شفق نيوز – واشنطن

وصفت صحيفة أميركية العراق في تقرير لها، بأنه "مركز الجاذبية الإستراتيجي" بالنسبة لإيران، والمنصة الأساسية التي تحافظ من خلالها على نفوذها الإقليمي سياسياً وعسكرياً واقتصادياً، حيث اعتبرت أن العراق ليس مجرد ساحة للنفوذ الإيراني، وهو أكثر أهمية من سوريا ولبنان، وإنما هو الساحة نفسها.

وقال صحيفة "ذا غلوبال بوست" الأميركية في تقريرها، إنه في حال جرى "طرد" إيران من العراق وإجبارها على التراجع الى داخل حدودها، فإن مشروعها الإقليمي سيبدأ بالانهيار، حيث ستتراجع قدرتها على تسليح وتنسيق قواتها الوكيلة بما في ذلك في بلاد الشام، في حين أن ادعائها بالهيمنة الإقليمية سيظهر أكثر هشاشة.

واعتبر التقرير أن هذا هو بالضبط السبب في أن إيران لا تتراجع من العراق، وإنما تعزّز نفسها فيه، وأصبح تشكيل الحكومة العراقية الجديدة، الاختبار الحاسم لذلك في الوقت الراهن حيث تضع الفصائل السياسية وشبكة الميليشيات المتحالفة مع إيران، نفسها لضمان تحقيق النتيجة لصالح إيران، بما في ذلك من خلال الحشد الشعبي الذي لا يزال العمود الفقري لهيكلية النفوذ الإيراني في العراق.

ويرى التقرير أن الميليشيات في العراق اليوم، لا تحتاج إلى الإطاحة بالدولة، وإنما تحتاج فقط إلى حق "الفيتو" داخلها، بما يسمح لها بصياغة كل شيء، من تشكيل مجلس الوزراء، والتعيينات الأمنية، وأولويات الميزانية، والضغط القضائي، إلى رسم حدود النقاش السياسي، حيث أن المنافسة الحاسمة ليست دائماً داخل مجلس النواب، وإنما في الفضاء الذي تسيطر عليه الميليشيات في خارجه.

كما اعتبر التقرير أن تأثير إيران في العراق لم يعد يعتمد بالدرجة الأولى على الترهيب العلني، وإنما يجري عبر نظام الكتل البرلمانية المتحالفة مع طهران، والمؤسسات الأمنية التي يشكلها قادة الميليشيات، والشبكات الاقتصادية التي تربط العراق بالمصالح الإيرانية، بما في ذلك من خلال الطاقة التي تُعتبر أحد أكثر الأدوات الإيرانية فعّالية والتي تمنح طهران "نفوذاً ثابتاً"، كما جاء في التقرير.

وبحسب التقرير، فحتى عندما يحاول القادة العراقيون أن يقلّصوا من التبعية لإيران، فإن حلفاء طهران داخل العراق، يكون بمقدورهم أن يؤخروا تحقيق ذلك وعرقلة الإصلاحات وشل مؤسسات الدولة، ولهذا السبب يمثل العراق "قيمة استراتيجية للغاية" لإيران حيث يوفّر لها 3 مزايا لا توفّرها أية ساحة أخرى في وقت واحد.

ويوضح التقرير أن أول هذه المزايا هي العمق الإستراتيجي حيث أن العراق يؤمن الوصول إلى الممرات الرابطة بسوريا ولبنان، ومساحة عملياتية لنقل الأسلحة والأموال والأفراد.

أما ثاني هذه المزايا، فتتمثل بالعون الاقتصادي، من خلال التخفيف عن طهران ضغط العقوبات عبر القنوات التجارية والمالية، في حين أن ثالث هذه المزايا يتمثل بالغطاء السياسي الذي يسمح لإيران أن تغلف هيمنتها على أنها "شراكة" تعمل تحت علم العراق والقوى الفاعلة فيه.

ورأى التقرير الأميركي، أنه في حال استعاد العراق سيادته الحقيقية، من خلال السيطرة على السلاح والمؤسسات المستقلة وإنهاء هيمنة الميليشيات، فإن إيران ستخسر ما وصفه بأنه "أثمن أصولها الخارجية".

وأشار إلى أن الظاهرة الأكثر إثارة للاهتمام الآن، ليست تصميم إيران، وإنما غياب الولايات المتحدة، موضحاً أنها تستمر في إصدار بيانات الدعوة إلى الاستقرار، والتحذير من التصعيد، واستخدام اللغة الدبلوماسية حول السيادة.

إلا أن التقرير اعتبر أن البيانات لا تمثل استراتيجية، حيث تفتقر واشنطن إلى امتلاك رؤية لمواجهة الهيمنة الإيرانية، فيما لا يتوفر نهج سياسي مستدام لتعزيز السيادة العراقية، ولا توجد خطوط حمراء واضحة ضد استيلاء الميليشيات على الدولة.

وفي إشارة إلى الغياب الأميركي، قال التقرير إنه "ليس محايداً، وهو بمثابة إذن"، وإن واشنطن تعتمد منذ سنوات على رد الفعل سواء تعلّق الأمر بالرد على الهجمات الصاروخية للميليشيات، أو معاقبة القادة الأفراد، أو إصدار التحذيرات بعد الأزمات، لكنها تتجنب البنية السياسية الأكثر عمقاً للنفوذ الإيراني".

وفي المقابل يقول التقرير، إن إيران وحلفاءها يقومون بالعمل الشاق من أجل تحقيق السيطرة من خلال بناء التحالفات، والاستيلاء على المؤسسات، وتطبيع سلطة الميليشيات، وتحديد من يحكم.

وختم التقرير بالقول إن طهران تدرك شيئاً قاومت واشنطن الاعتراف به، وهو أن "العراق ليس ملفاً ثانوياً، وإنما هو الملف نفسه"، مضيفاً أن العراق ليس عليه أن يختار إيران أو أميركا، وإنما عليه أن يختار نفسه، وأن عراقاً يتمتع بالسيادة، لا يعني العداء تجاه إيران، وإنما هو عراق على علاقة محدّدة بإيران ترتكز على الاحترام المتبادل بدلاً من الإكراه والتبعية.

وخلص تقرير الصحيفة الأميركية، بالقول إنه في حال نجح العراق في تأكيد سيادته، فإن المشروع الإقليمي الإيراني سيتراجع بشكل طبيعي، أما في حال فشل العراق، فإنه سيبقى القناة الرئيسية التي تحافظ من خلالها طهران على طموحاتها.