شفق نيوز- ترجمة خاصة
تواجه حكومة رئيس الوزراء العراقي الجديد علي الزيدي، تحدياً عانت منه الحكومات المتعاقبة، وهو بحسب معهد "تشاتهام هاوس" البريطاني، كيفية بسط سلطة حقيقية على عشرات الجماعات المسلحة المرتبطة بشكل فضفاض تحت مظلة الحشد الشعبي، إلا أن القضية أصبحت أكثر إلحاحاً في الوقت الحاضر لأن بعض هذه الجماعات، تجر العراق، في ظل استمرار الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، إلى الصراع الإقليمي الذي تحاول بغداد تجنبه.
وفي حين أشار تقرير المعهد الذي ترجمته وكالة شفق نيوز، إلى أن قضية سيطرة الدولة على الميليشيات اكتسبت زخماً جديداً مؤخراً، لفت في هذا الإطار إلى الخطوات التي قامت بها "سرايا السلام" التابعة إلى "التيار الوطني الشيعي" بزعامة مقتدى الصدر، و"عصائب أهل الحق" بزعامة قيس الخزعلي، الذي وصفه التقرير بأنه حليف طهران القديم الذي عزز مؤخراً تركيزه على السياسة العراقية المحلية.
إلا أن التقرير تحدث عن رفض فصائل أخرى لمثل هذه الخطوات بما في ذلك الجماعات الأساسية في "محور المقاومة" بينها "كتائب حزب الله" و"حركة النجباء"، معتبراً أن موقفهم هذا يكشف حدود أي جهد لدمج الميليشيات، ويبدو أن الجماعات التي لها أكبر مصلحة سياسية داخلية في المؤسسات العراقية هي الأكثر قابلية للاندماج، بينما الجماعات الأكثر ولاءً لمشروع طهران الإقليمي لديها دافع أقل للخضوع إلى الحكومة في بغداد.
واعتبر التقرير أن السؤال الرئيسي يتعلق بما إذا كانت الحكومة العراقية وحلفاؤها تمتلك القدرة والإرادة لمواجهة هذه الجماعات، مشيراً إلى أن كل حكومة جديدة تتشكل تأتي بوعود طموحة، إلا أن أجندات الإصلاح تميل إلى خسارة زخمها بمجرد وقوع مواجهة مع الأحزاب السياسية القوية، وشبكات المحسوبية الراسخة، والقوى المسلحة التي تتمتع بالنفوذ داخل الحكومة وخارجها.
ومع ذلك، رأى التقرير أنه يتحتم على حكومة الزيدي الآن أن تنظر فيما إذا كانت الحرب قد خلقت فرصة محتملة لكسر هذه الدائرة، أم أن هذه العقبات الأساسية لا تزال قائمة.
وبرغم أن التقرير أشار إلى أن بغداد حاولت حماية العراق من تصاعد الصراع الإقليمي بعد هجوم حماس على إسرائيل في 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، إلا أنه قال إن المرحلة الأخيرة من المواجهة الأميركية الإسرائيلية مع إيران أظهرت أن هذه الاستراتيجية كانت محدودة.
وبحسب التقرير، فإن إيران خلال جولات التصعيد السابقة، وخصوصاً خلال حرب الأيام الـ12 في حزيران/ يونيو 2025، أمرت الفصائل العراقية بعدم التدخل، حيث إن الاستقرار في العراق كان يخدم مصالحها ويؤمن عمقاً استراتيجياً كانت تتردد في تعريضه للخطر، إلا أن هذه الحسابات تبدلت الآن حيث أصبحت طهران ترى نفسها بمواجهة صراع وجودي ولم تعد تسعى للحفاظ على الوضع الراهن في المنطقة أو العراق.
ورأى التقرير أن إيران ترى بدلاً من ذلك أن العراق يمثل بشكل متزايد ساحة رئيسية بمقدورها من خلالها إبراز نفوذها وتعزيز ردع إقليمي جديد بينما تسعى لرفع التكاليف الاقتصادية والأمنية لاستمرار الصراع على خصومها.
وذكر "تشاتهام هاوس"، أنه خلال الحرب، أعلنت "ميليشيات" عراقية متحالفة مع إيران هجمات ضد المصالح الأميركية في العراق والمنطقة، بينما نفذت الولايات المتحدة وإسرائيل ضربات على مجموعات في العراق، وأن وجود الجماعات المسلحة في العراق قلل من مساحة بغداد للمناورة بينما تمارس الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران مواجهتها على الأراضي العراقية.
