شفق نيوز- ترجمة خاصة
يتزايد ارتباط الشيعة في العراق بفكرة أن التهديد بالحرب الأميركية ضد إيران سيشكل تهديداً لنفوذهم في المنطقة، بحسب قراءة لمعهد "المجلس الأطلسي" الأميركي، وهو ما يدفع الفصائل المسلحة إلى التشدد في مسألة تسليم السلاح قبل انجلاء غبار الحرب.
ويظهر ذلك أيضاً أن العراق لم ينجح في بناء دولة مؤسسات ديمقراطية، وإنما دولة طوائف، وأن معركة رئيس الوزراء علي الزيدي، لا تتعلق بنزع السلاح، وإنما باستعادة احتكار الدولة لسيادتها.
وذكر "المجلس الأطلسي" في تقرير ترجمته وكالة شفق نيوز، أنه ليس سراً أن الأحداث الجارية في محيط العراق أثرت في سياسته ومجتمعه واقتصاده، مضيفاً أنه رغم أن التغيرات التي شهدتها المنطقة بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 تركت انعكاساتها على العراق، فإن التأثير الأكبر على السياسة العراقية جاء من تداعيات 28 فبراير/شباط 2026، أي بدء الحرب الأميركية على إيران.
واعتبر أن اغتيال المرشد علي خامنئي، وانتقال المنصب إلى مجتبى خامنئي، حوّل إيران من "دولة ثيوقراطية" تهيمن عليها ولاية الفقيه إلى نظام "جنتوقراطي" يعكس سيطرة الجنرالات في المجلس الأعلى للحرس الثوري، مبيناً أن هذا التحول الهيكلي في النظام الإيراني، والتهديدات الوجودية التي واجهها خلال الحرب، أديا إلى تعزيز النفوذ الإيراني على الطوائف الشيعية في العراق والمنطقة.
وبحسب التقرير، فإن الحرس الثوري ما يزال يستخدم قوة الدين والطائفة في التأثير على أتباعه، إلا أنه تبنى خطاباً أكثر إلحاحاً من الناحية العسكرية، إذ يخبر الشيعة في أنحاء المنطقة كافة بأن سقوط طهران يعني سقوط الحكم الشيعي في المنطقة أيضاً، وهو ما يعزز رواية طهران بشأن "المصير المشترك"، ويقوي هيمنتها على الفصائل في المنطقة، بما في ذلك العديد من العراقيين، حتى أولئك الذين لا يؤمنون بالسلطة الروحية لولاية الفقيه أو لا ينتمون إلى الفصائل المسلحة، لأن التهديدات التي تتعرض لها طهران تُعد، وفق هذا الخطاب، تهديدات لجميع الشيعة.
وأضاف أن هذا الاعتقاد بوجود تهديد مشترك يفسر الزيادة الحادة في عدد الفصائل العراقية المسلحة الرافضة لنزع السلاح، من خمس فصائل إلى عشر، وذلك بعد التصعيد الأميركي الأخير ضد إيران، والكشف عن نقاشات داخل مجلس الأمن القومي الأميركي بشأن خطط لعمليات برية ضد إيران، موضحاً أن ذلك يفسر أيضاً تهديد عناصر حركة النجباء بـ"اعتقال" جنود من الجيش العراقي وقوات الشرطة عندما حاولوا، مؤخراً، دخول أحد مقارها في جنوب بغداد.
ووفقاً التقرير، فإن أهمية هذا التحول الأيديولوجي بين الشيعة تقودنا إلى الهيكل المؤسسي للحكم في العراق، وهو الهيكل القائم على سيادة الطائفة على الدولة، حيث أصبحت مؤسسات الدولة مملوكة للطوائف بدلاً من أن تكون ملكاً للدولة، مضيفاً أن "العراق لم يصبح دولة حكم فردي ولا دولة حكم مؤسساتي، وهو ليس نظاماً برلمانياً ولا رئاسياً، بل هو ببساطة حالة حكم طائفي، تكون فيها لكل طائفة مؤسسة سياسية تمثلها، ولكل طائفة منصب على المستوى الرئاسي والوزارات".
وأشار إلى أنه باستثناء الكورد، اندمجت الطوائف في مؤسستين سياسيتين، إحداهما شيعية والأخرى سنية، مؤكداً أن معركة الإطار التنسيقي مع التيار الصدري بعد انتخابات عام 2021 كانت بمثابة رسالة، مدعومة من طهران عبر فصائلها المسلحة، إلى كل من يحاول تحدي الهيكل المؤسسي الطائفي.
وتابع التقرير، قائلاً إن الولايات المتحدة حاولت مؤخراً كسر هذا الهيكل الطائفي من خلال اختيار رئيس وزراء من خارج الإطار التنسيقي، عبر التهديد بقطع الدعم عن بغداد إذا اختارت مرشحاً متحالفاً مع طهران، ثم احتفت برئيس الوزراء الجديد، علي الزيدي، خلال زيارة رسمية إلى البيت الأبيض.
وفي حين لفت التقرير إلى أن الإدارة الأميركية تأمل أن يتمكن الزيدي، من نزع سلاح الفصائل بالكامل قبل انسحاب القوات الأميركية من العراق بحلول نهاية سبتمبر/أيلول، مشيراً إلى أن كبار أعضاء الإطار التنسيقي يعتبرون أن مصير السلاح مرتبط بنتائج الحرب "الأميركية – الإيرانية" المتواصلة.
وبين أنه "إذا كان وجود النظام الإيراني في خطر، أو لم تعطِ طهران موافقتها بشأن نزع سلاح هذه الفصائل، فإن القوى المؤثرة داخل الإطار التنسيقي لن تدعم الزيدي في الوفاء بتعهده للرئيس الأميركي دونالد ترمب بحل الفصائل قبل نهاية هذا العام".
وقال التقرير، إنه رغم أن الزيدي ذكر في أحد اجتماعات الإطار أنه مستعد للمخاطرة بمواجهة مسلحة مع الفصائل من أجل نزع سلاحها، فإنه يدرك أن الإطار لن يسمح بمواجهة عسكرية شيعية - شيعية، ولذلك لن يكون أمامه خيار سوى الاستقالة، خصوصاً إذا سحب البيت الأبيض دعمه له بعد فشله في تنفيذ المهمة التي حظي بالدعم من أجلها.
وخلص المعهد الأميركي إلى أن الأضواء التي رافقت زيارة الزيدي إلى واشنطن لا تكفي، إذ إن التجربة مع رؤساء الوزراء السابقين تظهر أن الأهم ليس القرار ولا حتى الدعم الخارجي، مهما كان مصدره، وإنما وجود جدول أعمال متفق عليه بين جميع الأطراف بشأن القضايا الرئيسية، مثل نزع سلاح الميليشيات.
وختم التقرير بالقول: "ما لم يتمكن الزيدي من كبح دور المؤسسات الطائفية في تشكيل قرارات الدولة، وفي تحديد مصيرها واتجاهها، فلن يكون أكثر من نسخة أخرى من رؤساء الوزراء السابقين، الذين كانوا، داخل العراق، مجرد منفذين للسياسات التي تقررها المجالس الطائفية"، مبيناً أن "المعركة أمام الزيدي، إذن، ليست نزع سلاح الفصائل، بل استعادة احتكار الدولة لسيادتها".