شفق نيوز- ترجمة خاصة 

يوثق كتاب "عين الموصل: حرب العلماء السرية ضد داعش"، التجربة المذهلة التي خاضها العراقي عمر محمد، للمساهمة في تحرير المدينة من قبضة داعش، ومساعدته في هروب مئات المدنيين منها، ورصد تفاصيلها اليومية تحت حكم الإرهاب، لكنه يتساءل عما إذا لا يزال بالإمكان إحياء روح المدينة بعد الدمار الذي لحق بها، وتهجير العديد من أهلها. 

وجاء ذلك في تقرير لصحيفة "ذي ناشيونال" الصادرة بالانجليزية، ترجمته وكالة شفق نيوز، مشيراً إلى أن عمر محمد كان ينشر تدوينات على وسائل التواصل الاجتماعي حول احتلال داعش للموصل، تحت اسم مستعار على حساب "عين الموصل". 

ولفت التقرير إلى ما جرى مع عالم آثار عراقي أطلق عليه اسم "نديم" الذي هرب من المبنى الذي حوصر فيه هو وعائلته خلال المعركة التي قادتها الولايات المتحدة لتحرير المدينة من داعش، دون أن يعرفوا أن الشخص الذي رتب إجلائهم كان صديقا مقربا، هو عمر محمد الذي كان يحضر اجتماعات نديم السرية الأسبوعية حول آثار المدينة وتراثها، والتي حاول داعش محوها.

وتابع التقرير أن كيفية انقاذ عمر محمد لصديقه هذا وغيره من مئات الأشخاص من الموصل من خلال تغريداته، يتم سردها في الكتاب الذي يستعيد تجربة احتلال داعش للمدينة وتحريرها، من خلال التعامل كمؤرخ يروي قصة مدينة تحت الحصار لجمهور واسع، والتدوين حول المعلومات التي جمعها من المحادثات اليومية والحياة في المدينة.

وأضاف التقرير أن عمر محمد كان مع حلول العام 2016، قد فر من الموصل إلى باريس، وتابع تطورات الحرب عبر الانترنت عن طريق صور الأقمار الصناعية، وكان يتواصل مع المدنيين المحاصرين في المدينة وينشر الإحداثيات على حسابه على منصة "تويتر". 

وذكر التقرير أن عمر محمد بعدما كان يرفض طوال سنوات مشاركة معلوماته مع أجهزة الاستخبارات، إلا أنه صار بعدها يرسل معلومات إلى القيادة المركزية الأميركية وقوات الأمن العراقية لإنقاذ حياة الناس، قائلاً إنه: صار بإمكانه توجيه رجال الإنقاذ العراقيين عبر الشوارع الجانبية التي يعرفها جيدا. 

وبحسب التقرير، فإن الكتاب الجديد يتضمن رسالة كتبها بابا الفاتيكان الراحل البابا فرانسيس، إلى عمر محمد، ويتضمن كذلك مقدمة القائد السابق للقوات الأميركية الجنرال ديفيد بترايوس، الذي قاد القوات الأميركية في الموصل بعد غزو العراق العام 2003.

وأشار التقرير إلى أن عمر محمد يخشى الآن ألا يكون إعمار الموصل وحده كافيا لكي تتعافى من جروحها، واصفا المدينة بأنها كانت في يوم من الأيام إحدى أقدم مدن العالم، ومركزا رئيسيا للمشرق على طريق التجارة إلى الهند، حيث تعايشت فيها مجتمعات بمختلف الأديان واللغات طوال قرون.

وأكمل قائلا إن عقوداً من الطائفية والصراع، التي تفاقمت بسبب احتلال داعش، تسببت في تآكل هذا النسيج الاجتماعي، فيما أدت الحملة العسكرية التي قادتها واشنطن إلى مسح المدينة بين عامي 2016 و2017.

ولفت التقرير إلى أن عمر محمد يقارن احتلال داعش والحرب التي قادتها الولايات المتحدة بعد ذلك، بخراب مدينة نينوى الآشورية القديمة في العام 612 قبل الميلاد، مذكرا بأن الموصل أقيمت على أنقاض نينوى.

ونقل التقرير عنه قوله إن "الموصل شهدت الشيء نفسه في الفترة من 2014 إلى 2017. حيث ظهرت مدينة جديدة، لأن السكان ليسوا متشابهين تماما، وهناك مجتمعات جديدة، ونظام جديد للمعيشة والمعنى، وفهم جديد لحدود المدينة".