وفي السنوات الأخيرة، استفاد العديد من قادة الفصائل العراقية من استقرار البلاد النسبي. بينما دخلت دول أخرى مرتبطة بمشروع طهران في صراع وأزمة اقتصادية، استمتع العراق بهدوء نسبي وفترات نمو اقتصادي، وفق التقرير.
ولفت إلى أنه خلال السنوات الأخيرة، تحقق هدوء نسبي وازدهار اقتصادي، وحصل قادة الحشد الشعبي على مقاعد برلمانية وحقائب وزارية بحيث أصبح الانخراط في الحكومة أكثر ربحية لهم من المقاومة الدائمة.
وأوضح أن الحرب الحالية تهدد المكاسب التي حققوها، مضيفاً أن هذه التطورات خلقت سوية فرصة سياسية محتملة حيث تتوافق مصالح بعض قادة الحشد الشعبي بشكل متزايد مع مصلحة الحكومة في منع الميليشيات من جر البلد إلى صراعات إضافية.
كما تناول التقرير إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب التي أصبح صبرها أقل تجاه بغداد، وتطالب باتخاذ إجراءات أقوى ضد الجماعات المسلحة المتحالفة مع إيران وبسيطرة الحكومة بشكل أكبر على السلاح.
ومع ذلك، قال التقرير إنه حتى لو أصبحت الظروف السياسية لدمج الميليشيات أكثر ملاءمة، فإن التنفيذ لا يزال صعباً للغاية، مذكراً بأن العراق شهد عمليات مماثلة من قبل، طارحاً مثال "منظمة بدر" التي دخلت رسمياً المؤسسات الحكومية بعد العام 2003، إلا أنها لم تقطع ولاءاتها السياسية السابقة واستمرت في ممارسة نفوذها خارج الحكومة.
وأضاف أن ذلك يعكس سمة أوسع للنظام السياسي العراقي، ونقل التقرير عن أحد المقاتلين العراقيين قوله "ما هو الاندماج؟ ننقل المسدس من يدي اليمنى إلى اليسرى".
ولهذا، اعتبر التقرير أن الاندماج الرسمي لا يغير بالضرورة من يحمل السلطة الحقيقية، مضيفاً أن القضية الحاسمة لا تتعلق بما إذا كان المقاتلون سيحتفظون بأسلحتهم إذ أن العراق مليء بالأسلحة الصغيرة، لكن السؤال الأهم يتعلق بما إذا كانت الفصائل ستسلم الطائرات المسيّرة والصواريخ التي تمنح قادتها الثقة بأنهم يحتفظون بالوسائل للدفاع عن مصالحهم بشكل مستقل عن الدولة.
وبحسب التقرير، فأنه من دون معالجة تلك القدرات، فإن الاندماج قد يتحول إلى تمرين إداري، بدلاً من تحقيق النقل الحقيقي للسلطة إلى بغداد، حيث إن القضية الأكثر عمقاً هي ما إذا كان يمكن نقل القيادة والولاء أيضاً.
وخلص "تشاتهام هاوس" إلى القول إن حكومة الزيدي قد تكون ورثت بيئة أكثر ملاءمة للاصلاح فيما يتعلق بالميليشيات مقارنة بأي إدارة عراقية في السنوات الأخيرة.
وأوضح أن الصراع الإقليمي، وانهماك إيران بتحديات أمنها الداخلي، والضغط من واشنطن، والقلق المتزايد بين النخب العراقية، تلاقت كلها بما يخلق تقارباً نادراً في المصالح، لكنه أشار إلى أن تاريخ العراق يقدم قصة تحذيرية، حيث غالباً ما تبدأ الحكومات الجديدة بوعود طموحة وزخم سياسي واسع، وغالباً ما تتلاشى هذه الطموحات عند مواجهة واقع حكم نظام سياسي مجزأ.
وختم تقرير المعهد البريطاني قائلاً إن الأشهر المقبلة ستظهر ما إذا كانت اللحظة الحالية تمثل نقطة تحول حقيقية أم أنها مجرد دورة أخرى من خطاب الإصلاح الذي لا يتحقق، مضيفاً أن بغداد تواجه تحدياً لتجاوز الهياكل السياسية التي منعت الحكومات السابقة من تسوية قضية الجماعات المسلحة، وإلى الآن لا تتوفر أدلة كثيرة على أن تلك الهياكل قد تغيرت جذرياً.