شفق نيوز- بغداد

بعد 25 سنة على هجمات نيويورك وواشنطن، أظهرت الحروب الأميركية التي أطاحت بنظامي العراق وأفغانستان، أنها فتحت الباب أمام صعود النفوذ الإيراني إقليمياً، وأن بمقدور القوى العظمى النجاح في حملاتها العسكرية، لكنها قد تخسر في ملء الفراغ الذي ينتج عن حروبها، وذلك بحسب قراءة لموقع "واينت" الإسرائيلي.

وأشار الموقع الإسرائيلي، في تقرير له ترجمته وكالة شفق نيوز، إلى أن القلق تردد في جميع أنحاء المجمعات الرئاسية ومقر الاستخبارات والقصور الملكية في الشرق الأوسط، فيما بعد هجمات 11 أيلول/سبتمبر، حيث سقطت القواعد المعمول بها في الحكم الإقليمي، وكان المستبدون يتقبلون أو يتسامحون مع الحركات المتطرفة بينما يستندون إلى الضمانات الأمنية الغربية، في حين انتهى فجأة تسامح واشنطن مع هذا الغموض الإقليمي.

ولفت الموقع إلى أن العديد من الحكومات العربية في كل أنحاء المنطقة سارعت إلى محاولة فك رموز نوايا القوة العظمى الغاضبة التي كانت تستعد لخوض حرب عالمية طويلة على الإرهاب، فيما لم تكن الحكومات هذه متأكدة من الموقع الذي قد تستهدفه المطرقة الأميركية بعد ذلك، وهو ما جعل العقيد الليبي معمر القذافي، مثلاً، يعترف بالتهديد المباشر لبقاء نظامه بعدما شاهد الانهيار السريع لنظام طالبان في كابول العام 2011، والتحشدات العسكرية المزيدة باتجاه العراق، فأجرى اتصالات هادئة وسرية مع المخابرات البريطانية والأميركية.

وبحلول أواخر العام 2003، كان قد وافق على تفكيك برامج الأسلحة النووية والكيميائية وتدمير قدرات ليبيا الصاروخية، مراهناً على أن هذا التعاون سيتيح له فرصة أفضل لإنهاء العزلة الدولية وتأمين بقاء النظام بدلاً من المواجهة.

أما في بغداد، فقد اعتبر التقرير أن "صدام حسين أخطأ في تقدير مشهد ما بعد 11 أيلول بشكل أكثر قاتلاً"، مشيراً إلى اتصالات "استكشافية" جرت خلال التسعينيات بين ضباط عراقيين، بينهم فاروق حجازي، مع ممثلي تنظيم القاعدة في السودان وأفغانستان، إلا أن التحقيقات أظهرت لاحقاً أن هذه الاجتماعات لم تؤكد وجود دليل على وجود تحالف تشغيلي أو تواطؤ عراقي في هجمات 11 أيلول.

وبحسب التقرير العبري، فإن الأجواء المشحونة بعد هجمات 11 أيلول سمحت بالاستناد إلى هذه الاتصالات لتعزيز القضية السياسية التي تصور نظام صدام كشريك محتمل لأعداء أميركا، مضيفاً أنه عندما استولت قوات التحالف على بغداد في العام 2003 وانهار نظام صدام، تحطمت الركيزة العسكرية المركزية للنظام القديم لهذه الدولة العربية.

واعتبر أن المفارقة الشرق أوسطية بعد 11 أيلول، لا تتمثل في أن الولايات المتحدة تفتقر إلى القوة، وإنما أن أميركا تمتلك الكثير من القوة لدرجة أن تدمير نظامين أدى إلى تغيير البيئة الاستراتيجية بشكل جذري، ثم اكتشفت لاحقاً أنها لا تستطيع تحديد من سيملأ الفراغ، مشيراً إلى أنه بمقدور القوى العظمى أن تنتصر بحملات عسكرية فردية، لكنها تخسر عن طريق الخطأ توازن القوى الناشئ لاحقاً.

ووفق التقرير، فإن التوسع الإقليمي لإيران كان طوال عقدين من الزمن بعد الثورة الإسلامية فيها العام 1979، مقيداً من جانب قوتين معاديتين على حدودها المباشرة: حركة طالبان في كابول ودولة صدام حسين البعثية في بغداد، حيث إن وجود هذين النظامين فرض تكاليف أمنية كبيرة على طهران التي اضطرت إلى تخصيص موارد عسكرية ومالية واستخباراتية كبيرة لحماية حدودها ومنع التطويق الاستراتيجي.

وتابع التقرير: "في غضون 18 شهراً فقط، أدت الحملات العسكرية الأميركية إلى تفكيك منهجي لحاجزي الاحتواء، حيث قاد غزو أفغانستان العام 2001 إلى الإطاحة بطالبان في كابول، بينما دمر غزو العراق العام 2003 النظام العسكري لصدام حسين".

