شفق نيوز- ترجمة خاصة
يعيد مقال رأي للكاتب الإيراني المقيم في الخارج أمير طاهري طرح عبارة أميركية متكررة في ملف إيران، وهي قول مسؤولين في واشنطن إن "كل الخيارات مطروحة على الطاولة"، محاججاً بأن العبارة تحولت منذ أزمة الرهائن عام 1979 إلى لازمة خطابية تُقال كثيراً وتُترجم قليلاً إلى أفعال حاسمة، وفق ما ورد في مقال نشره موقع "إندبندنت فارسي".
ويكتب طاهري أنه سمع العبارة للمرة الأولى بعد أيام من اقتحام طلاب "خط الإمام" السفارة الأميركية في طهران، حين أطلقها الرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر أمام كاميرات التلفزيون وهو يلوح بإصبعه محذراً، ويصفها بأنها بدت حازمة في ظاهرها لكنها "عارية" في جوهرها.
وبحسب المقال الذي ترجمته وكالة شفق نيوز، لم تغب الجملة عن ألسنة الرؤساء الأميركيين الذين تتابعوا بعد كارتر، من رونالد ريغان وجورج بوش الأب وبيل كلينتون وجورج بوش الابن إلى باراك أوباما وجو بايدن ودونالد ترمب، مع اختلاف النبرة بين إدارة وأخرى من دون أن يعني ذلك، برأي الكاتب، اختلافاً مكافئاً في النتائج على الأرض.
ويعرض طاهري قراءته لنبرة كارتر على أنها نبرة أسف مقرونة بمحاولات مبكرة للتقارب مع قيادة الثورة في طهران عبر رسائل واتصالات موصوفة في المقال، قبل أن ينتقل إلى ريغان الذي يقول إنه استخدم العبارة بلهجة تهديدية، فيما يورد الكاتب في الوقت نفسه أمثلة عن مسارات اتصال وتسليح سرية نُسبت إلى تلك المرحلة.
ويمضي المقال إلى بوش الأب، فيذكر أنه كان على اتصال "مزدوج المسار" مع أطراف بارزة في طهران قبل انتخابه، ثم إلى كلينتون الذي يقول الكاتب إنه اختار من "كل الخيارات" مسار الاعتذار السياسي والثقافي، قبل أن يتناول بوش الابن الذي يذكر أنه رأى، بتأثير من رئيس الوزراء البريطاني آنذاك توني بلير، إمكانية تطوير تعاون أوسع مع الجمهورية الإسلامية على خلفية ما قدمته، كما يصف، من تعاون تكتيكي في أفغانستان والعراق.
وفي قراءته لمرحلة أوباما، يذهب طاهري إلى أن إدارة الرئيس الديمقراطي اختزلت الأزمة الإيرانية في ملف النووي وفتحت الباب لسنوات من "عرض تفاوضي" طويل، بينما يقول إن بايدن تابع خط أوباما. كما يصف تعامل ترامب في ولايته الأولى مع إيران بأنه كان كثيراً ما يعود إلى العبارة نفسها كلما ضاق عليه السؤال في هذا الملف.
وفي جزء يركز على دوافع طهران، يكتب طاهري أن خصومة الجمهورية الإسلامية لواشنطن لم تكن هامشاً قابلاً للمساومة، بل عنصراً بنيوياً للحفاظ على التوازنات الداخلية والغطاء الأيديولوجي، مستشهداً بما ينسبه إلى وزير الخارجية الإيراني الأسبق محمد جواد ظريف من أن التخلي عن العداء لأميركا قد يُنزل إيران إلى مرتبة دولة "إسلامية" لا يلتفت إليها أحد. كما يضيف أن "أميركا ستاي" منح طهران، وفق طرحه، قابلية لاستقطاب تعاطف قوى يسارية وعالم ثالثي وشخصيات دولية، فضلاً عن جماعات إسلامية مختلفة.
ويرى الكاتب أن التعقيد ازداد حين بنى جزء من معارضي نظام ولاية الفقيه في المنفى استراتيجياته على توقع تحولات في موقف واشنطن، ويورد أمثلة عن طلبات دعم وتوجيه رسائل سياسية إلى الولايات المتحدة من شخصيات معارضة، ثم يذكر حالة انتظار "الضوء الأخضر" الأميركي بوصفها فكرة تكررت من دون أن تتحقق.
