شفق نيوز- ترجمة خاصة

تجد بغداد نفسها عالقة ومقيّدة بين المطالب الإيرانية واستمرار الوجود العسكري التركي، ما يطرح تساؤلاً حول الجهة التي تحدد النظام الأمني في شمال العراق تحديداً في أجزاء بمحافظة نينوى، كما تواجه بغداد تحدي التعامل مع هذه الضغوط الخارجية وإدارتها، في ظل قدرتها المحدودة على فرض سياسة أمنية موحدة في جميع أنحاء العراق، بما في ذلك إقليم كوردستان.

وجاء ذلك في قراءة لمعهد "منتدى الشرق الأوسط" الأميركي، تحت عنوان "من يحكم شمال العراق؟"، اعتبر فيها أن العراق يواجه تحدياً يتمثل في إدارة المطالب الأمنية لاثنين من جيرانه، هما طهران وأنقرة، مع الاحتفاظ في الوقت نفسه بالسيطرة على قرارات الدولة التي ترسم شكل سلامته الإقليمية واستقلاله السياسي.

وأوضح المعهد الأميركي، في تقرير ترجمته وكالة شفق نيوز، أن مطالبة إيران بالتخلص من جماعات المعارضة الكوردية الإيرانية، وإعلان أنقرة استمرار وجودها العسكري في شمال العراق، يثيران تساؤلاً حول الجهة التي تحدد النظام الأمني في شمال العراق.

وأضاف أن السؤال لم يعد يتعلق بما إذا كان بمقدور بغداد التوصل إلى اتفاقات أمنية، وإنما بقدرتها على تنفيذها مع الاحتفاظ بالسيطرة على قرارات الأمن القومي.

وذكر التقرير أن اجتماعاً مشتركاً عُقد مؤخراً للجنة الأمنية العراقية-الإيرانية، برئاسة مستشار الأمن القومي قاسم العبودي، وبمشاركة ممثلين عن حكومة إقليم كوردستان.

وقال السفير الإيراني في العراق إن البلدين اتفقا على إبعاد جماعات المعارضة الكوردية الإيرانية من الإقليم أو تسليمها إلى إيران، فيما لم يتطرق البيان الصادر بشأن الاجتماع إلى مسألة الطرد أو التسليم، بل تناول المناقشات المتعلقة بتطبيق اتفاقية الأمن الثنائية لعام 2023 وحل القضايا العالقة.

وبحسب التقرير، فإن هذه المواقف المتضاربة تمس بمصداقية بغداد، موضحاً أن إخراج جماعات المعارضة الإيرانية أو تسليمها يمثل ممارسة الدولة لسيادتها، بما يؤثر في توازن القوى الداخلية للعراق وعلاقته بأراضيه الكوردية.

وأوضح أنه في حال وافقت بغداد على مثل هذه الإجراءات، فإنها لا تنسق مع طهران بشأن التهديد الأمني المشترك فحسب، وإنما تتنازل أيضاً عن سلطتها في ما يتعلق بكيفية استخدام العراق لأراضيه والجماعات التي تتلقى الحماية داخل حدوده، مشيراً إلى أن التباين بين موقف السفير الإيراني وصمت المشاركين العراقيين يمثل تحدياً لإثبات أن السياسة العراقية ليست مجرد استجابة للضغط العسكري الخارجي.

ورأى التقرير أن مشاركة حكومة الإقليم في هذه الترتيبات تشير إلى أن أربيل تقر بالتكلفة السياسية لعدم الامتثال، وتظهر أيضاً ضعف القدرة المؤسسية لبغداد على تطبيق هذه التفاهمات بشكل مستقل، مبيناً أن السؤال الأساسي خلال الأشهر المقبلة سيكون ما إذا كان بمقدور بغداد تحويل التزاماتها الدبلوماسية إلى تغييرات على أرض الواقع، من دون إثارة مواجهة مع الشبكات السياسية والمسلحة التي تعتمد عليها ترتيبات حكمها.

ولفت إلى أن قضية المعارضة الكوردية الإيرانية ستبقى نقطة اشتعال رئيسية، مذكّراً بأن إيران أظهرت استعدادها لاستخدام القوة ضد مواقع هذه المعارضة داخل العراق.

وتابع أنه في حال جرى التفاوض على ترتيبات نقل هذه الجماعات من دون ضمانات قابلة للتنفيذ، فقد تتعرض لضربات إيرانية مستمرة حتى بعد قبول القيود المفروضة على أنشطتها، مضيفاً أنه على العكس من ذلك، إذا لم توافق هذه الجماعات على نقلها واحتفظت بمواقع مسلحة بالقرب من الحدود، فسيكون لدى إيران مبرر لتنفيذ المزيد من التدخلات.

كما أشار التقرير إلى أن إقليم كوردستان، وأربيل بشكل خاص، مكشوفان أمنياً، لافتاً إلى أن أربيل تحتفظ بعلاقات قوية مع واشنطن، إلى جانب استضافتها جماعات المعارضة الكوردية التي تعتبرها كل من طهران وأنقرة تهديدات أمنية.

وبين أن انكشاف الإقليم يتفاقم بسبب الانقسام الداخلي بين الحزب الديمقراطي الكوردستاني والاتحاد الوطني الكوردستاني، وهو ما يحد من قدرة الكورد على العمل بوصفهم فاعلاً موحداً.

ووفقاً للتقرير، فإن هذا الانقسام يجعل الإقليم منقسماً بشأن القرارات التي تستدعي موقفاً مشتركاً، مشيراً إلى أن القوى الخارجية الفاعلة تستغل هذه الانقسامات لتطوير علاقات متميزة مع كل من أربيل والسليمانية ولهذا، فإن أربيل تتفاوض من موقع ضعف، في محاولة لتحقيق التوازن بين علاقتها مع بغداد، وحماية جماعات المعارضة، وتجنب تحويل أراضيها إلى ساحة معركة بين إيران وخصومها.

وخلص التقرير الأميركي إلى أن الاختبار الحقيقي لا يتعلق بما إذا كان بإمكان العراق توقيع ترتيبات أمنية مع إيران أو التسامح مع العمليات العسكرية التركية، بل بقدرته على ترجمة هذه الالتزامات الدبلوماسية إلى سياسات قابلة للتطبيق من خلال مؤسساته الخاصة، وما إذا كانت هذه المؤسسات قادرة على العمل بشكل مستقل عن الانقسام السياسي والإكراه الخارجي.

واعتبر أنه استناداً إلى الأدلة الحالية، لا يمكن للعراق القيام بذلك، إذ يرأس مستشار الأمن القومي العراقي الاجتماعات، لكن إيران وتركيا هما من يشكلان نتائجها.

وختم "منتدى الشرق الأوسط" بالقول إنه إلى أن تقيم بغداد سلطة حقيقية على أراضيها، وتظهر قدرتها على تطبيق القرارات الأمنية من دون توجيه خارجي، فإنها ستبقى عرضة للطموحات الاستراتيجية لدول الجوار، مبيناً أن اتفاقيات العراق الأخيرة مع طهران قد تحقق مؤقتاً المطالب الأمنية الإيرانية، لكنها لا تعزز الدولة العراقية، التي تمثل الأساس الوحيد الذي يمكن أن تستند إليه سيادة حقيقية.