شفق نيوز- ترجمة خاصة

يرى موقع "بوليتيكس توداي" التركي، أن استمرار التقارب بين أنقرة وبغداد لا يعتمد فقط على الإرادة الاستراتيجية لتركيا، بل أيضاً على قدرة العراق على إدارة توازناته الداخلية والخارجية، وهي عملية قد تتطور بما يسهم في إعادة تشكيل النظام الإقليمي.

وأشار الموقع، في تقرير ترجمته وكالة شفق نيوز، إلى أن الأزمة السياسية التي سبقت تشكيل حكومة علي الزيدي، انتهت، معتبراً أن السياسة في العراق تبدو وكأنها تعمل حالياً، إلا أن التوازن الذي يحافظ على النظام أصبح أكثر هشاشة.

وعزا التقرير، ذلك إلى حالة التجزؤ داخل الفضاء السياسي الشيعي، والتنافس بين الحزب الديمقراطي الكوردستاني والاتحاد الوطني الكوردستاني، وظهور شبكات أكثر براغماتية بين القوى السياسية السنية، فضلاً عن الانقسامات الداخلية داخل الفصائل المتحالفة مع إيران، مبيناً أن كل ذلك يشير إلى تحول المشهد السياسي في بغداد.

ورغم ذلك، أوضح أنه لا يمكن الادعاء بأن النظام القائم قد انهار، إلا أن التوازن السياسي الذي يقوم عليه هذا الهيكل لم يعد يعكس "العراق القديم"، حيث أصبحت التحالفات تُقام بصورة أكثر مرونة، وباتت الساحة السياسية أكثر تجزؤاً، فيما أصبحت الجهات الفاعلة تتصرف بقدر أكبر من البراغماتية.

كما اعتبر التقرير أن النظام ما زال مستمراً، لكن الخوارزمية السياسية التي تحافظ عليه تشهد تغيراً متواصلاً، في حين أصبحت القدرة على صنع القرار أكثر هشاشة، مضيفاً أن القضية في العراق لم تعد تقتصر على تشكيل حكومة، بل باتت تتعلق ببناء دولة فاعلة قادرة على اتخاذ القرار وممارسة سيادتها على البلاد.

وأشار إلى أن التوازن بين الولايات المتحدة وإيران عاد ليصبح قضية حاسمة في هذه المرحلة، مؤكداً أن تفسير السياسة العراقية من خلال سؤال "من ينتصر، الولايات المتحدة أم إيران؟" لم يعد دقيقاً، فالتطورات الأخيرة، تظهر أن إيران لا يمكن إخراجها من المعادلة السياسية، كما أن واشنطن غير قادرة على فرض مجال نفوذ حاسم بمفردها.

ووفقاً للتقرير، فإن النموذج الجديد لإدارة المنافسة بين الطرفين بدأ يتشكل، بحيث لا يسعى أي منهما إلى إلغاء مساحة المناورة الخاصة بالآخر بشكل كامل، وإنما إلى رسم حدود استراتيجية لتحركاته، ومن وجهة نظر الولايات المتحدة، فإن الهدف ليس القضاء على النفوذ الإيراني بالكامل، لأن مثل هذه الخطوة قد تؤدي، في ظل هشاشة الوضع العراقي، إلى زيادة الاضطرابات وعدم الاستقرار.

ولفت الموقع، إلى أن البرنامج الحكومي لعلي الزيدي، يتعامل مع الأمن والاقتصاد والسياسة الخارجية بوصفها عناصر مترابطة ضمن إطار استراتيجي واحد، يشمل تعزيز قدرات الدولة، والإصلاحات الاقتصادية، واستثمارات الطاقة، ومركزية القرارات الأمنية، وسياسة التوازن في العلاقات الخارجية.

ولفت إلى أن من أبرز النقاط اللافتة في البرنامج الحكومي استمراره إلى حد كبير في تبني خريطة الطريق التي وُضعت خلال حكومة محمد شياع السوداني، ولا سيما ما يتعلق بمشروع طريق التنمية، وجهود التكامل في قطاع الطاقة، وسياسة الانفتاح والانخراط الإقليمي.

وفي ظل ما وصفه التقرير بهشاشة حكومية أكبر مقارنة بفترة السوداني، تابع التقرير، قائلاً إن "أنقرة تطور في الآونة الأخيرة مقاربة استراتيجية أوسع نطاقاً، لا تقتصر على العمليات العسكرية، بل تشمل أيضاً بناء قدرات الدولة، والتعاون المؤسسي، والتكامل الاقتصادي، وتعزيز الترابط الإقليمي".

وبين أن تركيا تركز على معالجة الفراغات السياسية والعسكرية والاقتصادية التي تنشأ في المناطق التي تتراجع فيها قدرة الدولة على أداء وظائفها، وتسعى، إلى جانب إبعاد المخاطر الأمنية عن حدودها، إلى إنشاء ممر للاستقرار الإقليمي يسهم في سد هذه الفراغات قدر الإمكان.

وفي هذا السياق، أكد أن مشروع طريق التنمية يحتل مكانة خاصة، إذ إن العراق، الذي كان لعقود طويلة ممراً للصراعات، يسعى اليوم إلى ترسيخ مكانته مركزاً إقليمياً للتواصل والترابط، مشيراً إلى أن موقع العراق كدولة محورية يستعيد أهميته في هذا الإطار، فهو ليس مجرد جغرافيا هشة، بل يمثل إحدى أهم مناطق العبور في الشرق الأوسط، كما أنه لا يزال ساحة تتقاطع فيها المصالح والصراعات الإقليمية، ولهذا، فإن أي فراغ سياسي يظهر في بغداد يمكن أن يتحول سريعاً إلى ساحة تنافس إقليمي.

وذكر أن هذا الموقع الجغرافي المحوري يمنح العراق ميزة استراتيجية كبيرة من خلال ممرات الطاقة والتجارة وشبكات النقل والاتصال الإقليمي، ما يجعله أحد أهم المراكز الجيوسياسية في الشرق الأوسط، موضحاً أن عودة العراق إلى موقع "خط الصدع" الذي تحاصره الصراعات والحروب بالوكالة، أو تحوله إلى مركز للتكامل الإقليمي، ستكون لهما تداعيات لا تقتصر على مستقبل العراق فحسب، بل تمتد إلى مستقبل المنطقة بأسرها.

وخلص التقرير، إلى أن التقارب الاستراتيجي المتنامي بين تركيا والعراق لا ينبغي النظر إليه بوصفه مجرد عملية ثنائية اعتيادية، بل باعتباره جزءاً من صراع أوسع بين نهجين في الشرق الأوسط: نهج التجزؤ القائم على الاعتبارات الأمنية، ونهج التكامل القائم على الترابط والتواصل.

وختم التقرير بالتنبيه إلى أن استدامة هذه العملية لا تعتمد فقط على الإرادة الاستراتيجية التي تبديها أنقرة، بل تتطلب أيضاً قدرة بغداد على تحقيق التوازن بين المرونة السياسية وتعزيز مؤسسات الدولة. وأكد أن المسار الذي سيسلكه العراق خلال المرحلة المقبلة لن يؤثر على مستقبله الداخلي فحسب، بل سيكون له دور مباشر في رسم ملامح النظام الإقليمي القادم.