شفق نيوز- ترجمة خاصة
أصبح العراق بمثابة "نقطة الضغط" على إيران، ولم يعد يمثل شبكة الأمان الاستراتيجية لطهران، بحسب ما خلص إليه "منتدى الخليج الدولي" الذي يتخذ من واشنطن مقراً له، معتبراً أن الولايات المتحدة لن تتعامل مع العراق الآن كقضية فنية أو ثانوية، لأنه أصبح محورياً في نهج واشنطن تجاه إيران.
وفي حين أشار "منتدى الخليج" في تقرير له ترجمته وكالة شفق نيوز، إلى أن المفاوضات الحالية بين الولايات المتحدة وإيران تتم في ظل ظروف إقليمية مختلفة جوهرياً عن ظروف العام 2010، وفي ظل ميزان القوى المتغير بين الطرفين، اعتبر أن طهران لم تعد تتفاوض من موقف التوسع، ولكن من الانكماش، وذلك في ظل ضعف شبكتها الإقليمية وتآكل قنواتها بالوكالة التقليدية، ما جعل العراق يبرز كآخر بطاقة استراتيجية متبقية لطهران.
وقال التقرير تحت عنوان "فخ المفاوضات الأميركية الإيرانية: الدور الاستراتيجي للعراق"، إن الساحة العراقية تتقاطع بشكل متزايد مع ديناميكية التفاوض الأوسع نطاقاً بين الولايات المتحدة وإيران حالياً، ليس كبند رسمي من جدول الأعمال، وإنما كمتغير استراتيجي يؤثر على حسابات الطرفين.
وبعدما أشار التقرير إلى أن ما أسماها "شبكة الوكلاء" لإيران في أنحاء الشرق الأوسط، لم تعد سليمة، مثلما جرى في سوريا التي كانت مركزاً للنفوذ الإيراني، أوضح أن هذه التغيرات أدت إلى كسر استمرارية ما يسمى "الهلال الشيعي"، مما أدى إلى عرقلة الترابط الجغرافي والاستراتيجي الذي اعتمدت عليه إيران لاستعراض قوتها من طهران إلى بيروت.
وتابع التقرير مشيراً إلى إضعاف القوى الحليفة لإيران، كما في لبنان واليمن، ليقول إن هذه التطورات تظهر تحولاً واضحاً مفاده أن الركائز الإقليمية الإيرانية تتجزأ بدلاً من أن تتقدم، تاركة العراق كآخر ساحة لا يزال بإمكان طهران إظهار نفوذها بعمق استراتيجي.
ورأى التقرير أنه برغم أن العراق ليس جزءاً من المفاوضات وليس على جدول الأعمال حتى الآن، إلا أنه اعتبر هذا هو بالضبط السبب في أنه مهم، موضحاً أنه مع تآكل الأصول الإقليمية الإيرانية، فإن العراق تحول إلى الساحة الأخيرة التي لا يزال بإمكان طهران من خلالها استعراض القوة، وتهديد المصالح الأميركية، والضغط على الدول الإقليمية، والحفاظ على مظاهر العمق الاستراتيجي.
وأضاف التقرير أن "العراق لا يعمل كورقة مساومة داخل المفاوضات، وإنما كآخر ورقة يمكن لإيران أن تلعبها من خارج المفاوضات".
وبحسب التقرير، يظهر مساران استراتيجيان، حيث تختار إيران في البداية حلاً وسطاً تكتيكياً، بحيث إنه إذا تمكنت القيادة، وخاصة المرشد الأعلى علي خامنئي، من تأمين بقاء النظام للعقد المقبل، فإن طهران قد ترضى بتنازلات محدودة، من خلال نقل أجزاء من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، ووضع قيود على برنامجها للصواريخ الباليستية، والحد من التدخل العلني في دول إقليمية محددة.
ورأى التقرير أن خطوات كهذه لن تشكل تراجعاً استراتيجياً بشكل كامل، وإنما بدلاً من ذلك، سيتم تصميمها للحد من خسائرها مع الحفاظ على قدرة إيران على العمل عبر العراق كمعقلها النهائي.
أما المسار الثاني بحسب التقرير، فإن فكرته هي أنه في حال انهارت المفاوضات، فسيتم اختبار ردع إيران في أضعف لحظة لها، مشيراً إلى أن أي هجوم إيراني على المصالح الأميركية في المنطقة، قد يواجه برد انتقامي يهدد استقرار النظام، لافتاً إلى أنه في ظل مثل هذا السيناريو، فإن العراق لن يعمل بعد الآن كدرع لإيران، وإنما كـ"نقطة ضغط" يمكن من خلالها إضعاف طهران أكثر.
وأوضح التقرير أن "هذا هو بالضبط المكان الذي يصبح فيه تحول السياسة الأميركية الأخير تجاه العراق حاسماً".
وذكر التقرير أنه في ظل هذه الخلفية من المخاطر المتزايدة وديناميات الردع المتبدلة، فإن واشنطن بدأت في إعادة ضبط نهجها الخاص تجاه العراق، وتعامله بشكل أقل كمسرح، وأكثر كساحة مركزية للاستراتيجية الإقليمية.
ولفت إلى أن قرار واشنطن بإقالة مارك سافايا من دوره كمبعوث أميركي، ونقل المهمة إلى توم باراك، لا يمثل خطوة بيروقراطية روتينية، وإنما يشير إلى قرار استراتيجي أعمق بأن العراق ليس مجرد الورقة الأخيرة لإيران، وإنما أيضاً أكبر ضعف لها.
ورأى التقرير أنه من خلال تكليف توم باراك بملف العراق، فإنه من المرجح أن توجه الولايات المتحدة رسالة واضحة بأنه لن يتم إدارة العراق بعد الآن كقضية فنية أو ثانوية، وأن العراق أصبح محورياً في نهج واشنطن تجاه إيران.
وتابع التقرير أن المنطق واضح في هذه الخطوة، إذ أنه مع خسارة إيران نفوذها في سوريا ولبنان واليمن، فإن اعتمادها على العراق، آخذ بالتزايد، مضيفاً أنه كلما تزايد اعتماد إيران على العراق كساحة بالوكالة، كلما أصبحت أكثر انكشافاً.
وقال التقرير إن المفاوضات مع إيران لا تتعلق بالعراق كورقة مساومة، وإنما بمدى إمكانية الولايات المتحدة تجريد إيران من آخر ورقة متبقية لها، أو استخدامها لتقييد وضع طهران الإقليمي.
وخلص التقرير إلى القول إن ما يظهر على السطح على أنه دبلوماسية متجددة قد يخفي استراتيجية ختامية، موضحاً أن طهران تتفاوض بينما تضيق خياراتها، وتضعف تحالفاتها، وتتعرض آخر ساحاتها بالوكالة لضغوط متزايدة.
وختم التقرير قائلاً إن العراق لم يعد شبكة الأمان الاستراتيجية لإيران، وإنما أصبح نقطة الضغط التي يمكن من خلالها تقييد طهران وربما محاصرتها، مضيفاً أن الأسابيع المقبلة ستكشف عما إذا كانت إيران ستعترف بهذا التحول في الوقت المناسب، أو أن ورقتها الأخيرة قد انقلبت بالفعل ضدها.