شفق نيوز- واشنطن
تفتقر الولايات المتحدة الى "الوضوح الاستراتيجي" في تعاملها مع العراق، وبحسب "معهد الشرق الاوسط" الاميركي، فإنها تساهم في تعميق أزماته بدلا من حلها، ويتمثل ذلك في ضغوطها على بغداد للسيطرة على "وكلاء إيران" من دون ان تدرك تماما تحديات وتعقيدات البيئة السياسية والامنية التي يواجهها العراقيون.
وبدايةً، ذكر المعهد الاميركي في تقرير له، ترجمته وكالة شفق نيوز، بزيارة وزير الخارجية الأميركي السابق مايك بومبيو الى بغداد غير المعلنة في العام 2019، حاملا رسالة مفادها أنه يتحتم على الحكومة العراقية كبح جماح الفصائل المسلحة المتحالفة مع إيران، لافتا إلى أن زيارة بومبيو جاءت بعد إلحاق الهزيمة بتنظيم داعش، فيما كانت الفصائل العراقية تسعى الى تحويل شرعية ساحة المعركة الى نفوذ سياسي وامني ومؤسسي داخل الدولة.
واوضح التقرير انه بعد نحو 7 سنوات، تجددت الرسالة ذاتها، وجرت مكالمة هاتفية بين رئيس الوزراء محمد شياع السوداني ووزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو الذي حث على اتخاذ إجراءات ملموسة لوقف هجمات الفصائل، وذلك بعد وقوع ضربات استهدفت سفارة واشنطن والمصالح الاميركية في بغداد.
واعتبر التقرير ان تكرار هذه الرسالة الاميركية يسلط الضوء على خلل في سياسة الولايات المتحدة، حيث أنها تواصل مطالبة بغداد بالسيطرة على الفصائل، إلا أنها لا تدرك تماما طبيعة البيئة التي تواجهها، حيث ان واشنطن تخاطب دولة يفترض أنها تحتكر صنع القرار، إلا أن هذه الجماعات المسلحة تعمل داخل مؤسسات الدولة والى جانبها، وتتمتع بالتأثير على القرارات من خلال الشرعية الرسمية دون خضوعها بالكامل لسلطة الحكومة.
واوضح التقرير ان هذا التناقض يشير الى سوء الحسابات، ويعكس ايضا التردد في الاعتراف بتحولات القوى في العراق، حيث يتم توزيع السلطة عبر المراكز المتداخلة.
وبحسب التقرير، فإن المواجهة الاقليمية الحالية شهدت توسع هذا الواقع، حيث تستخدم ايران العراق كمساحة عملياتية في صراعها مع الولايات المتحدة، وذلك من خلال تواجد أفراد فيلق القدس في العاصمة العراقية بغداد وإنشاء مركز عمليات لتنسيق شبكة تعمل تحت ستار سياسي وامني في كل انحاء العراق وسوريا وغيرهما، في حين استهدفت ضربات الفصائل هياكل الاستخبارات العراقية والمواقع العسكرية التي تنسق مع القوات الاميركية بموجب الاتفاقيات الامنية، ما تسبب بقطع الروابط التشغيلية والاستخباراتية بين المؤسسات العراقية وواشنطن، والى تراجع التنسيق ميدانيا، مما ساهم في انسحاب ضباط الاتصال من قيادة العمليات المشتركة وتراجع وجود حلف "الناتو".
ورأى التقرير أن الهدف لا يقتصر على مهاجمة الاصول الاميركية، اذ انه يمتد ليطال اعادة صياغة العلاقات الامنية الخارجية للعراق والسماح للفصائل الموالية لإيران باستخدام حق النقض على التعاون مع واشنطن.ونوه التقرير إلى أن هذه المسارات تشير الى احتمالات تصعيد، موضحا أن التقارير تشير إلى أن زيادة الضغط لنزع سلاح هذه الفصائل او تفكيكها، يمكن ان تدفعها نحو السعي للسيطرة المباشرة على الدولة عنوة.
وتابع التقرير قائلا إن هذا المسار يعتمد على ما اسماه "المساحة الرمادية" التي ساعدت السياسة الأميركية في الحفاظ عليها، موضحا أن هذه المجموعات تطورت من جهات فاعلة موازية، الى حضور متقدم داخل الهيكل الأمني الإيراني في داخل العراق، مضيفا ان "التحول من التأثير على صنع القرار الى السيطرة، ليس تمزقا مفاجئا، إلا أنه نتيجة معقولة لسنوات من الغموض الاستراتيجي".
وأضاف التقرير موضحا أن هذا الوضع يعكس ضعفا هيكليا في السياسة الاميركية، لافتا الى ان واشنطن لم تقدم إجابة على سؤال أساسي، ومفاده هل ان العراق دولة تتمتع بالسيادة وبمقدورها احتكار القوة، او انها عبارة عن نظام لتقاسم السلطة مع القوى الفاعلة المسلحة.
وقال التقرير إن "السياسة الاميركية لا تصيغ السياسة العراقية ولا تعيد سيطرة الدولة، إلا أنها تعمل بدلا من ذلك في مساحة وسيطة بدون وضوح استراتيجي،" مضيفا ان واشنطن اعتمدت في احسن الاحوال، على الاحتواء الانتقائي، وذلك من خلال الاستخدام المحدود للقوة لادارة التصعيد، الى جانب استمرار الانخراط الدبلوماسي مع حكومة لا تمارس السيطرة الكاملة على أمنها.
واوضح التقرير الاميركي ان هذه الاستراتيجية الاميركية، بدلا من تضعف الفصائل المتحالفة مع إيران، فإنها ساهمت في تعزيز البيئة التي تتوسع داخلها الميليشيات، مضيفا أنه مع مرور الوقت، أصبحت هذه الازدواجية جزءا لا يتجزأ من هيكل الحكم نفسه، مما يجعل أي محاولة لعكس اتجاهها صعبة.وختم التقرير بالقول إنه نتيجة ذلك لم يكن دولة عراقية اقوى او ردعا اميركيا حاسما، وانما حالة وسيطة مستدامة، يزدهر فيها النفوذ الفصائلي.
وخلص الى القول انه في ظل هذا الوضع القائم من التحذيرات المتكررة والضربات المتكررة والمطالب المتكررة، فإن السؤال الرئيسي لم يعد هو ما اذا كان بامكان بغداد السيطرة على الفصائل، وأصبح التساؤل الأكثر جوهرية مفاده متى ستدرك واشنطن أن كتاب قواعدها القديم، لا يمكنه ادارة العراق؟