وعلى امتداد المقال، ينتقل طاهري من الحالة الإيرانية إلى فكرة الضغط السياسي في الولايات المتحدة نفسها. ويكتب أن اللوبيات، منذ زمن الرئيس أندرو جاكسون وما تلاه، تطورت إلى صناعة ضخمة ذات مصالح قائمة بذاتها، وأن عملها يميل مع الوقت إلى حماية استمرارها، لأن تحقق الهدف يُنهي الحاجة إليها، بينما الإخفاق الكامل يوقف التمويل، ما يجعل "إدارة الوضع القائم" مكسباً مريحاً للعديد من جماعات الضغط.
ويستعين الكاتب بأمثلة تاريخية يصفها بأنها حالات "انخداع" بعبارة "كل الخيارات على الطاولة"، بدءاً من الحرب الأهلية الصينية ودور مدام شيانغ كاي شيك في واشنطن، وصولاً إلى جماعات مناهضة للشيوعية من أوروبا الشرقية والوسطى خلال الحرب الباردة التي شجعتها إذاعات أميركية على التمرد، ثم اكتشفت، وفق طرحه، أن التدخل الأميركي لم يأتِ رغم الخسائر البشرية الكبيرة.
ويورد كذلك مثال برلين في عهد جون كينيدي حين اعتبر بعض أنصار التمرد ضد النفوذ السوفيتي أن خطاب "أنا برليني" يوازي ضوءاً أخضر، قبل أن ينتهي الأمر، كما يقول، إلى قمع وسجون وبقاء "الجدار الحديدي". ثم يشير إلى تكرار الخيبة في "ربيع براغ" عام 1968.
وفي فيتنام، يكتب أن لوبيّاً مؤثراً في واشنطن دفع الولايات المتحدة إلى التورط، لكن الخيار الذي خرج من "الطاولة" لم يكن تثبيت الحليف بقدر ما كان انقلاباً على نغو دين ديم، ضمن تصور البحث عن "قوة ثالثة" مدعومة أميركياً. كما ينتقل إلى الجزائر وأزمة السويس عام 1956 ليقدم، وفق منطقه، أمثلة عن أولويات واشنطن حتى على حساب حلفاء أقربين.
ويخصص طاهري فقرة صريحة تتعلق بالكورد في العراق، قائلاً إنهم رغم ما يصفه بعقود من الخدمة والتحالف والقدرة على بناء لوبي قوي في واشنطن، تُركوا لمصيرهم في لحظات مفصلية (في 1975)، مضيفاً أن ذلك تكرر حتى عندما قُتل آلاف في هجوم حلبجة بالسلاح الكيميائي، إذ بقيت "كل الخيارات" على الطاولة في واشنطن بحسب تعبيره.
ويتابع المقال بمثال خليج الخنازير في كوبا، حيث يذكر أن آلاف المقاتلين المعادين لكاسترو دخلوا المعركة أملاً بدعم أميركي مباشر لم يأتِ وفق سرد الكاتب، بينما بقي الاتحاد السوفيتي إلى جانب كاسترو.
ويضيف طاهري أن القصة لا تتعلق بـ"تأنيب" الولايات المتحدة بقدر ما تتعلق بفهم طريقة صنع القرار فيها. وينقل عن تيب أونيل، الذي ترأس مجلس النواب الأميركي لسنوات، فكرة أن أي قرار أميركي يمر عبر ثلاثة أسئلة تتعلق بكيف سيُرى القرار لدى الناخب الأميركي العادي، وما فائدته للحزب ولصانعي القرار، ثم ما فائدته للولايات المتحدة ككل. وبناء على ذلك، يقول الكاتب إن أقصى ما قد تختاره واشنطن في كثير من الحالات هو العقوبات، لكنه يضيف أن العقوبات، برأيه، لا تحسم معارك قوى الحرية وتزيد أعباء الشعوب المستهدفة.
وفي خاتمة ذات طابع تحذيري، يستدعي طاهري مثالين حديثين نسبياً. الأول في رومانيا أواخر عهد تشاوشيسكو حين يقول إن واشنطن لوحت بالتدخل إذا وقعت مجازر ثم لم تتدخل بعد سقوط آلاف القتلى في تيميشوارا خلال 48 ساعة. والثاني حين يذكر أن أوباما قال إن استخدام السلاح الكيميائي في سوريا سيقابل بتدخل أميركي، لكنه يورد أن ذلك لم يحدث بعد وقوع الهجمات.
ويختم الكاتب بنقد صياغات ترامب التي تربط المساعدة الأميركية بوقوع "مجزرة" أولاً، معتبراً أن الرهان على تدخل خارجي يترك زمام المبادرة بيد السلطة في طهران وأجهزتها، ويخلص إلى دعوة تقول إن الدرس هو عدم التعويل على ما لا يخضع لسيطرة الداخل، وخوض الصراع اعتماداً على القوة الذاتية وتحويل الهزائم الموضعية إلى دروس تقود إلى "النصر النهائي".