ولفت التقرير إلى أن عودة طالبان في نهاية المطاف إلى السلطة في كابول بعد عقدين من الزمن، أظهرت أن التدخلات الخارجية نادراً ما تمحو الحركات الأيديولوجية بشكل دائم. إلا أنه أشار إلى أن الإطاحة العسكرية الأولى التي جرت في العام 2001، وفرت لطهران إنقاذاً فورياً على جناحها الشرقي.

وتابع موضحاً أن طهران لم تشرع في تمكين النظام الإيراني، إلا أنه من خلال تدمير المنافسين الأساسيين للدولة الإيرانية، فإن القوة الأميركية غيرت بشكل أساسي ميزان القوى في الشرق الأوسط بطرق تميل لصالح طهران بدرجة كبيرة.

وأشار إلى أن قادة الحرس الثوري، وخصوصاً فيلق القدس بقيادة قاسم سليماني، تحركوا بسرعة للاستفادة من الفراغ.

وحول العراق، ذكر التقرير إنه مع تفكك السلطة المركزية واندلاع صراع أهلي طائفي، فإن الاستخبارات الإيرانية قامت بدعم الأحزاب السياسية وتمويل الشبكات الاجتماعية وتسليح الميليشيات القوية، وهي جماعات تجذرت بعمق في الجهاز الأمني العراقي والوزارات والمؤسسات السياسية، مما أنشأ نفوذاً دائماً.

ولهذا، رأى التقرير أنه كان بإمكان إيران، من خلال عملها في العراق، أن تمارس قوتها بشكل أعمق بكثير في بلاد الشام وشبه الجزيرة العربية كجزء من بنية إقليمية أوسع تم تطويرها طوال عقود.

وأضاف أن إيران "لم تبنِ إمبراطورية بالمعنى الكلاسيكي، وإنما بنت شيئاً أكثر مرونة يتمثل بشبكة من الشركاء المسلحين والعملاء السياسيين والحلفاء الأيديولوجيين والميليشيات التابعة التي يختلف نفوذها من بلد إلى آخر".

وبرغم أن التقرير لفت إلى أن التوسع الإيراني إقليمياً تشكل من خلال الديناميات المحلية، والربيع العربي، والحرب ضد داعش والتنافس الإقليمي مع دول الخليج، اعتبر أن "التدخل الأميركي هو ما أعاد بشكل جوهري إطلاق الشروط الأساسية لهذا التوسع".

وطبقاً للتقرير العبري، فإن الرأي القائل بأن طهران قد خلقت هيمنة إقليمية لا رجعة فيها، يتجاهل نقاط الضعف الهيكلية العميقة والإنهاك الاقتصادي والتراجع القومي المحلي والمعارضة الإقليمية، مذكراً في هذا الإطار بسقوط نظام الأسد في سوريا الذي حطم الممر البري الذي كان بمثابة الجسر اللوجستي الرئيسي لإيران إلى حزب الله في لبنان، مما وجه ضربة قاسية لشبكة طهران الإقليمية، وشكل أعمق نكسة استراتيجية لها خلال جيل.

ونوه التقرير بأن الدرس الأساسي لربع قرن ما بعد 11 أيلول، ليس أن القوة العسكرية ليست مهمة، ولا أن الانخراط وحده يمكن أن يساهم في تحويل الأنظمة المعادية، بل هو تحذير حول كيف يمكن للتدخلات العسكرية الواسعة أن تخلق عواقب متتالية غير مقصودة تصب في النهاية في صالح أطراف ثالثة منافسة.

وأوضح التقرير أن الولايات المتحدة لم تخلق قوة إيرانية إقليمياً، ولكنها من خلال تدمير هياكل دول كانت تطوق إيران، أنشأت الفراغ الاستراتيجي الذي استغلته طهران طوال عقدين من الزمن.

وخلص التقرير إلى القول إنه بعد 25 سنة على هجمات 11 أيلول، فإن السياسة الأميركية البناءة في الشرق الأوسط تتطلب التخلي عن خيال التدخلات العسكرية التحويلية والآمال الساذجة بأن الأنظمة الراديكالية يمكنها أن تصبح معتدلة، من خلال التجارة وحدها.

وختم التقرير العبري، بالإشارة إلى أن المأساة المركزية في حقبة ما بعد 11 أيلول، هي أن الحروب التي شنت باسم الأمن الأميركي انتهى بها الأمر بتفكيك أجزاء من ميزان القوى الإقليمي، ومنح إيران، عن غير قصد، أكبر انفتاح استراتيجي لها في التاريخ الحديث.