شفق نيوز- ترجمة خاصة
ظهر جيل جديد من المزارعين العراقيين الذي يحمون الزراعة من خلال التحول والتكيف الفاعل وعدم الاكتفاء بالتأثر بالتغيير المناخي من خلال الاستفادة من العلم والطاقة المتجددة للحفاظ على موروثهم الحي من اجدادهم، بحسب ما خلص إليه برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في العراق.
وذكر البرنامج الأممي في تقرير له، بترجمة وكالة شفق نيوز، ان الزراعة في جميع أنحاء جنوب العراق، كانت دائما الركيزة الأساسية للمجتمعات، حيث دعمت سبل العيش والثقافات والهويات عبر الأجيال، موضحا أنه من نخيل التمر الشهير في البصرة إلى حقول القمح ومزارع الخضروات في ذي قار وميسان والمثنى، لم تكن الزراعة يوماً مجرد مهنة، بل هي إرث حي، لافتا الى ان هذا الارث يواجه اليوم ضغوطاً متزايدة، الا ان جيلاً جديداً من المزارعين يعيد صياغة مستقبله من خلال العلم والطاقة المتجددة والممارسات الصمود أمام التغير المناخي.
وأوضح تقرير الهيئة الدولية ان الانظمة الزراعية التقليدية وفرت لعقود من الزمن، استقراراً في جنوب العراق، الا ان الضغوط المناخية المتسارعة بدأت في تقويض هذه الأسس، حيث يواجه المزارعون شح مزمن في المياه، وارتفاع ملوحة التربة، وتوغل اللسان الملحي في الأنهار، واتساع فجوات الطاقة التي تقوض الإنتاجية والاستدامة، في حين أصبحت ممارسات مثل الري السيحي (الفيضي)، التي كانت فعالة سابقاً، غير متوافقة بشكل متزايد مع تناقص توافر المياه وتدهور الأراضي.
وتابع التقرير، أن الاعتماد على وقود الديزل وإمدادات الكهرباء غير المستقرة أدت إلى زيادة التكاليف والهشاشة، لافتا إلى أنه من دون تدخل في الوقت المناسب، واجهت الأنظمة الزراعية التي صمدت لقرون، خطر التحول إلى أنظمة غير مستدامة.
وقال التقرير انه كتعبير عن إدراك هذه الضرورة الملحّة، أطلقت حكومة اليابان وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي في العراق برنامجاً مستهدفاً تحت مبادرة "تعزيز العمل المناخي المراعي للنزاعات والداعم للسلام في المنطقة الجنوبية ومنطقة الفرات في العراق".
وبحسب التقرير، فإن هذه المبادرة كانت تستهدف أكثر من مجرد إدخال تقنيات جديدة، وإنما سعت الى تمكين المزارعين من الانتقال نحو ممارسات منخفضة الانبعاثات وصامدة أمام تغيرات المناخ، قادرة على حماية الأرض وسبل العيش والاستقرار الاجتماعي للأجيال القادمة.
ورأى التقرير أن هذا التحول بدأ بالدليل العلمي، حيث انه قبل التنفيذ، أجرى المشروع استطلاعات وتقييمات للأراضي ودراسات سوقية في البصرة وذي قار وميسان والمثنى، وتمت استشارة أكثر من 250 مزارعاً لتحديد المعوقات والأولويات ونقاط الانطلاق الواقعية للتغيير.
وتابع قائلا ان المشروع استند أيضا الممارسة بدلاً من التعليم النظري فقط، حيث أنه في أواخر العام 2025، تم تقديم تدريبات مكثفة لمدة 3 أيام في المحافظات الأربع، شارك فيها أكثر من 185 مزارعاً في نهج "التعلم بالممارسة"، وجرى تحويل المفاهيم المجردة إلى مهارات ملموسة يمكن تطبيقها في الميدان بشكل فوري.
وبحسب التقرير، فقد عزز المزارعون قدرتهم على إدارة الأراضي في ظروف الملوحة وندرة المياه من خلال تحسين التصريف، وزيادة كفاءة الري، واتخاذ تدابير للحد من تدهور التربة، وعززوا فهمهم لكيفية تأثير الملوحة على المحاصيل، واستكشفوا الأصناف المتحملة للملوحة، وتعلموا كيف يمكن لإدارة المياه المدروسة أن تستعيد الإنتاجية بدلاً من استنزاف الموارد.
وتابع التقرير انه للمرة الاولى بالنسبة للعديد من المشاركين، أصبح العلم ملموساً؛ حيث اختبر المزارعون تربتهم ومياههم بأنفسهم، وقاسوا الموصلية الكهربائية، وتعلموا من خلال تبادل الخبرات مع أقرانهم، وانتقلت المعرفة من نظرية بعيدة إلى اتخاذ قرارات عملية مدمجة في العمل الزراعي اليومي، في حين أن التدريب توسع ليشمل إدارة الثروة الحيوانية.
ولفت التقرير إلى أن تقييمات ما قبل وما بعد التدريب، أظهرت تحقيق مكاسب كبيرة في المعرفة التقنية في كل المحافظات، والأهم من ذلك، تُرجمت هذه المكاسب إلى ثقة، حيث أبلغ المزارعون عن قدرة أقوى على فهم وتكييف وتطبيق الممارسات الحديثة ضمن قيودهم الخاصة.
وأشار التقرير أنه في قلب هذا التحول كان هناك التزام متزايد بالطاقة الشمسية، حيث حدد المزارعون ضخ المياه بالطاقة الشمسية كبديل حيوي لشبكات الكهرباء المتقطعة ووقود الديزل المكلف، كما وفرت الطاقة الشمسية الاستقرار، وخفضت الانبعاثات، وكانت ميسورة التكلفة على المدى الطويل. واضاف التقرير انه مع اقترانها بإدارة الري المحسنة، يتمكن المزارعون من تقليل فقد المياه، واستقرار الإنتاج خلال مواسم الذروة، وحماية التربة والدخل من تقلبات المناخ والطاقة.
وخلص التقرير الاممي الى القول ان هذا الانتقال من الوعي إلى العمل يشير إلى ظهور جيل جديد من حماة الزراعة في جنوب العراق، مبينا أن المزارعين لم يعودوا مجرد متأثرين بتغير المناخ، بل أصبحوا بشكل متزايد فاعلين في التكيف، مستخدمين العلم والطاقة المتجددة للحفاظ على موروثهم من خلال التحول بدلاً من المقاومة.
ورأى التقرير أنه من خلال ترسيخ المعرفة التقليدية في الأدلة العلمية ومزاوجة ممارسات الأجداد بالأدوات الحديثة، يقوم هؤلاء المزارعون بأكثر من مجرد استدامة الإنتاج، حيث إنهم يحمون أسلوب حياة، وأصبحت الحقول مساحات للتجريب والصمود، حيث تحل الطاقة الشمسية محل عدم اليقين، ويسترشد الري بالبيانات بدلاً من التخمين. وتابع قائلا ان المزارعين لا يتحملون أزمة المناخ فحسب، بل يشكلون نتائجها ويضمنون بقاء الموروث الزراعي في جنوب العراق منتجاً وصامداً وحياً للأجيال القادمة.