وبحسب التقرير فإن الكتاب يبدأ بالطلقات الأخيرة التي أطلقت في استيلاء داعش على المدينة في حزيران/يونيو 2014، بعيد استيلاء داعش على مدينة الرقة السورية، ثم انسحاب قوات الأمن من الموصل، مشيراً إلى أنه بعد أسابيع من الهدوء المقلق، بقيت الأقليات في المدينة في منازلهم، وشعر السكان لفترة بالارتياح للتخلص من نظام قمعي والتخلص من نقاط التفتيش الحكومية، إلا أن مساحة التنفس هذه كانت قصيرة، حيث ظهر زعيم داعش أبو بكر البغدادي لأول مرة علنا في مسجد النوري، وسرعان ما تلت ذلك مجازر الايزيديين في جبال سنجار والشبك في سهول نينوى، فيما طرد مسيحيو الموصل منها.

ولفت التقرير إلى أن الكتاب يتضمن توثيقا جيدا للمجازر الطائفية التي جرت، من بينها مقتل الآلاف من الايزيديين، والتي وصفتها الأمم المتحدة بأنها "إبادة جماعية".

كما أشار إلى أن الكتاب سلط الضوء على محاولات داعش الفاشلة لدمج المجتمع المسيحي في الموصل في المدينة لإضفاء الشرعية على حكمه، حيث سعى التنظيم إلى فرض الجزية عليهم، فرفضوا بخلاف موقف مسيحيي الرقة السورية، وأجبروا على الخروج من المدينة. 

وحول مجزرة أخرى، يتناول الكتاب وصف أحد أعضاء داعش مذبحة النساء في قرية يقطنها مكون الشبك الذي نظر اليهم داعش على أنه متحالف مع إيران، وجرى "تطهيرها". 

كما يتناول الكتاب كيف أن سيطرة داعش على الموصل، كانت في البداية بيروقراطية، وليست عسكرية، حيث أن التنظيم كان يعزز وجوده في المدينة طوال سنوات قبل الغزو، حيث كان العديد من أعضائه جزء من قوات الشرطة المحلية والمؤسسات الأخرى، وتحركوا لفرض سيطرتهم بمجرد سقوط عباءة القوات الحكومية. 

وأوضح أن العديد من أعضاء التنظيم كانوا من الضباط السابقين في قوات صدام حسين وأجهزة استخباراتها التي تم تطويرها بدعم من الاتحاد السوفيتي، وقد جلبوا معهم هيكل القيادة الهرمي، وتقسيم الاستخبارات و"غريزة توثيق كل شيء".

ونقل التقرير عن عمر محمد قوله إن "لغة الخلافة كانت هي الحكم الإسلامي في القرن السابع، ولكن هندستها كانت بيروقراطية عسكرية عراقية من القرن الـ20". 

كما تناول في الكتاب، كيفية استغلال شكاوى الناس وآلامهم، بإنشاء مكتب المظالم كأول مكتب إداري له، فيما كان الناس يصطفون مع وثائقهم أو عقودهم لتسجيل النزاعات التي وقعت في ظل النظام القديم، مشيراً إلى أن هؤلاء "جاءوا لطلب العدالة من السلطة الجديدة لأن السلطة القديمة لم تقدم لهم أي شيء". 

وبحسب التقرير فإن مدنيي الموصل عوقبوا بسبب استيلاء داعش على المدينة، حيث أنه بالنسبة للعراقيين، كان أهل المدينة من المنبوذين للاشتباه في إنهم تعاونوا مع داعش، أما بالنسبة لقوات التحالف الدولي، فإن أهل المدينة المقدر عددهم بأكثر من مليون نسمة، كانوا بمثابة أضرار جانبية في حرب تهدف إلى تدمير داعش.

وبعدما لفت التقرير إلى تجدد مظاهر الحياة في المدينة، بما في ذلك أسواقها، قال إن شبابها يقودون إحياءا ثقافيا مع الحنين إلى تاريخ الموصل الذي تم محوه بالكامل، إلا أن الحفاظ على الذاكرة الثقافية للمدينة يتضمن أيضاً طرح أسئلة "صعبة" حول تاريخ الموصل المعاصر.

ولفت إلى أن من مشاريع عمر محمد الأخيرة العمل مع الأعضاء الباقين على قيد الحياة من الجالية اليهودية في الموصل، الذين طردوا من المدينة في العام 1951 ويعيشون حاليا في أوروبا.

وبحسب عمر محمد فإن التنوع الذي ميز المدينة في الماضي، يمكن أن يضيع بشكل نهائي، حيث أنه يخشى من أن احتلال داعش يمثل "نهاية" الوجود الايزيدي في المدينة، كما أنه من غير المرجح أيضا أن يعود الآلاف من المسيحيين الذين فروا وهاجروا.

وفي الختام، نقل التقرير عن عمر محمد قوله "أملي الوحيد هو أن تتمكن المدينة من التغلب على خوفها من طرح الأسئلة حيث أن الموصل لم تتمكن أبداً من طرح أسئلة حول ماضيها ومستقبلها، وهناك العديد من الأسئلة التي لم تتم الإجابة عليها، والتي تسمح لأي شخص بالمجيء والمطالبة بتلك المدينة".