن يعزز حالة الاستثمار لشركة "إكسون" و"شيفرون" والشركات الأميركية الأخرى في حقول النفط العراقية.

وتابع التقرير أن الضرورة الاستراتيجية واضحة بالنسبة لبغداد لأنها تحتاج إلى طريق بديل إلى السوق حيث لا يزال مستقبل الشحن التجاري عبر هرمز غير مضمون.

وأضاف أنه بالنسبة للعراق، فإن الاستثمار في خطوط النفط والغاز له ما يبرره استراتيجيا، بالنظر إلى أن الصراع أدى حتى الآن إلى خسارة ما لا يقل عن 40 مليار دولار من عائدات تصدير النفط المحتملة.

والى جانب ذلك، قال التقرير إن الانخراط الأميركي يمكن أن يوفر للعراق رأس المال وطريقة لإشراك واشنطن في الترتيبات الأمنية حول ممرات خطوط الأنابيب مع سوريا، والتي سيمر الكثير منها عبر الأراضي في كلا البلدين المهددين من قبل داعش وهجمات الفصائل المدعومة من إيران. 

إلا أن التقرير رأى أن مشاريع خطوط الأنابيب تستغرق سنوات لتحقيقها، وسيواجه التعاون مع الرئيس السوري أحمد الشرع معارضة داخل عناصر الطبقة السياسية الشيعية في العراق.

النافذة الضيقة

وقال التقرير إن مهمة الزيدي أكثر صعوبة من مهمة أسلافه، مضيفا أنه على الرغم من أن الزيدي تلقى المديح من ترمب، غير أن الدعم الأميركي غير مضمون، خصوصا بالنظر إلى أسلوب الرئيس ترمب الذي لا يمكن التنبؤ به والديناميات المتغيرة في المنطقة وخارجها.

واعتبر التقرير أن نفاد الفرص المتاحة مع البيت الأبيض قد تكون قصيرة الأمد، موضحا أنه بحلول كانون الثاني/يناير المقبل، قد يواجه ترمب كونغرس يسيطر عليه الديمقراطيون ويميل أكثر إلى التدقيق في إبرام الصفقات في الشرق الأوسط، كما أنه بحلول العام 2029، سيترك ترامب منصبه.  

وأضاف أنه بينما قد يدعم الرئيس الأميركي المقبل توسيع العلاقات الاقتصادية مع العراق، إلا أن الزخم يمكن أن يتبدد، وقد يصبح صنع القرار أقل شخصية.

ولهذا، حث التقرير الحكومة العراقية على التصرف بسرعة بينما لا يزال هناك اهتمام وحسن نية لرؤية هذه المشاريع تتحقق بما في ذلك عبر الأراضي السورية والأراضي التركية. 

وخلص التقرير إلى القول إن الاختبار الأكثر أهمية هو الأمان، حيث يحتاج الزيدي إلى بناء إجماع وطني حول نزع سلاح الفصائل وإبعادها عن الدولة، محذرا من أن الفشل في القيام بذلك يترك أي توسع في الوجود التجاري الأميركي في قطاع النفط العراقي عرضة للهجمات، مما يمنح الجماعات طريقة جديدة للضغط على كل من بغداد وواشنطن.

وتابع التقرير أنه في حال تمكن الزيدي من تحقيق التوازن بين الامتيازات التجارية والسيطرة المحلية، وتقييد الفصائل، وربط صفقات النفط مع مشاريع تنويع الصادرات، فإنه سيكون بمقدوره تحويل العلاقات الأميركية العراقية إلى شراكة اقتصادية استراتيجية قد تستمر بعد إدارة ترمب.