شفق نيوز/ ترجمة خاصة

قبل أن تسلط الأضواء العالمية على مواقع أثرية إيرانية شهيرة مثل "برسيبوليس" أو "ميدان نقش جهان"، كان موقع "چغازنبیل" (جغا زنبيل) الأثري، الواقع في جنوب غربي إيران، شق طريقه مبكرا ليكون أول معلم في هذه البلاد يدرج على قائمة التراث العالمي لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (يونسكو) عام 1979. 

وبحسب تقرير لوكالة فارس الايرانية ترجمته وكالة شفق نيوز، يكتسب الموقع، الذي يمثل بقايا مدينة "دور أونتاش" الأثرية، أهمية استثنائية في تاريخ الشرق الأدنى القديم، ليس فقط لكونه فاتحة الحضور الإيراني في سجلات التراث العالمي خلال الاجتماع الثالث للجنة التراث التابعة لليونسكو، بل باعتباره شاهدا حيا على الهندسة المعمارية والمدنية لحضارة عيلام.

في قلب خوزستان

وتأسست المدينة في القرن الثالث عشر قبل الميلاد (نحو 1250 ق.م) بأمر من الملك العيلامي "أونتاش نابيريشا"، لتكون مركزا دينيا وحضاريا ثقلا في المنطقة. ويقع الموقع اليوم على بعد نحو 40 كيلومترا جنوب شرقي مدينة شوش (السوس التاريخية) في محافظة خوزستان.

في قلب هذه المدينة، ترتفع زقورة "چغازنبیل" الضخمة، والتي يصفها خبراء الآثار بأنها واحدة من أفضل الزقورات المحفوظة في العالم.

وتشير الدراسات التاريخية إلى أن البناء المدرج كان يتألف في الأصل من خمسة طوابق بارتفاع يصل إلى 52 مترا، ولا يزال نحو 25 مترا منها صامدا حتى اليوم، متحديا عوامل الزمن لأكثر من ثلاثة آلاف عام.

إدارة مبكرة للمياه

ما يميز "چغازنبیل" في نظر علماء الآثار ليس الفخامة العمرانية الفردية، بل المخطط المدني المتكامل للمدينة التي صممت بثلاثة أسوار متداخلة تحيط بالمعابد، والقصور الملكية، والمقابر، والمنشآت الخدمية.

ومن أبرز الملامح العلمية للموقع منظومة إمداد المياه المتطورة، فنظرا لانخفاض مستوى نهر "دز" القريب عن سطح المدينة، شق المهندسون العيلاميون قناة بطول 45 كيلومترا تقريبا لجر المياه من نهر "الكرخة". وتظهر المكتشفات الأثرية أن المياه كانت تصب في أحواض ترسيب مخصصة لتصفيتها قبل أن تتدفق إلى المدينة عبر شبكة أنابيب فخارية، وهو ما يعتبره باحثون أحد أقدم نظم تنقية المياه في العالم القديم. 

من الرماد إلى سجلات التاريخ

إلى جانب العمارة، يمثل الموقع خزانة وثائقية، إذ عثر المنقبون على آلاف القطع من الطوب المنقوش باللغتين العيلامية والأكادية، تحمل تفاصيل دقيقة عن المعتقدات الدينية، والأنظمة السياسية، وحركة البناء في تلك الحقبة.

ورغم التحصينات، واجهت المدينة نهايتها في القرن السابع قبل الميلاد (نحو 640 ق.م) جراء هجوم شنه الجيش الآشوري بقيادة الملك "آشور بانيبال"، حيث دمرت المدينة وهجرت تدريجيا لتدفنها الرمال لقرون طويلة. 

وفي خمسينيات القرن الماضي، حظي الموقع باهتمام علمي واسع إثر التنقيبات الشاملة التي قادها عالم الآثار الفرنسي "رومان غيرشمان"، والتي أزاحت الستار عن تفاصيل هذه الحاضرة الدينية، وغيرت الكثير من المفاهيم حول القدرات التقنية للحضارات الشرقية القديمة. 

واليوم، يشكل موقع "چغازنبیل" نقطة جذب رئيسية لخبراء الآثار والسياحة الثقافية، ممهدا الطريق لعشرات المواقع الإيرانية  الأخرى التي انضمت لاحقا إلى قائمة اليونسكو، لتوثق مجتمعة فصلا بارزا من التراث الإنساني المشترك.